اللَّجنة التَّربويَّة - بلدِيَّة مجدلِ عنجر - نافِذتُنا إِلى الوطنِ والمهجر

  • Home
  • Lebanon
  • Beirut
  • اللَّجنة التَّربويَّة - بلدِيَّة مجدلِ عنجر - نافِذتُنا إِلى الوطنِ والمهجر

اللَّجنة التَّربويَّة - بلدِيَّة مجدلِ عنجر - نافِذتُنا إِلى الوطنِ والمهجر Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from اللَّجنة التَّربويَّة - بلدِيَّة مجدلِ عنجر - نافِذتُنا إِلى الوطنِ والمهجر, City Hall, الثانوية الرسمية, Beirut.

صفحة رسميِّة تُعنى بالتَّعريف بأبناء مجدل عنجر في بلاد الاغتراب من الكفاءات الأكاديميِّة والمهنيِّة، ومتابعة الشَّأن التَّربوي في مدارس البلدة، تعزيزا لدور العلم وخدمةً للمجتمع...!!

21/08/2026

أنا وصديقي... مشوارٌ على دروب الذِّكريات...

بالأمس، وبينما كانت الضَّيعة غارقة بهدوء العصر، طلعت أنا وصاحبي **محمد د.** نمشّي صوب حارة النَّبعة، ومن هناك أخدنا طريق التَّلال الغربية؛ الطَّريق اللي بعده حافظ خطانا ونحن صغار، وبعده التُّراب بيعرف أسماءنا

كانت الشَّمس عم تميل عَ المغيب شوي شوي، ترمي نارها على روسنا، كأنها هي كمان تعبت من نهار طويل وما عاد بدها غير تستريح ورا الجبال..!!
والنَّسمة كانت تمرق علينا خفيفة، تحمل ريحة التُّراب اليابس، وشي من عطر الحشائش والزَّعتر البري، كأن الأرض، رغم قساوتها، بعدها بتعرف كيف تواسي المكسور.

مشينا ساعتين كاملين.

مرقنا بين التَّلال، وتحت شجرات متناثرة هون وهون،
وكل حجر بالطَّريق كان يفتح بذاكرتنا بابا من أبواب العمر. تذكَّرنا أيَّام الطُّفولة؛
أيَّام كان الواحد فيها يحلم بلا حساب، ويقول: لما نكبر...

يا ويلي من كلمة لما نكبر!
قدَّيش كانت كبيرة بعيوننا، وقدَّيش صارت صغيرة لما كبرنا!

كنا نتصوَّر إن الشُّغل والكدَّ والتًّعب بابٌ بيفتحه الفقير، وبيدخل منه آخر النَّهار رجلًا مرفوع الراس، مستور الحال، إله بيت وسيارة، وكم ليرة مخبَّاية للزمن.

كنا مفكرين إن العمر إذا تعبنا فيه، بيردَّ لنا الجميل.

بس طلع العمر، يا صاحبي، ما بيردَّ الجميل دائما.

أحيانا بياخد منك شبابك، وصحتك، وراحة بالك... وبيرجعلك آخر النَّهار شوية ذكريات وجسم مهدود بالامراض وقلب مليان أسئلة.

كان صديقي محمد يحكي وأنا ساكت.

قال لي إنو نحن أكبر أحلامنا كانت ، لا قصر ولا مال كثير؛ كانت بس **عيشة هنيَّة، بيت مستور، وراحة بال**.

وبينما كان يحكي، طلع بإيديه.

ضلّ يطلع بكفوفه فترة، كأنّه عم يقرأ على خطوطها سيرة عمره.
قال:
بتعرف هالإيدين شو عملوا؟

قلت له:
بعرف... اشتغلوا أكتر مما لازم.

ضحك ضحكة خفيفة، وقال:

اشتغلوا بالدَّهان ليل نهار... حملوا السُّلّم، وشالوا العِدِّة، وطلعوا عَ الورش ونزلوا منها... بس بالنَّهاية، شو طلع بإيدنا؟

وسكت.
كان السُّؤال أثقل من الجواب.

