وديع طعمة

وديع طعمة Kontaktinformationen, Karte und Wegbeschreibungen, Kontaktformulare, Öffnungszeiten, Dienstleistungen, Bewertungen, Fotos, Videos und Ankündigungen von وديع طعمة, Münster.

أكتب كي لا أختنق وأفكّر كي لا أتحوّل إلى نسخة أخرى من القطيع-لستُ باحثاً عن الحقيقة أنا حفّارٌ في قبور الأكاذيب المقدّسة-أعيش خارج القطيع وأكتب ضدّ النوم الجماعي للعقول-أنا ابنُ الأسئلة التي يخاف الجميع سماعها! حين يصمت الجميع خوفاً؛ تبدأ كتابتي!

06/09/2026

برج العذراء...!

كل من يلتقيني، وخاصة من النساء، يسألونني عن برجي، وكأن تاريخ ميلادي وثيقة سرّية تكشف كل ما يلزم معرفته عني، دون أن يتعبوا أنفسهم بسؤالي عن أفكاري أو قراءاتي أو ندوبي الحقيقية!

نعم، برجي العذراء، البرج الذي يُقال إنه "صعب"، شديد الملاحظة، قليل الكلام، دقيق حتى حدّ القسوة! وقد أُصدّق أنا شخصياً بعض هذه الصفات، فقوة الملاحظة والتفكير النقدي والميل للتفكيك العميق أشياء تتعبني في نفسي كل يوم! لكن المشكلة ليست في الوصف، المشكلة أعمق من ذلك بكثير!

تخيّل أنك قد تكون رجل أحلام امرأة ما، لكن "عالمة الفلك" أم حفيصة، خرّيجة أكاديمية أم عباس المرموقة لفكّ السحر وجلب الحبيب مع أو بدون حليب، تُقرّر أن برجك لا يتوافق مع برجها!
فيُلغى لقاء، ويُدفن احتمال، ويُكتب مصير إنسانين بناءً على موقع كوكب باهت على بعد ملايين السنين الضوئية، فسّرته امرأة لم تفتح كتاباً علمياً واحداً في حياتها!

وطبعاً لا ننسى الشقّ الآخر من هذه "الأكاديمية" المقدّسة، فهناك أيضاً "عالم الفلك" أبو حفيص، شقيق أم حفيصة بالمهنة إن لم يكن بالدم، يقرأ طالعك من فنجان قهوة لم يشربه هو، ويُشخّص أزمتك النفسية بجملة واحدة: "فيه حسد"!
لا تحليل، لا سياق، لا سؤال عن ظروفك، فقط "حسد"، ثم فاتورة، ثم موعد الأسبوع القادم لمتابعة "الحالة"!
وبين أم حفيصة وأبو حفيص، يقتسم الاثنان سوقاً مزدهرة من العقول التي قرّرت أن تُسلّم مقاليد حياتها لمن لا يملك سوى شهادة ميلاده وشهادة إعفاء من الفهم، لكنه يملك كاميرا هاتف وإضاءة خافتة وصوتاً غامضاً كافياً لإقناع الناس أنه يُكلّم الكواكب مباشرة!

تخيّل أن "بلهاء" مشهورة، بضع مئات آلاف المتابعين وصفحة زرقاء موثّقة، قادرة على أن تحدّد، يوماً بيوم، متى تخرج من بيتك ومتى تختبئ فيه!
خطّطتَ لمشروع، جهّزتَ نفسك، لكن "أم حفيصة" تقول: اليوم لا تخاطر، ابقَ في البيت!
فتبقى، لا لأنك مقتنع، بل لأنك ببساطة عقل مأجور، مُستأجَر لحساب صناعة كاملة تتغذّى على خوفك من المجهول!

وهنا المفارقة التي تستحق وقفة فلسفية حقيقية: كل الأبراج، دون استثناء واحد، تُخبر أصحابها أنهم أقوياء، أذكياء، حنونون، أوفياء، ناجحون، عاطفيون بعمق!
لا يوجد برج واحد يقول لصاحبه: أنت غبي، أنت جبان، أنت خائن بطبعك!
كل التوصيفات مديح مُغلَّف بغموض كافٍ ليصلح لأي إنسان على وجه الأرض، وهذه ليست معرفة، هذه تقنية تسويقية تُسمّى "تأثير بارنوم"، حيث تُصاغ العبارات بعمومية مطّاطة تجعل كل قارئ يرى نفسه فيها، تماماً كما يرى أي إنسان نفسه في مرآة مشوّهة إن أراد ذلك بما فيه الكفاية!

والسؤال الفلسفي الحارق هنا: إذا كان الجميع، بحسب الأبراج، طيباً وذكياً وناجحاً وعاطفياً وممتازاً جداً كثيراً جزيلاً، فمن بحق الجحيم يوزّع الخراب؟!
من يُنتج الغباء الفعلي المنتشر في كل زاوية؟!
من يزرع الكراهية والحقد والحسد اللذين نراهما يومياً في وجوه الناس وفي تعليقاتهم وفي طريقة تعاملهم مع بعضهم البعض؟!

الجواب بسيط وموجع: لا أحد يوزّعه من الخارج!
نحن نصنعه بأنفسنا، ثم نهرب من مسؤوليته إلى كوكب بارد لا يعرف بوجودنا أصلاً!
أسهل أن تُلقي بفشلك على "عطارد الراجع" من أن تعترف أنك لم تُحضّر نفسك جيداً!
أسهل أن تُلقي بخيانة صديق على "برجه الناري" من أن تعترف أن الإنسان، كل إنسان، حرّ في اختيار الخسّة أو النبل، بصرف النظر عن تاريخ ميلاده!

أنا أعرف شخصياً عشرات ممن يحملون برجي "العظيم"، ومع ذلك لا يستطيعون التفريق بين الخمسة وبين كعكة لبنانية مدوّرة!
فأين "الملاحظة الفائقة" و"الذكاء العذراوي" الذي تتغنّى به كل صفحة فلكية؟!

الحقيقة أن الشخصية الإنسانية أعقد بما لا يُقاس من اثني عشر قالباً جاهزاً، وأن اختزال الوعي البشري، بتناقضاته وصراعاته وتجاربه التي لا تُحصى، إلى برج واحد هو أكبر إهانة يمكن أن يوجّهها الإنسان لنفسه!

وأنا شخصياً، لست برجاً، ولم أكن يوماً برجاً!
أنا مجموعة تجارب عشتها، وجروح لم تندمل بعد وأخرى صنعت مني إنساناً أصلب، ودراسات وبحوث سهرت عليها لأفهم نفسي والآخرين بطريقة لا تحتاج إلى كوكب يُبرّر لي شيئاً، وفرص نجحت بها وأخرى فشلت فشلاً ذريعاً وعلّمتني أكثر من كل النجاحات مجتمعة!
أنا نتاج قراراتي، لا نتاج موقع الشمس لحظة ولادتي!
وهذا بالضبط ما تُصرّ "أم حفيصة" وأخوها "أبو حفيص" على إخفائه عنك، لأن إنساناً يعلم أنه صانع مصيره بنفسه لا يحتاج فنجان قهوة ولا كوب حليب ولا خمسين دولاراً مقابل جلسة "قراءة طالع"!

نحن، ببساطة، نخاف من الحرية!
الحرية تعني أننا وحدنا المسؤولون عن اختياراتنا، عن حبّنا وكرهنا، عن نجاحنا وفشلنا، عن كل خرابٍ نزرعه بأيدينا ثم نبكي عليه!
وهذا عبء ثقيل جداً على عقول تعوّدت أن تُلقي بكل شيء على كاهل "أم حفيصة" وكوب الحليب وأكاديمية فكّ السحر!

