14/07/2026
حينما ولدنا في البوادي، اعتقدنا أن الحظ تأخر كثيرا قبل أن يصل إلينا. كنا ننظر إلى المدن من بعيد، ونظن أن الحياة الحقيقية تقيم هناك، بين الطرق المعبدة، والبيوت المتلاصقة، والأضواء التي لا تنطفئ، والناس الذين يعودون إلى بيوتهم بأيد نظيفة. أما نحن، فقد كنا نستيقظ مع أول خيط من الفجر، نفتح أعيننا على صياح الديكة، وعلى رائحة التراب المبلل بالندى، وعلى أعمال تنتظر من ينجزها قبل أن ترتفع الشمس إلى منتصف السماء.
كان يوم كامل يمر ونحن نركض خلف نعاج جامحات، نبحث عن عنزة ابتعدت عن القطيع، ونلوح بعصا صغيرة في الهواء، ونظن أن العالم كله اختصر داخل ذلك الحقل الممتد أمام أعيننا. كنا نمتطي صهوة حمار، ونسير في مسالك ضيقة تحفظها أقدام الحيوانات أكثر مما تحفظها الخرائط. كانت الشمس تقترب من رؤوسنا حتى نشعر بحرارتها داخل العظام، ونحن نسقي أشجار اللوز والزيتون، نحمل الماء مرة بعد أخرى، من غير أن يخطر ببالنا أن تلك الأشجار كانت تسقي فينا أشياء أعمق بكثير من جذورها.
كنا صغارا، ولذلك كنا نتذمر كثيرا. لم نكن نملك العمر الذي يسمح بفهم الحكمة المختبئة داخل التعب. كنا نرى المشقة، ولا نرى الهدية التي تخبئها الأيام في آخر الطريق. السنوات وحدها كانت قادرة على ترجمة تلك اللغة التي تتحدث بها الأرض.
ثم كبرنا، واكتشفنا أن البادية كانت معلما عظيما لا يتقاضى أجرا، وأن الطبيعة كانت تشرح لنا الحياة كل يوم، من غير سبورة، ولا كتب، ولا محاضرات.
الركض خلف خروف قوي كان يعلمنا أن الوصول يحتاج إلى نفس طويل، وأن الاستسلام يولد قبل التعب الحقيقي. اللعب مع كلب الحارة كان يفتح في داخلنا بابا واسعا نحو الوفاء، فقد كان ينتظر عودتنا كل مساء، ويعرف خطواتنا من بعيد، ويشاركنا الطريق من غير مصلحة. البحث عن دجاجة اختفت لتبيض في مكان سري كان يوقظ فضولنا، ويجعلنا نفتش بين الصخور والأشجار والأعشاب اليابسة، فنكتشف أن الصبر يسبق العثور على أي شيء ثمين. الجراء الصغيرة التي تختفي ساعات طويلة ثم تعود، كانت تعلمنا أن الخوف جزء من المحبة، وأن القلب يبدأ في الاتساع كلما تعلق بكائن آخر....
حتى السقوط من فوق الحمار لم يكن حادثا عاديا. الكسر الذي أصاب الساق حمل معه درسا ظل مقيما في الذاكرة. الألم كان يتحدث بلغته الخاصة، ويخبرنا أن الطريق لا تفرش بالورود، وأن الإنسان ينهض مرات كثيرة قبل أن يتقن الوقوف بثبات. كل ندبة بقيت في الجسد تحولت مع الأيام إلى سطر من سيرة كاملة، نقرأه كلما نظرنا إلى الماضي.
كانت بشرتنا تميل إلى السواد، لأن الشمس كانت تكتب أسماءها علينا كل يوم. لون الأرض كان يصعد إلينا، حتى صرنا نحمله فوق وجوهنا. لم يكن ذلك اللون عيبا، فقد كان شهادة تقول إن أصحاب هذه الأيدي عرفوا التراب عن قرب، وعرفوا رائحة السنابل، وعرفوا كيف يولد الخبز قبل أن يصل إلى الموائد.