وبعد لحظة قال:
شو استفدنا من الشَّغل؟ عمر من التَّعب والقلق والخوف... وبالآخر ولا شي. لا دنيا ربحنا، ولا مصاري جمعنا.

نظرت إليه، وما عرفت شو جاوبه.
لأن بعض الكلام ما بده جواب.

بعض الكلام بدّه بس حدا يقعد حدَّك ويسمعك.

قلت له:
يمكن الدُّنيا ظلمتنا شوي.

هزَّ راسه وقال:
شوي؟ يا زلمي، نحنا عشنا العمر كله ناطرين هالشوي!

وسكتنا.
بلشت الشَّمس تنزل ببطء خلف التَّلال، والسَّماء صارت بلون نحاسي حزين، والضَّيعة من بعيد بدأت تلبس ثوب المساء.
نظرنا من بعيد على الضَّيعة
كل شيء كان في مكانه.

لكننا نحن لم نعد كما كنّا.
كلما اقتربنا من البيوت، شعرنا أن أحلامنا تبتعد أكثر.

غريب أمر الإنسان!
يمشي نحو بيته، فيشعر أحيانا أنه يمشي بعيدا عن نفسه.

قلت لصديقي محمد:

بتتذكَّر شو كنا نحلم ونحن صغار؟

ابتسم وقال:
كنا مفكرين الدُّنيا واسعة.

واسعة... بس مش لإلنا.

ثم قال، وكأنّه عم يحكي مع نفسه:

— كنت مفكَّر إذا تعبت، بوصل... إذا اشتغلت، بوقف عَ إجري... إذا صبرت، بتفرج.

وبعدين طالع فيّي وقال:
بس الظَّاهر يا صاحبي، حتى الحلم طلع بده رأس مال.

ضحكت، رغم أن الضَّحكة كانت موجوعة.

قلت له:
يعني صار بدنا مصاري حتى نحلم؟

قال:
لا... المصاري بدها مصاري، والحلم بده ظهر قوي، والظهر القوي بده عمر... والعمر، إذا راح، ما بيرجع.

ثم تابعنا الطَّريق.
كان صوت أولاد الحارة يجي من بعيد، ضحكاتهم تعلو وتنخفض، وصرير أبواب البيوت وهي عم تستعد لاستقبال المساء ، ورايحة اهلنا وطيبتهم طالعة من بين الأزقة.

كل شيء كان مألوفا...

لكننا شعرنا، لأول مرة، أننا غرباء عن المكان الذي ربَّانا.
وقفنا شوي قرب صخرة على طرف الطَّريق، وطلعنا على الضيعة ثم قال لي صديقي

** شو بدك تعمل؟ العمر راح... واللي راح ما بيرجع، واللي انكسر ما بيلتِم متل الأول.**

مشينا.
كان الليل عم يمدّ عباءته فوق التلال، والقرية عم تضيَّع آخر خيوط النهار بين بيوتها.

ومشينا نحو ساحة الضَّيعة
خطوة إلي، وخطوة إله.

وورانا طريق طويل من التَّعب، وقدامنا قرية صغيرة نعرف كل حجر فيها، لكننا ما عدنا نعرف أين خبَّأت الأيام أحلامنا.

وعند أول الحارة، التفت محمد إلى التلال وقال:

**بتعرف شو أصعب شي؟**

قلت: شو؟؟

قال:
مش إنك ما وصلت للحلم... أصعب شي إنك تضل طول عمرك تصدَّق إنك قرَّبت، وبالآخر تكتشف إنك كنت عم تبعد عنه.

ومشينا...
ولا واحد فينا حكى بعدها.

لأن بعض الخيبات، يا صاحبي، ما إلها كلام.
إلها مشية طويلة...

وغروب بارد..

