07/05/2026
المِفْتَاحُ السِّحْرِيُّ فِي الحَقِيبَةِ المَنْسِيَّةِ
كَانَتْ حَقِيبَةُ "تَال" الصَّغِيرَةُ تَقْبَعُ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ مُنْذُ أَسَابِيعَ. المَدْرَسَةُ بَعِيدَةٌ، وَالسَّاحَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَمْتَلِئُ بِضَحِكَاتِ الأَصْحَابِ أَصْبَحَتْ صَامِتَةً بِسَبَبِ أَصْوَاتِ الحَرْبِ الَّتِي غَيَّبَتْ الجَرَسَ المَدْرَسِيَّ.
فِي البِدَايَةِ، ظَنَّتْ تَال أَنَّ العُطْلَةَ سَتَكُونُ مُمْتِعَةً، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا شَعَرَتْ بِـ"الضَّجَرِ" يَزْحَفُ إِلَى غُرْفَتِهَا مِثْلَ غَيْمَةٍ رَمَادِيَّةٍ. وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ "التَّعْلِيمُ عَنْ بُعْدٍ"؛ شَاشَةٌ بَارِدَةٌ، وَصَوْتُ المُعَلِّمَةِ يَأْتِي مُتَقَطِّعًا مِنْ خَلْفِ الأَسْلَاكِ، وَكَأَنَّ المَعْرِفَةَ أَصْبَحَتْ سَجِينَةً دَاخِلَ حَاسُوبٍ.
فِي أَحَدِ الصَّبَاحَاتِ المَاطِرَةِ، رَنَّ هَاتِفُ وَالِدَةِ تَال، المُرَبِّيَةِ سُوزَان. كَانَ المُتَحَدِّثُ هُوَ الأُسْتَاذُ مَعْمَر، مُدِيرُ المَكْتَبَةِ العَامَّةِ. قَالَ بِصَوْتِهِ الرَّخِيمِ: "يَا أَصْدِقَائِي الصِّغَارَ، إِذَا كَانَتِ المَدَارِسُ قَدْ أَغْلَقَتْ أَبْوَابَهَا مُؤَقَّتًا، فَإِنَّ أَبْوَابَ الخَيَالِ فِي قِصَصِنَا لَا تُغْلَقُ أَبَدًا. الحَرْبُ قَدْ تَمْنَعُنَا مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الصَّفِّ، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ مَنْعَنَا مِنَ السَّفَرِ عَبْرَ صَفَحَاتِ الكُتُبِ".
تَذَكَّرَتْ تَال فَجْأَةً كِتَابًا كَانَتْ قَدِ اسْتَعَارَتْهُ مِنَ المَكْتَبَةِ العَامَّةِ قَبْلَ بَدْءِ الأَحْدَاثِ. سَحَبَتِ الكِتَابَ مِنْ حَقِيبَتِهَا المَنْسِيَّةِ، وَنَفَضَتْ عَنْهُ الغُبَارَ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ فَتَحَتِ الصَّفْحَةَ الأُولَى، حَدَثَ أَمْرٌ عَجِيبٌ!
لَمْ تَعُدْ تَال فِي غُرْفَتِهَا الصَّغِيرَةِ؛ لَقَدْ سَافَرَتْ إِلَى غَابَاتِ الأَمَازُونِ، ثُمَّ طَارَتْ إِلَى كَوَاكِبَ بَعِيدَةٍ لَا تَصِلُهَا أَصْوَاتُ الانْفِجَارَاتِ. وَجَدَتْ تَال أَنَّ القِرَاءَةَ هِيَ "المِفْتَاحُ السِّحْرِيُّ" الَّذِي يَكْسِرُ جُدْرَانَ العُزْلَةِ.
بَيْنَمَا كَانَ الآخَرُونَ يَشْعُرُونَ بِالخَوْفِ وَالمَلَلِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ، كَانَتْ تَال تَعِيشُ أَلْفَ حَيَاةٍ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَشْعُرُ فِيهَا بِالضِّيقِ مِنَ "التَّعَلُّمِ عَنْ بُعْدٍ"، كَانَتْ تَفْتَحُ قِصَّةً جَدِيدَةً، فَتَشْعُرُ بِأَنَّ قَلْبَهَا يَتَّسِعُ، وَأَنَّ عَقْلَهَا يَنْمُو حَتَّى أَصْبَحَ أَكْبَرَ مِنَ الغُرْفَةِ، وَمِنَ الحَرْبِ، وَمِنْ كُلِّ الظُّرُوفِ.
وَعِنْدَمَا عَادَتْ فِي اليَوْمِ التَّالِي إِلَى دَرْسِ "الزُّوم"، شَارَكَتْ أَصْدِقَاءَهَا قَائِلَةً: "يَا رِفَاقُ، المُعَلِّمَةُ تُعْطِينَا العِلْمَ عَبْرَ الشَّاشَةِ، لَكِنَّ الأُسْتَاذَ مَعْمَر وَالكُتُبَ يُعْطُونَنَا الأَجْنِحَةَ لِنَطِيرَ فَوْقَ كُلِّ الصُّعُوباتِ".
وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، عَرَفَ طُلَّابُ القَرْيَةِ أَنَّ المَكْتَبَةَ العَامَّةَ هِيَ المَلَاذُ الآمِنُ، وَأَنَّ مُدِيرَهَا الأُسْتَاذَ مَعْمَر يَنْتَظِرُهُمْ دَائِمًا بِحِكَايَاتٍ تَزْرَعُ الأَمَلَ فِي القُلُوبِ، وَتُعَلِّمُهُمْ أَنَّ مَنْ يَقْرَأُ.. لَا يَنْهَزِمُ أَبَدًا.
بِقَلَمِ: مُدِيرِ المَكْتَبَةِ العَامَّةِ، مَعْمَر أَبُو الهَيْجَاء
"أَنَا بِانْتِظَارِكُمْ فِي مَكْتَبَتِنَا، لِنَخْتَارَ مَعًا مُغَامَرَتَكُم القَادِمَةَ"