فلتُسقط الأبراج إن أردت الحقيقة، ولتحمل وزر اختياراتك بنفسك، فهذا هو الفلك الوحيد الذي يستحق أن يُصدَّق!

29/08/2026

وحدة الجموع!

من أغرب المفارقات في هذه الحياة، أن تكون محاطاً بالناس من كل جانب، وتشعر رغم ذلك أنك الكائن الأوحد في هذا الكون!

تجلس وسط حفلة صاخبة، أو اجتماع عائلي، أو مجموعة أصدقاء يضحكون بصوت عالٍ، وفجأة يداهمك ذلك الفراغ الغريب: أنت هنا جسداً، لكن روحك في مكان آخر بعيد تماماً!

هذه ليست العزلة التي نعرفها، فالعزلة الجسدية سهلة الفهم؛ أن تكون وحيداً في غرفة، فتشتاق لصوت إنسان! لكن وحدة الجموع أعقد وأقسى بكثير، لأنها تحدث رغم وجود الأصوات، رغم وجود الأيدي التي تصافحك، رغم الابتسامات الموجّهة إليك!

منذ ديكارت وحتى الفينومينولوجيا الحديثة، ظلّت فكرة واحدة تطارد الفلسفة: أن الوعي الإنساني تجربة أحادية بطبيعتها! أنا لا أعيش ألمك، ولا أنت تعيش فرحي، مهما وصفنا لبعضنا بدقة!
هوسرل وميرلو-بونتي حاولا أن يفهما كيف "نتشارك" العالم رغم أن كل وعي مغلق على ذاته من الداخل، وخلصا إلى أن التواصل بين وعيين ليس نقلاً مباشراً للتجربة، بل تخمين متبادل، محاولة دائمة لبناء جسر فوق هاوية لا تُردَم بالكامل!

هذا ما سمّاه بعض الفلاسفة الوجوديين "الانعزال الأنطولوجي"، أي أن العزلة ليست عرَضاً طارئاً يصيبنا أحياناً، بل هي البنية الأساسية للوجود الإنساني نفسه! نحن، بحسب هايدغر، كائنات "مُلقاة" في العالم، كلٌّ منّا يواجه وجوده الخاص، وموته الخاص، ووعيه الخاص، بمفرده تماماً، حتى لو كان محاطاً بالملايين!

من الناحية النفسية، تكمن المشكلة في فجوة أعمق من مجرد "عدم الفهم"؛ إنها فجوة بين التجربة الداخلية الخام واللغة التي نحاول أن نعبّر بها عنها!
كل كلمة نقولها هي ترجمة، والترجمة دائماً تفقد جزءاً من الأصل! حين أقول لك "أنا حزين"، أنت لا تشعر بحزني، أنت تستدعي حزنك أنت، وتُسقطه على كلمتي، فيحدث تقارب وهمي يوحي بالفهم، بينما التجربتان في الحقيقة منفصلتان تماماً!

هنا تكمن خطورة وحدة الجموع النفسية: أنها تخلق إحساساً مضاعفاً بالخذلان، لأن الشخص يتوقع أن وجود الآخرين سيُشبع حاجته للفهم، وحين لا يحدث ذلك، يشعر بخيانة مضاعفة، مرة من نفسه لأنه توقّع، ومرة من العالم لأنه لم يستجب!

علماء النفس الوجودي، وعلى رأسهم إروين يالوم، اعتبروا العزلة الوجودية إحدى "الهموم النهائية الأربعة" للوجود الإنساني، إلى جانب الموت والحرية واللامعنى!
وبحسب يالوم، فإن أعمق أشكال العلاقة الإنسانية لا تُلغي هذه العزلة، بل تسمح لشخصين أن "يقفا معاً" وهما يواجهانها، لا أن "يذوبا" في بعضهما فيُلغيانها!

المشكلة أننا نتعلّم منذ الطفولة أن نُخفي هذا الفراغ، نتعلّم الابتسام في الصور الجماعية، ونتقن فن "المشاركة السطحية"، حتى نصدّق أحياناً أننا فعلاً موجودون بيننا! لكن في لحظات الصدق مع النفس، يعود ذلك الشعور، يهمس لنا أننا ما زلنا وحيدين، حتى وسط أعزّ الناس!

والأخطر من الشعور بالوحدة نفسه، هو الهروب المستمر منها عبر مطاردة انتماء زائف: علاقات كثيرة وسطحية، تجمعات لا تنتهي، ضجيج دائم يمنعنا من مواجهة الصمت الداخلي! هذه المطاردة تتحول مع الوقت إلى سجن جديد، لأن الشخص يصبح معتمداً على حضور الآخرين ليشعر بأنه موجود، فيفقد قدرته على الجلوس مع ذاته دون خوف!

فما الحل إذن؟!
ليس الهروب من الجموع، ولا اصطناع علاقات أعمق بالقوة! الحل يبدأ من مكان أصعب بكثير: أن تتصالح مع فكرة أن جزءاً منك سيبقى دائماً غير مُشارَك بالكامل، وأن هذا ليس فشلاً في العلاقات، بل هو جزء من طبيعة الوعي البشري نفسه!

حين تتوقف عن مطاردة "الفهم الكامل" من الآخرين، وتبدأ ببناء علاقة حقيقية مع ذاتك أولاً، تكتشف أن وحدة الجموع تخفّ حدّتها، ليس لأنها اختفت، بل لأنك لم تعد تخاف منها!

فالإنسان الذي يعرف كيف يؤنس نفسه، لا يشعر بالخوف حين يكتشف أن الجموع لا تملأ الفراغ، لأنه يعلم أن هناك فراغاً واحداً فقط يستحق أن يُملأ: الفراغ الذي بينه وبين ذاته!

دخلت اليوم إلى حسابي الشخصي، الذي لم أزره منذ أشهر طويلة، فصادفت "ذكرى فيسبوك" أعادتني أربعة عشر عاماً إلى الوراء، صورة ...
28/08/2026

دخلت اليوم إلى حسابي الشخصي، الذي لم أزره منذ أشهر طويلة، فصادفت "ذكرى فيسبوك" أعادتني أربعة عشر عاماً إلى الوراء، صورة توثّق مرحلة كنت فيها أبدد فيها مالي ووقتي وصحتي على قضية طالما تخيّلتها الباب الذي سيُفتح أخيراً لشعوب بأكملها، وكنت مقتنعاً حينها أن هذه الشعوب ضحية ديكتاتور سفاح لا أكثر ولا أقل!

وإذا بي، بعد كل هذه السنين، أكتشف أنني كنت أغني في حفلة للطرشان، وأرسم لوحاتي أمام عيون عمياء لا ترى ولا تريد أن ترى!

فالحقيقة، وهي حقيقة مرة جداً، أن شعوب هذه المنطقة هي من تصنع جلادها بيدها، ثم تقع في عشقه، وتدافع عنه وكأنه قدر لا مفر منه!

وما إن يغيب هذا الجلاد، حتى يتسابق الجميع لجلب بديل أوسخ منه وأشد بطشاً، وهنا المفارقة الأكثر إيلاماً: أن من كان يوماً معارضاً شرساً للجلاد الأول، يتحول بلا أدنى خجل إلى مطبّل للجلاد الثاني، ليس بنفس درجة انبطاح مطبلي الأول، بل بانبطاح أعمق وأسرع، فيناقض نفسه بكل وقاحة، هو الذي كان يقدم نفسه بالأمس القريب كصوت المعارضة والرفض!