وتطلع من بعيد على ضيعتك، وتقول بينك وبين حالك:

**يا ريت العمر كان أرحم... ويا ريت الحلم ما كان أغلى من قدرتنا.**

19/08/2026

من دفاتر ذكريات ضيعتنا القديمة

«دموع البيادر» –(4)

كان للفجر في زماننا القديم موعدٌ لا يتأخر،
وللحصيدة سلطانٌ لا يُردّ، وللبيادر حكاياتٌ وحكايات ..

في تلك اللَّيلة، نام أبو مازن باكراً، وما كان نومه راحةً بقدر ما كان استسلاماً لتعب النَّهار وهمّ الصَّباح.

فالغد يوم حصيدة، و«الحقلة» لا تنتظر كسولاً، والسَّنابل إذا طاب أوانها لا تسأل عن نومٍ ولا عن راحة.

نام الرَّجل قبل أن يكتمل الليل، وما هي إلا ساعات حتى فتح عينيه على سكون الدَّار،
والقمر يسكب نوره الفضي على الحيطان الطينية،
وشجرة التُّوت في أرض الدَّار تهتز أغصانها مع نسمة ليلية باردة.

التفت إلى زوجته، وهزَّها من كتفها قائلاً:

— قومي فيقي ابنك... وجهّزيلنا الزَّوادة.

استيقظت أم مازن، لكن قلبها لم يستيقظ معها.

كانت تعرف أن إيقاظ مازن في مثل هذه السَّاعة ليس بالأمر الهيَّن. فمنذ أن كان صبياً،
كان للفجر معه خصومة قديمة، وللحصيدة في نفسه ثأرٌ لا يهدأ.

وعاد بها خاطرها إلى أيام بعيدة، يوم كان أبو مازن يرسلها قبل طلوع الضَّوء لتوقظه.

كانت تقترب من باب غرفته على أطراف أصابعها، وتقول:

— مازن... قوم يا ابني، أبوك ناطر.

فيأتيها صوته من تحت اللَّحاف، غاضباً متبرّماً:

— قوليله مش رايح!

فتعود إليه بعد قليل:

— قوم ياما ، النَّاس سبقتنا عالحقول.

فيزداد نقمه:

— خليه يحصد لحاله! شو هالحصيدة اللي ما إلها آخر؟!

ثم يبدأ تعداد مآسيه، كأنه في مجلس شكوى:

— شو هالكار؟ تعب وشحار وشمس ووجع ظهر!
— بدي أرجع عالفدائية احسن ..

وكانت أم مازن تسايره وتلين له الكلام، تارةً خوفاً عليه من غضب أبيه،
وتارةً شفقةً على قلب أمٍّ تعرف أن ابنها لا يكره العمل بقدر ما يكره أن يُنتزع من نومه في عتمة الفجر.

لكن أبا مازن كان يعرف اللعبة كلها.

فما إن يسمع الهمس حتى يهدر صوته من آخر الدار:

— فِقت يا ولد؟!

فيقفز مازن من فراشه قفزة من أفاق على صاعقة:

— قايم... قايم! مش سامعها عبتفيقني يا زلمي؟!

ثم يخرج، لا حباً بالحصيدة، بل خوفاً من أن تتحول الحصيدة إلى خصامٍ عائلي!

أما في تلك الليلة، فقد كان الأمر مختلفاً.

اقتربت أم مازن من غرفته، وقبل أن تمد يدها إلى الباب، جاءها صوته من الداخل:

— فايق... فايق.

توقفت لحظة.

كان مازن قد سبقها إلى الفجر.

لم ينم إلا قليلاً، وكأن الأيام التي مضت منذ عودته من الفدائية قد علّمته أن الرجل، مهما ثقلت عليه الدنيا، لا بد أن يحمل نصيبه منها.

نهض، ولبس جاكيته السَّميك، ولفّ على رأسه «حراماً»، ثم تناول مطرة الجنفيص المملوءة بالماء.

أما أبو مازن فحمل الزَّوادة، والمناجل، وكفوف الحصيدة، وخرج الرَّجلان من الدَّار.

كانت الضَّيعة غارقة في نومها.

