21/08/2026
أنا وصديقي... مشوارٌ على دروب الذِّكريات...
بالأمس، وبينما كانت الضَّيعة غارقة بهدوء العصر، طلعت أنا وصاحبي **محمد د.** نمشّي صوب حارة النَّبعة، ومن هناك أخدنا طريق التَّلال الغربية؛ الطَّريق اللي بعده حافظ خطانا ونحن صغار، وبعده التُّراب بيعرف أسماءنا
كانت الشَّمس عم تميل عَ المغيب شوي شوي، ترمي نارها على روسنا، كأنها هي كمان تعبت من نهار طويل وما عاد بدها غير تستريح ورا الجبال..!!
والنَّسمة كانت تمرق علينا خفيفة، تحمل ريحة التُّراب اليابس، وشي من عطر الحشائش والزَّعتر البري، كأن الأرض، رغم قساوتها، بعدها بتعرف كيف تواسي المكسور.
مشينا ساعتين كاملين.
مرقنا بين التَّلال، وتحت شجرات متناثرة هون وهون،
وكل حجر بالطَّريق كان يفتح بذاكرتنا بابا من أبواب العمر. تذكَّرنا أيَّام الطُّفولة؛
أيَّام كان الواحد فيها يحلم بلا حساب، ويقول: لما نكبر...
يا ويلي من كلمة لما نكبر!
قدَّيش كانت كبيرة بعيوننا، وقدَّيش صارت صغيرة لما كبرنا!
كنا نتصوَّر إن الشُّغل والكدَّ والتًّعب بابٌ بيفتحه الفقير، وبيدخل منه آخر النَّهار رجلًا مرفوع الراس، مستور الحال، إله بيت وسيارة، وكم ليرة مخبَّاية للزمن.
كنا مفكرين إن العمر إذا تعبنا فيه، بيردَّ لنا الجميل.
بس طلع العمر، يا صاحبي، ما بيردَّ الجميل دائما.
أحيانا بياخد منك شبابك، وصحتك، وراحة بالك... وبيرجعلك آخر النَّهار شوية ذكريات وجسم مهدود بالامراض وقلب مليان أسئلة.
كان صديقي محمد يحكي وأنا ساكت.
قال لي إنو نحن أكبر أحلامنا كانت ، لا قصر ولا مال كثير؛ كانت بس **عيشة هنيَّة، بيت مستور، وراحة بال**.
وبينما كان يحكي، طلع بإيديه.
ضلّ يطلع بكفوفه فترة، كأنّه عم يقرأ على خطوطها سيرة عمره.
قال:
بتعرف هالإيدين شو عملوا؟
قلت له:
بعرف... اشتغلوا أكتر مما لازم.
ضحك ضحكة خفيفة، وقال:
اشتغلوا بالدَّهان ليل نهار... حملوا السُّلّم، وشالوا العِدِّة، وطلعوا عَ الورش ونزلوا منها... بس بالنَّهاية، شو طلع بإيدنا؟
وسكت.
كان السُّؤال أثقل من الجواب.
وبعد لحظة قال:
شو استفدنا من الشَّغل؟ عمر من التَّعب والقلق والخوف... وبالآخر ولا شي. لا دنيا ربحنا، ولا مصاري جمعنا.
نظرت إليه، وما عرفت شو جاوبه.
لأن بعض الكلام ما بده جواب.
بعض الكلام بدّه بس حدا يقعد حدَّك ويسمعك.
قلت له:
يمكن الدُّنيا ظلمتنا شوي.
هزَّ راسه وقال:
شوي؟ يا زلمي، نحنا عشنا العمر كله ناطرين هالشوي!
وسكتنا.
بلشت الشَّمس تنزل ببطء خلف التَّلال، والسَّماء صارت بلون نحاسي حزين، والضَّيعة من بعيد بدأت تلبس ثوب المساء.
نظرنا من بعيد على الضَّيعة
كل شيء كان في مكانه.
لكننا نحن لم نعد كما كنّا.
كلما اقتربنا من البيوت، شعرنا أن أحلامنا تبتعد أكثر.
غريب أمر الإنسان!
يمشي نحو بيته، فيشعر أحيانا أنه يمشي بعيدا عن نفسه.
قلت لصديقي محمد:
بتتذكَّر شو كنا نحلم ونحن صغار؟
ابتسم وقال:
كنا مفكرين الدُّنيا واسعة.
واسعة... بس مش لإلنا.
ثم قال، وكأنّه عم يحكي مع نفسه:
— كنت مفكَّر إذا تعبت، بوصل... إذا اشتغلت، بوقف عَ إجري... إذا صبرت، بتفرج.
وبعدين طالع فيّي وقال:
بس الظَّاهر يا صاحبي، حتى الحلم طلع بده رأس مال.
ضحكت، رغم أن الضَّحكة كانت موجوعة.
قلت له:
يعني صار بدنا مصاري حتى نحلم؟
قال:
لا... المصاري بدها مصاري، والحلم بده ظهر قوي، والظهر القوي بده عمر... والعمر، إذا راح، ما بيرجع.
ثم تابعنا الطَّريق.
كان صوت أولاد الحارة يجي من بعيد، ضحكاتهم تعلو وتنخفض، وصرير أبواب البيوت وهي عم تستعد لاستقبال المساء ، ورايحة اهلنا وطيبتهم طالعة من بين الأزقة.
كل شيء كان مألوفا...
لكننا شعرنا، لأول مرة، أننا غرباء عن المكان الذي ربَّانا.
وقفنا شوي قرب صخرة على طرف الطَّريق، وطلعنا على الضيعة ثم قال لي صديقي
** شو بدك تعمل؟ العمر راح... واللي راح ما بيرجع، واللي انكسر ما بيلتِم متل الأول.**
مشينا.
كان الليل عم يمدّ عباءته فوق التلال، والقرية عم تضيَّع آخر خيوط النهار بين بيوتها.
ومشينا نحو ساحة الضَّيعة
خطوة إلي، وخطوة إله.
وورانا طريق طويل من التَّعب، وقدامنا قرية صغيرة نعرف كل حجر فيها، لكننا ما عدنا نعرف أين خبَّأت الأيام أحلامنا.
وعند أول الحارة، التفت محمد إلى التلال وقال:
**بتعرف شو أصعب شي؟**
قلت: شو؟؟
قال:
مش إنك ما وصلت للحلم... أصعب شي إنك تضل طول عمرك تصدَّق إنك قرَّبت، وبالآخر تكتشف إنك كنت عم تبعد عنه.
ومشينا...
ولا واحد فينا حكى بعدها.
لأن بعض الخيبات، يا صاحبي، ما إلها كلام.
إلها مشية طويلة...
وغروب بارد..
وتطلع من بعيد على ضيعتك، وتقول بينك وبين حالك:
**يا ريت العمر كان أرحم... ويا ريت الحلم ما كان أغلى من قدرتنا.**