وهكذا تكتشف متأخراً أن الاستبداد ليس شخصاً يُقتل أو يُخلع، بل هو بنية نفسية راسخة في وجدان الجماعة، تعيد إنتاج نفسها في كل مرة تحت قناع جديد!
فالجلاد ليس فرداً استثنائياً فُرض على الناس فرضاً، بل هو انعكاس دقيق لثقافة الطاعة وعبادة القوة المتجذرة فيهم، ولذلك يبقى العرش شاغراً بانتظار من يملؤه بذات المواصفات، بينما يظن (الثوار) في كل مرة أنهم يكتبون فصلاً جديداً، وهم في الحقيقة يعيدون كتابة الفصل ذاته بحبر مختلف!

21/08/2026

حين تسقط من مكان صار جزءاً منك!

في تعليق جميل على مقال سابق، طرحت عليّ الصديقة ريتا مجموعة أسئلة عميقة حول تجربة السقوط من مكانة كانت جزءاً من هوية الإنسان، لا مجرد خسارة عابرة! ولأن الموضوع بدا لي أوسع من أن يُختصر بردّ قصير، وأعمق من أن يُعامل بجملة أو جملتين، جاء هذا المقال محاولةً لفهم هذه التجربة من زاويتها النفسية والإنسانية الكاملة!
فالفرق جوهري بين أن تخسر شيئاً كنت تملكه، وأن تخسر شيئاً كنت أنت هو!

حين يخسر إنسان وظيفة عادية، أو صفقة، أو مبلغاً من المال، فهو يخسر شيئاً كان خارجه، شيئاً يمكن أن يوصف بأنه "كان لديه"! لكن حين يسقط إنسان من مكانة بنى عليها صورته عن نفسه لسنوات، من نفوذ اعتاد أن يشعر به كل صباح، من احترام كان يقرأه في عيون الناس قبل أن يقرأه في كلامهم، فهو لا يخسر شيئاً كان لديه، بل يفقد جزءاً مما كان هو!

وهذا الفرق، بين "فقدان الشيء" و"فقدان الذات"، هو ما يجعل هذا النوع من السقوط مختلفاً عن أي خسارة أخرى مهما بدت كبيرة من الخارج!

اللحظة التي ينهار فيها السرد الداخلي؛ ماذا يحدث فعلياً بالداخل في تلك اللحظة؟!

أول ما ينهار ليس الحساب البنكي، ولا المنصب، ولا العلاقات! أول ما ينهار هو السرد الداخلي الذي كان الإنسان يحكيه لنفسه عن نفسه!
كان يقول لنفسه: أنا القوي، أنا الذي يُحسب له حساب، أنا الذي وصل إلى ما لم يصل إليه كثيرون! وفجأة، تصبح هذه الجملة غير صحيحة، أو على الأقل غير مؤكدة!
والعقل، الذي اعتاد أن يستند إلى هذا السرد كي يعرف من هو كل صباح، يجد نفسه بلا أرضية يقف عليها! هذا هو جوهر الألم في هذه التجربة: ليس الخسارة المادية وحدها، بل انهيار الإطار الذي كان الإنسان يفهم به نفسه والعالم!

ولهذا فإن الأيام الأولى بعد سقوط من هذا النوع نادراً ما تكون أياماً "عملية"!
الإنسان لا يفكر غالباً بالخطوة التالية، ولا بإعادة البناء، ولا حتى بالمستقبل القريب! هو يعيش حالة أقرب إلى فقدان التوجه، أشبه بمن استيقظ فجأة في غرفة مظلمة لا يعرف أين الباب فيها! يعيد تشغيل نفس الأسئلة مرات لا تنتهي: كيف حدث هذا؟! هل كان بالإمكان تجنبه؟! ماذا سيقول عني من كانوا يحترمونني؟! ومن أنا الآن إذا لم أكن ذلك الشخص الذي عرفته طوال هذه السنوات؟!

هذا النوع من السقوط لا يشبه غيره من الخسارات، مهما حاول من حولنا أن يساووا بينها!
فحين يقول أحدهم "شركة أخرى أفلست"، أو "شخص آخر خسر منصبه"، فهو يتحدث عن حدث، بينما الشخص الذي عاش التجربة يتحدث عن هوية! معنى الخسارة لا يتحدد بحجمها الموضوعي، بل بمقدار ما كان هذا الشيء يمثله لصاحبه! فقدان مبلغ صغير قد يكون أشد إيلاماً من فقدان مبلغ كبير، إذا كان المبلغ الصغير يمثل الأمان الوحيد الذي عرفه الإنسان في حياته! وفقدان منصب متواضع قد يكون أعمق أثراً من فقدان منصب رفيع، إذا كان هذا المنصب المتواضع هو الشيء الوحيد الذي جعل صاحبه يشعر يوماً أنه مرئي!

ولهذا يخطئ من يحاول مواساة الساقط بمقارنته بغيره! "هناك من خسر أكثر منك"، "على الأقل ما زلت تملك كذا وكذا"! هذه الجمل، رغم حسن نيتها، تتجاهل أن الألم لا يُقاس بمسطرة موضوعية، بل بمقدار الفجوة بين الصورة التي كان الإنسان يحملها عن نفسه، والصورة التي أصبح عليها فجأة! وكلما كانت هذه الفجوة أعمق، كانت العودة إلى توازن داخلي أطول وأصعب، بصرف النظر عن حجم الخسارة كما يراها الآخرون من الخارج!

أما عن السؤال الأصعب: هل ينسى الإنسان مع الوقت، أم يتأقلم فقط؟!

الحقيقة أن النسيان بالمعنى الكامل نادراً ما يحدث! ما يحدث غالباً هو شيء أدق وأكثر تعقيداً: التجربة لا تُمحى، لكنها تتغير علاقتها بصاحبها! في البداية، تكون الذكرى حاضرة في كل تفصيل، حادة، تعيد نفسها في كل موقف يشبهها ولو من بعيد! رائحة معينة، مكان معين، جملة يقولها أحدهم بلا قصد، كل هذا قادر على إعادة الإنسان لحظياً إلى قلب التجربة وكأنها تحدث الآن!

ومع الوقت، لا تختفي الذكرى، لكنها تفقد قدرتها على التحكم بكل شيء! تبقى موجودة، لكنها تصبح جزءاً من السيرة لا سيدة عليها! وهذا هو الفرق بين "التعافي" بالمعنى الشائع، وبين ما يحدث فعلياً: الإنسان لا يعود إلى ما كان عليه قبل السقوط، لأن هذا مستحيل ببساطة، بل يبني علاقة جديدة مع ما حدث، علاقة لا تُلغي الألم لكنها تُخرجه من مركز القيادة! يصبح بإمكانه أن يحكي القصة دون أن ينهار وهو يحكيها، وهذا وحده تحول كبير، حتى لو لم يشعر بأنه "تجاوز" شيئاً بالمعنى الكامل للكلمة!

وهنا يجب أن نكون صادقين: بعض الخسارات تترك أثراً لا يزول تماماً! ليس كل جرح يُشفى إلى درجة لا يترك خلفه أي علامة! هناك حالات يبقى فيها الإنسان، حتى بعد سنوات من إعادة بناء حياته، يحمل حذراً معيناً، أو هشاشة معينة، أو قدرة أقل على الوثوق بالاستقرار حتى عندما يعود! يبني نجاحاً جديداً، لكنه لا يثق به بنفس الطريقة التي وثق بها بنجاحه الأول! يحتفظ دائماً بجزء منه متيقظاً، كأنه ينتظر أن يتكرر ما حدث، حتى لو لم يكن هناك أي مؤشر فعلي على ذلك!