الأبواب موصدة، والنَّوافذ ساكنة، وكلبٌ بعيد ينبح مرةً ثم يسكت،
وبابٌ خشبي قديم تحرَّكه الرِّيح فيصدر صريراً يشبه أنين الأيَّام.

مشى أبو مازن ومازن بين البيوت القديمة، ثم أخذا الطريق التُّرابي المؤدي إلى التَّلال الغربية،
حيث تمتد أرضهم وقد وقفت السَّنابل فيها صفوفاً ذهبية تنتظر المنجل.

كانت المطرة ثقيلة، وماؤها بارد كأنه خارجٌ لتوّه من عينٍ جبلية.

ينقلها مازن من كتفٍ إلى كتف، وتارةً يحملها بيده، وتارةً يضعها على الأرض ليسترد أنفاسه.

وكان الليل من حولهما ساكن إلا من وقع الخطوات واحتكاك السَّنابل بالنَّسيم.

وبعد مسافة طويلة، كسر أبو مازن الصَّمت:

— قلنا لما رحت عالفدائية، بتشتريلنا تركتور مثل باقي شباب الضَّيعة

سكت قليلاً، ثم قال وهو يزفر:

— طلعت آخرتها... تيتي تيتي، مثل ما رحتي جيتي!

لم يجبه مازن.

ظلّ يمشي.

نقل المطرة من كتفٍ إلى آخر، وأطرق رأسه إلى الأرض.

كان في كلام أبيه شيء من المزاح، وشيء من العتاب، وشيء من الحسرة على عمرٍ مضى ولم يترك في اليد إلا الذَّكريات.

لكن بعض الكلمات، مهما قيلت بنصف ابتسامة، تعرف طريقها إلى القلب.

مسح مازن بطرف كمه عينه.

لم يعرف أبوه إن كانت قطرة ماء من المطرة قد سقطت على وجهه، أم أن للعين في ذلك الفجر مطراً آخر.

وظلا يمشيان.

ومع اقترابهما من الأرض، بدأت السَّماء تتبدَّل.

خيطٌ رمادي ظهر من وراء التَّلال، ثم تبعته خيوطٌ أخرى، حتى أخذ اللَّيل ينسحب على مهل، وكأن النَّهار يزيحه من مكانه.

وفجأة، سمعا هدير تركتور زراعي يقترب من خلفهما.

التفتا، فإذا بمروان حمود يقوده، متجهاً نحو الأراضي.

خفف مروان سرعته، وتوقف إلى جانبهما، ثم قال:

— بدكم توصيلة يا جماعة؟

رفع أبو مازن رأسه، وشدَّ على الزَّوادة بيده.

كان بإمكانه أن يقول نعم.

فالطريق طويل، والمطْرة ثقيلة، والفجر لم يطلع بعد.

لكنه كان من ذلك الجيل الذي كان الفقر فيه لا يمنع الكرامة، والتعب لا يُسقط الهيبة، والحاجة لا تُظهر صاحبها ضعيفاً.

ابتسم ابتسامةً صغيرة وقال:

— مشكور كثير... وصلنا.

تحرك الجرار ومضى، وبقي الرَّجلان خلفه يمشيان في الطَّريق الترابي.

وكان غبار عجلات الجرار يتصاعد في الهواء، ثم يهبط فوق الطريق كأنه ستارةٌ من الماضي.

أما مازن، فظلّ صامتاً.

وفي داخله كانت تختلط أشياء كثيرة: تعب السنين، وعتب الأب، ومرارة الشباب، وأيام الفدائية، وحكاية التركتور الذي لم يشتره، والحصيدة التي كان يكرهها ثم عاد إليها.

ولعلَّ مازن في ذلك الصَّباح لم يكن يحصد الشَّعير وحده.

كان يحصد ما تبقى من سنوات شبابه.

كانت المنجل في يده، والسَّنابل أمامه، والبيادر تنتظر.

وكانت دمعةٌ صغيرة قد سبقت أول ضربة منجل...

