03/05/2026
الخوارزميات التي تصنع ما نراه.. حين تدار الحقيقة بصمت
لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات لعرض المحتوى، بل أصبحت اليوم تتحكم فعليا في ما يصل إلى الجمهور، وتعيد ترتيب الحقائق داخل الفضاء الرقمي وفق منطق غير مرئي. فبينما تتصدر محتويات معينة المشهد وتتحول إلى “ترند”، تدفن أخرى أو تحذف بالكامل، ما يخلق اختلالا واضحا في تمثيل الواقع.
هذا التوجيه غير المحايد ظهر بوضوح في عدة سياقات دولية. خلال الحرب على غزة، برزت منشورات داعمة للاحتلال بشكل واسع عبر منصات مثل إنستغرام وفيسبوك، مدعومة احيانا بحملات تفاعل منظمة، بينما تراجع ظهور المحتوى الفلسطيني أو تعرض للحذف والتقييد، خاصة عندما يتضمن صورا أو مصطلحات مرتبطة بالعنف أو “الاحتلال” أو “الشهداء”.
وفي السياق نفسه، خلال الحرب في أوكرانيا، حظيت الخطابات الغربية المساندة لكييف بانتشار كبير عبر محركات البحث ومنصات مثل يوتيوب وتيك توك، في حين جرى تقليص وصول المحتوى الروسي أو تصنيفه كمضلل، بما في ذلك الآراء التي تنتقد حلف “الناتو” أو تقدم رواية مغايرة للصراع.
هذه الأمثلة تعكس ما يعرف بالانحياز الخوارزمي، حيث لا يكون المحتوى الأكثر صدقا هو الأكثر ظهورا ، بل المحتوى الأكثر توافقا مع قواعد التصفية والبرمجة داخل المنصات، أو مع ما تعتبره “امنا ” و”مناسبا للانتشار”.
هذا الواقع يعيد إحياء نقاش قديم بصيغة جديدة. ففي تقرير “أصوات متعددة وعالم واحد” الصادر سنة 1980، حذر شون ماكبريد من هيمنة قوى إعلامية على تدفق المعلومات، معتبرا أن التحكم في المحتوى قد يتحول إلى أداة للسيطرة وتوجيه السرديات عالميا . واليوم، لم تعد هذه الهيمنة حكرا على المؤسسات الإعلامية، بل انتقلت إلى الخوارزميات التي تدير الفضاء الرقمي.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، برزت تقنيات أكثر خطورة مثل “التزييف العميق”، التي تسمح بإنتاج صور وفيديوهات تبدو حقيقية لكنها مزيفة بالكامل، ما يزيد من تعقيد التمييز بين الحقيقة والتضليل، ويعمق ما يعرف اليوم بـ”اضطراب المعلومات”.
في النهاية، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بحرية الوصول إلى المعلومة، بل بمن يملك القدرة على تشكيلها وتحديد ما يظهر وما يخفى . وبينما تتسارع الثورة الرقمية، يبقى التحدي الحقيقي: هل ما نراه هو الواقع فعلا ، أم نسخة مختارة منه صممتها الخوارزميات؟