وهذا ليس ضعفاً، وليس فشلاً بالتعافي! هذا ببساطة ما تفعله التجارب العميقة بالإنسان: هي لا تمر من دون أن تترك بصمة، تماماً كما لا يمر جسد عبر كسر خطير من دون أن يبقى فيه أثر، حتى لو التأم العظم تماماً!
والمشكلة ليست في وجود هذا الأثر، بل في محاولة إنكاره أو الشعور بالخجل منه، وكأن على الإنسان أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه "تعافى بالكامل"، بينما الحقيقة أن التعافي الحقيقي لا يعني اختفاء الأثر، بل القدرة على الحياة رغم وجوده!

أما عن مفارقة المجتمع، فهي ربما أقسى ما في هذا الموضوع كله!

نحن كمجتمعات نصغي إلى قصص السقوط، لكننا لا نصغي إليها بصدق إلا حين تنتهي بصعود! نحب "قصة العودة"، لأنها مريحة، لأنها تمنحنا شعوراً بأن العالم عادل، وأن من يسقط يمكنه دائماً أن ينهض إذا كان قوياً بما يكفي!
لكن هذا الحب لقصص العودة يحمل ظلماً خفياً: فهو يجعل قيمة الإنسان الساقط مشروطة بقدرته على النهوض بسرعة، وكأن من يحتاج وقتاً أطول، أو من لا ينهض إلى نفس الارتفاع، أو من يبني حياة مختلفة تماماً عما كان، أقل جدارة بأن تُروى قصته، أو أقل استحقاقاً للتعاطف!

ولاحظوا كيف تُصاغ هذه القصص إعلامياً: "من الإفلاس إلى القمة من جديد"، "كيف نهض بعد أن فقد كل شيء"!
هذه العناوين تحتفي بالنهاية السعيدة، لكنها تتجاهل تماماً أشهراً أو سنوات من الظلام لم يكن فيها الإنسان "يستعد للعودة"، بل كان ببساطة يحاول أن ينجو! وهذا التركيز على "القصة الملهمة" يخلق ضغطاً خفياً على كل من يمر بتجربة مشابهة: عليك أن تتعافى بسرعة، وأن تتعافى بشكل مرئي، وأن تحول ألمك إلى درس ملهم، وإلا فأنت لست بطلاً في القصة، بل مجرد ملاحظة هامشية نُسيت!

وأكتب هذا كله وأنا أستحضر تجربة عشتها بنفسي، قبل جائحة كورونا مباشرة!
كنت قد وصلت في تلك المرحلة إلى مكانة قوية على كل الأصعدة تقريباً: اجتماعياً، ومالياً، وصحياً، ومهنياً! وكما يحدث دائماً حول هذا النوع من المكانة، تجمّع حولي المئات، بعضهم بمصلحة حقيقية، وبعضهم فقط ليتباهى بقربه من شخص "ناجح على كل الأصعدة"!
ثم جاءت الجائحة، ودمّرت كل ما بنيته خلال أشهر قليلة! خسرت أعمالي كلها، وتحت وطأة الصدمة المتكررة يومياً لأشهر، دخلت المشفى شهراً ونصف الشهر، وكنت فعلياً على فراش الموت!

وفي تلك المرحلة بالذات، لم أرَ أحداً واقفاً بجانبي! حتى أشخاص صنعتهم بنفسي من الصفر حتى الاستقرار، لم يكونوا هناك!
وعندما تم اخباري بالمشفى أنه لم يعد هناك أي أمل بالشفاء، وأنه علي إجراء عملية جراحية لاستئصال القولون أو الموت، رفضت العملية وقلت بصوت مرتفع : إذا كان هو الموت الذي ينتظرني، سيجدني بين ورودي في منزلي، وليس هنا في المشفى! عندها خرجت من المشفى على مسؤوليتي، غير قادر حتى على المشي بوزن 51 كغ، وبدأت رحلة تعافٍ نفسي في منزل ريفي معزول، ترافقت مع تعافٍ جسدي عبر برنامج علاجي بالفيتامينات الوريدية، ثم سافرت خارج ألمانيا وبدأت أستعيد حياتي على بقية الأصعدة! وحين بدأت أنهض فعلاً، عاد كثيرون ممن اختفوا، معجَبين بـ"صعودي من جديد"، لكن لم يرَ أحد منهم رحلة الموت اليومي التي سبقت هذا الصعود!

اكتشفت في تلك المرحلة أشياء عن نفسي وعن الناس من حولي لم أكن لأتخيل وجودها لولا أن مررت بها! والجرح، رغم كل ما فعلته لأتعافى، ما زال موجوداً، ولا أستطيع إنكاره! لكنني تعايشت معه، وأصبح جزءاً من هويتي الجديدة، جعلني أكثر نضجاً وانتباهاً في علاقاتي، وأكثر قدرة على تمييز من يقف بجانبي فعلاً ممن يقف بجانب صورتي فقط!

وهذا كله يقودنا إلى سؤال أعمق: هل فعلاً القوة الحقيقية هي أن تعود كما كنت؟!

أظن أن هذا التعريف للقوة، رغم شيوعه، تعريف ناقص! فالعودة إلى ما كنا عليه ليست دائماً ممكنة، وليست دائماً مرغوبة حتى لو كانت ممكنة!
فالإنسان الذي مر بسقوط حقيقي، وتعلم منه شيئاً عن هشاشة الأشياء التي ظنها ثابتة، قلما يستطيع أن يعود بنفس السذاجة التي كان يحمل بها مكانته السابقة! وربما القوة الأعمق ليست في استعادة الموقع القديم، بل في القدرة على أن يقول الإنسان لنفسه: لن أكون كما كنت، وهذا ليس هزيمة، بل بداية شكل مختلف من الوجود، أخف من عبء الصورة القديمة، وأكثر واقعية في علاقته بذاته!

فبعض من عاشوا سقوطاً حقيقياً، حين ينظرون خلفهم بعد سنوات، لا يقولون "تعافيت"، بل يقولون شيئاً أقرب إلى: "أصبحت إنساناً مختلفاً، أخف مما كنت، وأكثر صدقاً مع نفسي"!
لم يعودوا إلى القمة القديمة، لكنهم بنوا مكاناً جديداً، أصغر ربما من الخارج، لكنه أكثر استقراراً من الداخل، لأنه لا يعتمد على نظرة الآخرين بقدر ما كان يعتمد سابقاً!

وهنا تكمن مسؤولية لا نتحدث عنها كثيراً: مسؤوليتنا تجاه من سقط ولم ينهض بعد، لا فقط تجاه من نهض وأصبح قصة نرويها في المناسبات!
فالإنسان الذي ما زال في وسط سقوطه، الذي لم يجد بعد طريقه إلى نسخة جديدة منه، يحتاج إلى شيء أبسط بكثير من التصفيق الذي نمنحه لاحقاً لمن نجح بالعودة: يحتاج إلى أن يُرى وهو في تلك اللحظة بالذات، لا أن يُنتظر حتى يستحق الاهتمام بإنجاز جديد!

هذا يعني عملياً أن نتوقف عن ربط قيمة الحضور في حياة شخص ساقط بمدى "تقدمه" في رحلة التعافي! أن نزوره ونحن نعرف أنه ما زال في القاع، لا فقط حين يخبرنا أنه بدأ يتحسن! أن نسمح له بأن يحزن دون أن نستعجله نحو "التفكير الإيجابي"، لأن الحزن على ما فُقد ليس عائقاً أمام التعافي، بل غالباً هو الطريق الوحيد إليه!
الإنسان الذي يُجبر على القفز فوراً إلى "النظر للأمام" دون أن يُسمح له بالمرور بألم ما فقده فعلياً، غالباً ما يحمل هذا الألم غير المعاش معه لسنوات لاحقة، متخفياً في هيئة قلق أو انعزال أو خوف غامض من التعلق بأي شيء من جديد!