تعلمنا من الفصول أكثر مما تعلمناه من كثير من الكتب. الشتاء علمنا الاحتمال، حين كانت الرياح تصفر في الليل، والمطر يحاصر الطرق، والبرد يجعل الأيدي تتشقق. الربيع علمنا الأمل، لأن الغصن اليابس كان يعود أخضر من جديد. الصيف علمنا الجلد، والخريف علمنا أن لكل موسم نهاية، وأن الشجرة لا تخاف من سقوط أوراقها، لأنها تعرف أن الحياة ستعود إليها مرة أخرى.
تعلمنا أن الماء أثمن من الذهب، لأن الوصول إلى العين يحتاج إلى جهد، وحمل الدلاء يحتاج إلى أكتاف قوية. تعلمنا أن رغيف الخبز يحمل وراءه أياما كاملة من الحرث، والبذر، والانتظار، والحصاد، والطحن، والعجن، والنار. لذلك لم يكن أحد يرمي لقمة على الأرض، ولم يكن أحد يستهين بحبة قمح.
في البادية تعرفنا إلى الصمت الحقيقي. الليل هناك كان واسعا إلى درجة تسمح للإنسان بأن يسمع نفسه. النجوم كانت أقرب، والقمر يبدو جارا يعرف أسماء البيوت جميعها. كنا نرفع رؤوسنا إلى السماء، فنشعر بصغرنا، ويكبر في داخلنا احترام هذا الكون الفسيح.
الجبل كان يزرع فينا الصلابة. الوادي كان يعلمنا التواضع، لأنه يجمع المياه كلها من المرتفعات ثم يمضي هادئا. الأشجار كانت تمنحنا معنى الثبات، والطيور كانت تذكرنا أن الحرية تحتاج إلى جناحين من الشجاعة.
الجار هناك لم يكن اسما يسكن البيت المجاور. كان جزءا من العائلة الكبيرة. باب يفتح من غير موعد، وكتف يحمل معك الأثقال، ويد تمتد عند الحاجة، وصوت يصل قبل أن يصل الخبر. الأطفال كانوا يكبرون في الأزقة نفسها، والنساء يتقاسمن الخبز والدعاء، والرجال يتقاسمون التعب قبل أن يتقاسموا الراحة.
كل تلك التفاصيل كانت تعمل في أعماقنا بصمت. لم نكن ندرك أنها تبني شخصياتنا حجرا فوق حجر، وتعلمنا كيف نصبر، وكيف ننتظر، وكيف نحترم التعب، وكيف نقدر النعمة الصغيرة، وكيف نفرح بالأشياء التي يعبرها كثير من الناس من دون أن يلتفتوا إليها.
اليوم، كلما ابتعدت بنا الحياة، وعدنا بذاكرتنا إلى تلك البدايات، أدركنا أن البادية لم تمنحنا طفولة سهلة، وقدمت لنا ثروة لا تنفد. من نشأ بين التراب، يعرف قيمة السنابل. من عاش مع الفصول، يعرف أن الأيام تتغير. من حمل الماء على كتفيه، يعرف معنى المسؤولية. من سار خلف القطيع ساعات طويلة، يعرف أن الوصول لا يولد من خطوة واحدة...
لهذا كلما سألتني الحياة: أين تعلمت الصبر؟ أتذكر تلك الطرق الترابية. كلما سألتني: أين تعلمت الاحتمال؟ أتذكر حرارة الظهيرة. كلما سألتني: أين تعلمت احترام الخبز، والماء، والوقت، والناس؟ أعود إلى تلك القرية الصغيرة التي ظننت يوما أنها أخذت مني الكثير، ثم اكتشفت بعد عمر طويل أنها وضعت في روحي كنوزا لا يستطيع الزمن أن ينتزعها.