وأخيراً، عن السؤال الأصعب: هل كل إنسان قادر على التأقلم، أم أن بعض الخسارات تغيّر الإنسان إلى الأبد؟!

أظن أن التغيير الدائم يحدث دائماً تقريباً، لكنه لا يعني بالضرورة الانكسار الدائم! الإنسان الذي مر بسقوط عميق لا يعود أبداً كما كان، هذا صحيح!
لكن "عدم العودة كما كان" له وجهان: قد يعني أن جزءاً منه تحطم ولم يُرمم، وقد يعني أيضاً أنه أصبح إنساناً مختلفاً، أكثر عمقاً، أقل خوفاً من الأشياء السطحية، أكثر قدرة على تمييز ما يستحق التمسك به مما لا يستحق!

والفارق بين هذين الاحتمالين لا يحدده حجم السقوط بقدر ما تحدده عوامل أخرى غالباً ما تُهمل في النقاش العام: هل وجد الإنسان من يراه في لحظة انكساره، أم تُرك وحيداً حتى تحول الألم إلى عزلة؟! هل سمح لنفسه بأن يحزن على ما فقده قبل أن يُطالب بإعادة البناء، أم أُجبر على "الاستمرار" قبل أن يفهم أصلاً ماذا خسر؟! هل كان لديه، قبل السقوط أصلاً، أي جزء من هويته لا يعتمد على ذلك المنصب أو ذلك المال أو تلك المكانة، أم كانت هويته بأكملها معلقة بذلك الشيء الواحد الذي انهار؟!

وهذا الأخير تحديداً هو ما يفسر لماذا يسقط شخصان من نفس الارتفاع تقريباً، فينهض أحدهما بعد وقت معقول، بينما يظل الآخر عالقاً في اللحظة نفسها لسنوات!
الفرق غالباً ليس في "قوة الشخصية" كما نحب أن نبسطها، بل في مدى اتساع الهوية قبل السقوط: من كان يملك أجزاء أخرى من ذاته، علاقات، معنى، اهتمامات، لم تعتمد كلها على ذلك الموقع الذي سقط منه، وجد أرضية أخرى يقف عليها ريثما يعيد البناء! ومن كان قد اختزل نفسه بالكامل في ذلك الموقع، وجد نفسه بلا أرضية على الإطلاق!

وربما هذا هو الدرس الأهم: ليست القوة أن لا تُكسر، فكل إنسان قابل للكسر إذا كان الضغط كافياً وكانت النقطة التي يُضرب فيها هي بالضبط النقطة التي بنى عليها هويته!
القوة الحقيقية، إن وُجدت، هي أن يسمح الإنسان لنفسه أن يُكسر من دون أن يُنكر أنه انكسر، وأن يبني بعدها لا نسخة مطابقة لما كان، بل نسخة تعرف شيئاً لم تكن تعرفه من قبل: أن قيمتها لم تكن يوماً في المنصب أو المال أو نظرة الناس، بل في شيء أعمق من كل هذا، لم يكتشفه إلا حين سقط كل ما ظن أنه هو!

وربما لهذا السبب بالذات، بعض من عاشوا أقسى أنواع السقوط يصبحون لاحقاً أكثر الناس قدرة على مساعدة غيرهم فيه!
ليس لأنهم "تجاوزوا" التجربة بالمعنى الذي نتخيله، بل لأنهم يعرفون من الداخل أن السقوط ليس نهاية القصة، ولا مجرد فصل عابر يُروى بسرعة في طريق العودة إلى القمة، بل تجربة كاملة قائمة بذاتها، لها حقها في أن تُعاش وتُحترم، قبل أن يُطلب من أحد أن يتجاوزها!

فإذا كنت تعيش هذه التجربة الآن، فاسأل من عاشها لا من يراقبها من بعيد!
وإذا كنت أنت من يمر بهذا السقوط اليوم، أو من يحاول أن يفهم لماذا لا يستطيع أن ينهض بالسرعة التي يتوقعها منه الآخرون، فاسمح لي أن أقول لك شيئاً واحداً بوضوح تام: لا تستشر في هذا الألم إلا من عاشه فعلاً، لا من يراقبه من بعيد!

فمن الخطأ أن تسأل عن اللامبورغيني شخصاً لا يملك سوى سيارة كورية أو يابانية عادية، مهما كان مطّلعاً أو حسن النية!
رأيه، على صدقه، يبقى ناقصاً، لأنه يتحدث عن شيء لم يجلس خلف مقوده يوماً، ولم يشعر بقوته وهو ينطلق، ولم يواجه تكلفة صيانته الحقيقية، ولا نظرات الناس المتناقضة حوله! أما من امتلكها، أو امتلكها يوماً وفقدها، فهو وحده القادر أن يخبرك بصدق كيف تُقاد، وأين تكمن مخاطرها، وماذا يعني فعلاً أن تفقدها بعد أن اعتدت عليها!

وهذا بالضبط ما ينطبق على تجربة السقوط!
لا تطلب المشورة ممن لم يسقط قط، مهما كانت نواياه طيبة، ومهما بدت نصيحته منطقية على الورق! اطلبها ممن سقط وعاش الظلام كاملاً، ممن عرف كيف يكون المرء وحيداً في أحلك لحظاته، وكيف يُعاد بناء الذات حجراً حجراً من تحت الركام! هذا الإنسان وحده يملك خارطة حقيقية لما تمر به، لا لأنه أذكى منك أو أقوى، بل لأنه ببساطة سبقك في الطريق نفسه، وسقط في المطبات نفسها، ووجد، رغم كل شيء، طريقاً للنهوض!

فإذا كنت اليوم في قاع تجربتك، اعلم أن هذا القاع ليس نهايتك، ولو بدا لك الآن أنه كذلك!
الجرح الذي تحمله اليوم قد لا يزول تماماً، لكنه، كما حدث مع كثيرين قبلك، قابل لأن يتحول إلى مصدر نضج وحكمة وقدرة على رؤية الحياة والناس بعين أصدق وأعمق!
أنت لست وحدك في هذا، حتى لو شعرت بذلك الآن، فهناك من سبقك في هذا الطريق تحديداً، ونهض، وما زال ينهض، ويستطيع أن يمد لك يده لا بالكلام النظري، بل بتجربة حيّة عاشها بجسده وروحه!
فابحث عنه، واستمع إليه، ودع تجربته تضيء لك، ولو قليلاً، الطريق الذي أنت فيه الآن!

16/08/2026

صباح الخير!

في كل صباح لحظة صغيرة قبل أن يستيقظ العالم من حولك، فيها تقرر من ستكون اليوم!

لا أحد سيمنحك الدافع جاهزاً، ولا أحد سينتظرك حتى تشعر بالاستعداد الكامل! الدافع يأتي غالباً بعد الخطوة الأولى، لا قبلها، فابدأ رغم التردد، وسيلحق بك الحماس لاحقاً!

فكّر اليوم بصوت أعلى من صوت خوفك! لا تكتفِ بتكرار الأفكار نفسها، بل اسأل نفسك: ماذا لو كان هناك طريق آخر لم أجرّبه بعد؟!

الجسد الذي يتحرك يفتح للعقل احتمالات لا يراها وهو ساكن، فامش قليلاً، اعمل شيئاً بيديك، غيّر مكانك، ولو لدقائق، فالحركة نفسها نوع من التفكير!

ولا تخف أن تصحّح مسارك اليوم!
من قال إن الاستمرار في الطريق الخطأ وفاء؟!
التغيير ليس اعترافاً بالفشل، بل دليل أنك ما زلت تنتبه لحياتك ولم تستسلم لها!

ابدأ يومك بقرار واحد صغير تنفّذه فعلاً، لا بألف نية تبقى حبراً على ورق!
فالحياة لا تُقاس بما نويناه، بل بما فعلناه فعلاً وأنت لا تزال في وقتٍ يسمح لك أن تفعل!

صباحكم بداية لا انتظار!

15/08/2026

مغالطة الوصول؛ حين يخذلك حلمك بعد تحقيقه!

حين تصل إلى القمة، لماذا تشعر أنك سقطت؟!

هناك أشياء نطاردها لسنوات، ونحن مقتنعون بأنها عندما تصبح لنا ستضع حداً لكل شيء!
المال، النجاح، الشهرة، المنصب، الشهادة، المشروع، البيت، السيارة، الهجرة، العلاقة التي انتظرناها طويلاً، أو حتى ذلك الحلم الذي كنا نؤجله كل صباح إلى "اليوم الذي أصل فيه"!
نقول لأنفسنا: عندما أصل سأرتاح، وعندما أنجح سأكون سعيداً، وعندما أحقق ما أريد ستستقيم حياتي!

ثم نصل!
وفجأة يحدث شيء لا يخبرنا عنه أحد!
لا شيء، أو بالأحرى يحدث شيء أكثر إرباكاً من لا شيء!
يهدأ الضجيج الذي كان يسكن رؤوسنا، وتنتهي المطاردة، وتختفي العقبات التي كانت تمنح أيامنا إيقاعها، ونكتشف أننا كنا نعرف جيداً كيف نركض، لكننا لم نتعلم ماذا نفعل عندما يتوقف السباق!
وهنا يبدأ السؤال المخيف: ماذا بقي مني بعد أن حصلت على الشيء الذي كنت أعتقد أنه سيجعلني أنا؟!

هذا هو أحد أوجه ما يسمى في علم النفس والسلوك بـ"مغالطة الوصول"!
وهي الاعتقاد بأن الوصول إلى هدف معين سيجعلنا سعداء بشكل دائم!
لكن المشكلة أن الإنسان لا يعيش بالسعادة وحدها، بل يعيش أيضاً بالتوقع والسعي والتقدم والشعور بأنه يتحرك من مكان إلى مكان! ولهذا قد يكون الطريق، على نحو متناقض، أكثر امتلاءً من الوصول!

وهذا ليس كلاماً نظرياً فقط، بل له أساس في طريقة عمل الدماغ نفسه! فالمتعة التي نشعر بها ليست غالباً في لحظة الحصول على الشيء، بل في التوقع والاقتراب منه! الدماغ مبرمج على مكافأة المسار أكثر من مكافأة الوجهة، ولهذا نشعر بحماس أثناء التخطيط والسعي، ثم نشعر ببرود غريب حين يتحقق الهدف فعلاً، وكأن الجزء الأكثر حيوية فينا كان مرتبطاً بالحركة لا بالسكون!

وهذا ما يفسّر قصصاً كثيرة نسمعها عن أناس وصلوا إلى ما كانوا يحلمون به!
رياضي يفوز أخيراً بالبطولة التي طاردها سنوات، وبدل الابتهاج الذي توقعه يشعر بفراغ غريب في الأسبوع التالي!
رائد أعمال يبيع شركته بمبلغ ضخم كان يعتبره خط النهاية، ثم يجد نفسه بعد أشهر يبحث عن مشروع جديد لا لأنه يحتاج المال، بل لأنه لا يعرف كيف يكون بلا هدف يركض خلفه!
هذه ليست حالات نادرة أو استثنائية، بل نمط متكرر يؤكد أن المشكلة ليست في الهدف نفسه، بل في الظن بأنه سيملأ فراغاً لا يملأه إلا معنى أعمق!

فأنت عندما تكون في الطريق لديك شيء تنتظره!
كل صباح يحمل احتمالاً، وكل عقبة تصبح اختباراً، وكل خسارة تصبح درساً، وكل خطوة صغيرة تمنحك إحساساً بأنك تقترب!
أما عندما تصل، فإن السؤال الذي كان مؤجلاً لسنوات يعود فجأة إلى الطاولة: والآن؟!
وهذا السؤال القصير قد يكون أكثر قسوة من كل العقبات التي سبقت الوصول، لأن بعض الناس لا يطاردون الهدف بقدر ما يطاردون الإحساس الذي يمنحه لهم السعي إليه: إحساس الحاجة، إحساس التحدي، إحساس الخطر، إحساس أنهم مطلوبون من الحياة وأن هناك شيئاً عليهم فعله!

ولهذا نجد أحياناً إنساناً حقق نجاحاً كبيراً، ثم بدأ دون أن يشعر بتخريب ما بناه!
يدخل في مشروع جديد بلا ضرورة، ويخلق مشكلة في علاقة مستقرة، ويبحث عن منافس جديد، ويرفع سقف توقعاته إلى درجة يستحيل معها الشعور بالرضا! ليس لأنه يريد أن يخسر، بل لأن الهدوء نفسه أصبح مخيفاً! لقد اعتاد أن يعرف نفسه من خلال الصراع، فإذا انتهى الصراع اهتزت صورته عن نفسه!

وهنا تظهر مفارقة نفسية غريبة: قد يصبح الإنسان مدمناً على المشكلة التي يتمنى التخلص منها، ليس لأنه يحب الألم، وإنما لأن الألم أصبح جزءاً من هويته! هناك من لا يعرف نفسه إلا وهو يحاول: "أنا الذي سأثبت لهم"، "أنا الذي سأصل"، "أنا الذي سأصبح شيئاً"، "أنا الذي لن أستسلم"!
لكن ماذا يحدث عندما يثبت لهم؟!
ماذا يحدث عندما يصل؟!
ماذا يحدث عندما يصبح فعلاً ذلك الشخص الذي قضى نصف حياته يحاول أن يصبحه؟!
تسقط الجملة التي كان يبني عليها حياته، ويكتشف أن المعركة التي منحته هويته قد انتهت!

ولهذا فإن بعض الناس لا يخافون من الفشل كما نعتقد، إنهم يخافون من النجاح!
الفشل مؤلم نعم، لكنه يمنحهم مهمة جديدة، أما النجاح فقد يسلبهم المهمة! ولهذا يمكن للإنسان أن يصل إلى المكان الذي حلم به طويلاً ثم يشعر بشيء يشبه الحزن، ليس لأنه لا يحب ما حققه، بل لأنه فقد الطريق الذي كان يسير فيه!

وهنا يجب أن نفهم شيئاً مهماً: الإنسان لا يحتاج فقط إلى هدف، بل يحتاج إلى معنى، والفرق بين الاثنين هائل!
الهدف يقول لك "أريد أن أصل إلى هناك"، أما المعنى فيقول لك "أريد أن أعرف لماذا أعيش وأنا في الطريق إلى هناك"! فإذا كان معنى حياتك كله موجوداً في نقطة النهاية، فماذا ستفعل عندما تصل إليها؟! ستبحث عن نقطة نهاية أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وقد تتحول حياتك كلها إلى سلسلة من الإنجازات، لا لأنك تستمتع بالحياة، بل لأنك تهرب من لحظة التوقف!

ولهذا ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان يضع أهدافاً كبيرة، بل في أن يجعل قيمته الشخصية معلقة بنتيجة هذه الأهداف!
أن يقول لنفسه: إذا نجحت فأنا مهم، وإذا فشلت فأنا لا شيء، وإذا ربحت فأنا ذكي، وإذا خسرت فأنا غبي، وإذا أعجب الناس بي فأنا ناجح، وإذا لم يعجبوا بي فأنا فاشل!
عندها يصبح كل هدف محكمة، وكل نتيجة حكماً على الذات، وهذه حياة مرهقة مهما كان حجم الإنجاز!

لذلك ربما السؤال الأكثر نضجاً ليس "ماذا أريد أن أحقق بعد ذلك"؟!
بل "من أريد أن أكون وأنا أحقق ذلك"؟!
فقد يكون الهدف نفسه عادياً، لكن الإنسان الذي تصبحه أثناء الوصول إليه هو الإنجاز الحقيقي!
وقد تخسر صفقة وتربح نفسك، وقد تفشل في مشروع وتكتشف قدرة لم تكن تعرف أنها موجودة فيك، وقد تصل إلى حلمك ثم تكتشف أن أجمل ما فيه لم يكن اللحظة التي حصلت فيها عليه، بل الشخص الذي اضطررت إلى أن تصبحه كي تصل!

وهنا فقط نفهم شيئاً ربما كنا نجهله طوال الوقت: الحياة ليست غرفة انتظار نعيش فيها حتى نصل إلى السعادة، الحياة هي ما يحدث أثناء الطريق!
ولهذا لا أظن أن الحل بعد الوصول هو أن نركض فوراً نحو هدف جديد!
أحياناً نحتاج إلى أن نجلس قليلاً، أن ننظر خلفنا، أن نعترف لأنفسنا أننا فعلناها، أن نسمح للإنجاز بأن يدخل إلى وعينا قبل أن نحوله إلى مهمة جديدة، أن نتعلم كيف نعيش في المساحة التي لا يوجد فيها شيء نطارده! لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يكون سعيداً إلا وهو يطارد شيئاً، سيظل طوال حياته يهرب من نفسه!

وقد تكون أصعب مهارة في الحياة ليست أن تصل إلى القمة، بل أن تقف عليها دون أن تبحث فوراً عن جبل آخر كي تهرب من الفراغ الذي اكتشفته هناك! فالوصول ليس نهاية الطريق، لكنه أيضاً ليس بداية سباق جديد بالضرورة! أحياناً يكون الوصول أول لحظة يصبح فيها عليك أن تجيب، بعيداً عن الضجيج والإنجاز والتصفيق: إذا لم أكن أركض خلف شيء… فمن أكون؟!

فماذا نفعل إذن حين نصل؟!
لا أظن أن هناك وصفة جاهزة، لكن ربما تبدأ الخطوة الأولى من أن نستبدل سؤال "ماذا بعد"؟! بسؤال "ماذا الآن"؟!
أن نسمح لأنفسنا بلحظة سكون حقيقية، لا نملأها فوراً بهدف جديد، بل نراقب فيها ما تبقى منا حين لا نطارد شيئاً!
لكن هذا التحول لا يحدث بمجرد أن نغيّر السؤال الذي نطرحه على أنفسنا، فالعقل قد يقتنع بسرعة، بينما الجسد الذي اعتاد الركض يحتاج وقتاً أطول كي يصدّق أن السباق انتهى فعلاً، وأن السكون ليس خطراً عليه أن يستعد له! (راجع المقال السابق للتعمّق أكثر!).
ومن هذا السكون المُختبَر، لا المُفكَّر فيه فقط، تبدأ معرفة حقيقية بمن نحن حين لا يكون هناك سباق!

وربما يكون هذا السؤال، لا الوصول نفسه، هو بداية الرحلة الحقيقية!

14/08/2026

الله يجيرنا من الضحك!

هل سألت نفسك يوماً، لماذا يهدأ العالم من حولك، بينما يبقى شيء في داخلك مستنفراً؟!

أحياناً تجلس في مكان هادئ، لا أحد يلاحقك، لا مشكلة أمامك، هاتفك صامت، وكل شيء حولك يبدو طبيعياً! ومع ذلك، هناك شيء في داخلك لا يهدأ!
تتنفس وكأنك مستعجل، تفكر في أشياء لم تحدث، تشد عضلاتك دون أن تنتبه، تفتح هاتفك بلا سبب، ثم تغلقه، ثم تعود إليه!
تريد أن تنام، لكن عقلك يقرر أن هذا هو الوقت المثالي لاستدعاء كل شيء حدث منذ عشر سنوات! ثم تقول لنفسك: لماذا أنا متوتر؟! لا يوجد شيء يستدعي ذلك!

وهنا تكمن المفارقة! قد يكون عقلك قد فهم أن الخطر انتهى، بينما جسدك لم يفهم ذلك بعد!

نحن نميل إلى الاعتقاد بأن التوتر يبدأ من فكرة: نخاف فنفكر، نقلق فتتسارع ضربات القلب، نشعر بالخطر فيبدأ الجسد بالاستجابة! لكن الأمر ليس دائماً بهذا الترتيب! أحياناً يتعلم الجسد حالة التأهب قبل أن نعرف نحن كيف نصفها، ويصبح الاستنفار مع الوقت جزءاً من الطريقة التي نعيش بها!

يعيش الإنسان فترة طويلة تحت الضغط، فيصبح الاستعداد للخطر أمراً مألوفاً! يستيقظ مستنفراً، يعمل مستنفراً، يتعامل مع الناس وهو مستعد للدفاع عن نفسه، وينام وهو يشعر بأن عليه أن يبقى يقظاً لشيء ما!
ثم يأتي يوم تنتهي فيه المشكلة! تنتهي الظروف، يبتعد الشخص الذي كان يسبب له التوتر، ينتهي العمل المرهق، يتحسن الوضع، وتهدأ الحياة من حوله! لكن شيئاً غريباً يحدث: المشكلة تنتهي، والاستنفار لا ينتهي معها!

وهنا يبدأ الإنسان، من دون أن ينتبه، في البحث عن مشكلة جديدة تبرر الشعور القديم!
يفتح بريده الإلكتروني عشر مرات، يتفقد الأخبار، يحلل كلمة قالها له شخص قبل ثلاثة أيام، يتخيل سيناريوهات لم تحدث، ويبحث عن إشارات صغيرة تؤكد أن هناك شيئاً يجب أن يقلق بشأنه! ليس لأنه يحب العذاب، وليس لأنه يريد أن يعيش متوتراً، بل لأن جهازه الداخلي اعتاد أن يعيش وكأن هناك شيئاً يجب الاستعداد له دائماً!

ولهذا فإن بعض الناس لا يشعرون بالراحة عندما تختفي المشاكل، بل يشعرون بالقلق من اختفائها! الهدوء بالنسبة لهم ليس راحة، بل فراغ!
والفراغ مساحة ممتازة للعقل كي يسأل: ماذا نسيت؟! أين المشكلة؟! لماذا أشعر أن هناك شيئاً سيئاً على وشك الحدوث؟!
وهكذا يتحول الإنسان إلى حارس يقف أمام باب لا يوجد خلفه أحد! يحرسه طوال الليل، يتعب، يراقب، يفتش، ثم يغضب من نفسه لأنه لا يستطيع النوم!

لكن المشكلة ليست دائماً في الباب! المشكلة أن الحارس نسي أن نوبته انتهت!

وهنا نصل إلى شيء مهم جداً في فهم القلق والتوتر: الجسد لا يتعامل فقط مع ما يحدث الآن، بل يتأثر أيضاً بما تعلمه من الماضي! إذا عاش الإنسان فترة طويلة في بيئة مليئة بالصراخ، أو عدم الاستقرار، أو الضغط، أو المسؤوليات التي لا تنتهي، فقد يصبح التأهب بالنسبة إليه أمراً مألوفاً، حتى بعد أن تتغير الظروف! وليس بالضرورة أن يتذكر كل شيء، وليس بالضرورة أن يعرف السبب أصلاً! قد لا يستطيع أن يقول لك لماذا هو متوتر، لكنه يشعر دائماً بأن عليه أن يكون مستعداً لخبر سيئ، لخسارة، لرفض، لفشل، أو لشيء لا يعرف حتى اسمه!

وهنا يقع الإنسان في خطأ آخر!
يحاول أن يعالج جسده بالمزيد من التفكير!
يقول لنفسه: اهدأ! لا يوجد شيء! فكر بإيجابية!
لكنه يكتشف أن الكلام وحده لا يكفي! لأن الجسد لا يفهم المحاضرات، بل يحتاج إلى تجربة مختلفة! يحتاج إلى أن يختبر الأمان، لا أن يسمع عنه فقط!

ولهذا فإن العودة إلى الهدوء لا تبدأ دائماً بمحاولة إقناع نفسك بأنك بخير، بل بالانتباه إلى ما يحدث في جسدك فعلاً! أن تشعر بقدميك على الأرض، لا أن تتخيل ذلك! أن تلاحظ تنفسك دون أن تحاول تغييره فوراً، فقط أن تراقبه لثوان قليلة! أن تنتبه إلى كتفيك وفكك ويديك، وأن تلاحظ مقدار التوتر الموجود فيها، ثم تسمح لها بالارتخاء تدريجياً! أن تتحرك قليلاً، تمشي، تمد جسدك، لأن الجسد المشدود لا يقتنع بالكلام، بل بالحركة! وأن تضع الهاتف جانباً لبعض الوقت، ليس لأن الهاتف خطر، بل لأن عادة البحث المستمر عن المعلومات والتنبيهات قد تغذي داخلك فكرة أن هناك دائماً شيئاً جديداً يجب مراقبته!

والأهم من كل ذلك أن تكرر هذه التجربة! لأن الجسد الذي تعلم التأهب على مدى سنوات لا يتعلم الأمان في جلسة واحدة!
هو يحتاج إلى دليل متكرر: أن اللحظة الهادئة مرت، ولم يحدث فيها شيء سيئ! أنني جلست ولم أراقب، ولم أفتش، ولم أستعد لشيء، ومع ذلك بقي العالم مكانه!

ومع التكرار، يبدأ شيء مختلف بالحدوث! تتسع المسافة بين الشعور والاستجابة! تشعر بالقلق، ولا تهرب منه! تشعر بالتوتر، ولا تبحث فوراً عن مشكلة تفسره! تشعر بأن شيئاً ما غير مريح، لكنك لا تعتبر هذا الشعور دليلاً على وجود خطر! وتبدأ شيئاً فشيئاً في ترك جسدك يقول: هناك شيء غير مريح، ثم تجيبه أنت: أعرف… لكننا لسنا مضطرين إلى القتال الآن!

وهنا ربما نصل إلى سؤال أعمق من سؤال: كيف أتخلص من القلق؟!
السؤال الحقيقي ربما هو: هل تعلمت أن أشعر بالأمان عندما لا يوجد شيء يستدعي الخوف؟!

لأن بعض الناس يعرفون جيداً كيف يقاتلون، وكيف يعملون تحت الضغط، وكيف يتحملون، وكيف ينجزون، وكيف يبقون واقفين حتى عندما ينهار كل شيء من حولهم!
لكنهم لم يتعلموا شيئاً أبسط: كيف يرتاحون دون أن يشعروا بالذنب أو الخوف! كيف يجلسون دون مهمة، وكيف ينامون دون أن يراجعوا كل ما حدث، وكيف يعيشون لحظة هادئة دون أن يفتشوا عن العاصفة القادمة!

وربما المشكلة ليست شخصية دائماً!
ربما تعلمنا جزءاً منها أيضاً من البيئة التي تربينا فيها! كم مرة ضحكنا من القلب، فقيل لنا فوراً: الله يجيرنا من الضحك!
هذه الجملة التي سمعناها ملايين المرات، في كل مرة تقريباً نضحك فيها، من أناس يستغربون الضحك ولا يستغربون الحزن والقلق!

وكأن الضحك نفسه شيء يستدعي الحذر! وكأن الفرح الزائد دعوة مفتوحة لمصيبة قادمة! لا تفرح كثيراً، لا تضحك كثيراً، لا تطمئن كثيراً، لا تقل إن الأمور بخير، لأن شيئاً ما قد يحدث بعد قليل!

المفارقة أن الإنسان قد يعيش ساعات وهو قلق، أياماً وهو حزين، سنوات وهو مستنفَر، ولا يسأله أحد: لماذا لا ترتاح؟!
لكن عندما يضحك من قلبه، قد يأتيه من يقول: الله يجيرنا من الضحك!
وكأن الحزن يحتاج إلى علاج، بينما الفرح يحتاج إلى تحذير!

وهكذا، ومن دون أن نشعر، قد نتعلم أن نراقب سعادتنا كما نراقب خطراً محتملاً!
يصبح الهدوء مشبوهاً، والفرح مؤقتاً، والضحك شيئاً ينبغي ألا نبالغ فيه، وكأن الحياة لا تسمح لنا بلحظة جميلة من دون أن تطالبنا فوراً بالاستعداد لما سيأتي بعدها!

وهنا تصبح المسألة أعمق من القلق الفردي!
كيف يمكن للإنسان أن يتعلم الأمان، إذا كان قد تعلم طوال حياته أن عليه أن ينتبه حتى عندما يكون سعيداً؟!
كيف يمكنه أن يسترخي، إذا كانت الرسائل التي تلقاها تقول له إن الفرح الزائد قد يعقبه شيء سيئ؟!
كيف يمكنه أن يترك جسده يهدأ، إذا كان جزء منه لا يزال ينتظر العقوبة التي تعلم أنها تأتي بعد كل لحظة راحة؟!

وربما لهذا السبب لا يحتاج الإنسان دائماً إلى حرب جديدة كي يشعر بأنه حي!
ولا يحتاج إلى القلق كي يثبت لنفسه أنه مستعد!
ولا يحتاج إلى مشكلة كي يمنح وجوده معنى!
ربما يحتاج فقط إلى أن يتعلم شيئاً لم يتعلمه من قبل: أن يكون بخير دون أن ينتظر العقاب على ذلك!

أن يضحك دون أن يبحث بعينيه عن المصيبة القادمة! أن يفرح دون أن يشعر بأنه ارتكب خطأ! أن يجلس بهدوء دون أن يسأل نفسه ماذا نسيت! وأن يسمح لجسده، للمرة الأولى ربما، أن يكتشف أن الحياة ليست دائماً شيئاً يجب الحذر منه!

وأحياناً يكون أكثر ما تحتاج إليه هو أن تسمح للحظة الهادئة بأن تكون هادئة!
أن تجلس دون أن تبحث عن شيء، أن تتنفس دون أن تستعجل، وأن تقول لجسدك، لا بالكلمات فقط، بل بالسلوك: لقد انتهى الأمر!

لأن بعض المعارك لا تنتهي عندما يختفي العدو!
تنتهي عندما يتوقف الحارس عن الوقوف أمام الباب!

Adresse

Münster

Benachrichtigungen

Lassen Sie sich von uns eine E-Mail senden und seien Sie der erste der Neuigkeiten und Aktionen von وديع طعمة erfährt. Ihre E-Mail-Adresse wird nicht für andere Zwecke verwendet und Sie können sich jederzeit abmelden.

Die Organisation Kontaktieren

Nachricht an وديع طعمة senden:

Verknüpfungen

Teilen