**دمعةٌ لم تكن دمعة مازن وحده، بل دمعة جيلٍ كاملٍ من شباب الضيعة؛
جيلٍ نام على الحصير،
واستيقظ قبل الديك،
وحمل المطرة على كتفه، وسار خلف أبيه إلى الحقل، ثم عاد عند المغيب يحمل تعب النَّهار وكأنه يحمل وساماً.**

هكذا كانت أيامهم...

لا تركتور، ولا سيارات، ولا طرق معبَّدة، ولا ساعاتٍ توقظهم.

كان يكفي أن يصيح الدِّيك، وأن يقول الأب:

«قوم... الفجر طلع.»

ويبقى الفجر، بعد كل تلك السِّنين، شاهداً على زمنٍ كانت فيه لقمة الخبز تُعجن بالعرق،
وكانت الكرامة تُحصد مع السنابل، وكانت البيادر تحفظ في ترابها أسرار رجالٍ لم تكتب أسماءهم الكتب،
لكن بقيت حكاياتهم تمشي بيننا من جيلٍ إلى جيل.

حكاية مازن عباس هي حكاية كل شبابٍ الضيعة ..
لكل واحدٍ منهم حصيدة،
ومطْرة، وزوادة، وأبٌ ينتظر عند باب الدار...
وحلمٌ أكبر من أن تحمله سنابل الحقل.
يتبع

🎓 مباركةٌ ومسيرةُ علمٍ تُستكملتتقدَّم **اللَّجنة التَّربوية في بلدية مجدل عنجر** بأصدق التهاني وأطيب التبريكات بمناسبة إ...
17/08/2026

🎓 مباركةٌ ومسيرةُ علمٍ تُستكمل

تتقدَّم **اللَّجنة التَّربوية في بلدية مجدل عنجر** ب
أصدق التهاني وأطيب التبريكات بمناسبة إتمام مرحلة الماجستير في الدَّراسات الإسلاميَّة،في جامعة بيروت الإسلامية – فرع البقاع،
بمعدَّلٍ يؤهِّل للانتقال إلى مرحلة إعداد الأطروحة.

رحلةُ علمٍ تخلَّلها العزمُ والجدَّ، وتعاقب فيها العَثارُ والنهوض، والانقطاعُ والعودة،
حتى بلغ صاحبُها غايتَه بعون الله وتوفيقه؛
وما هذه المحطة إلا عتبةٌ جديدة في طريق العلم،

نسأل الله أن يبارك له في علمه، وأن يرزقه الإخلاص في النيّة والقول والعمل، وأن يجعل علمه نافعا،
وسعيه مشكورا، وأثره طيبا، وأن يوفَّقه في كتابة أطروحته، وينفع به والدَيه ومشايخه ومجتمعه.

مباركٌ هذا الإنجاز، وإلى مزيدٍ من العلم والعطاء والتَّوفيق بإذن الله.

14/08/2026

من دفاتر ذكريات مجدل عنجر القديمة…!!

حكايا مازن التي تختصر كل حكايا شباب الضيعة انذاك(4)

يا سامعين يا حاضرين، تعوا اقعدوا نحكي،
فالحكي مثل خبز التَّنّور، كل ما قعد على الجمر طاب طعمه أكثر.

بلدتنا مجدل عنجر، يا أهل الخبرة، ما بتفرح ولا بتحزن وحدها..
همَّها موزَّع على البيوت كلها، وكل بيت فيه حكاية، وكل حكاية فيها مازن وأهله...!!

نهار متل هيك النَّهار، والشَّمس مالت تودِّع السَّما وتنزل ورا الجبل خجلانة،
والدَّار العتيقة عم تتهيَّأ لليلها الطَّويل،
إذا بأمَّ مازن قاعدة تحت عريشة العنب،
مقابل الغرفة الشَّرقية، والعريش ناشر ظله عالدَّار متل لونه الأخضر..

بين إيديها **ورق العريش** يلي جابها مازن من الكرم يومها، وصارت تفرز الورق ورقة ورقة.
العريض لطبخة ورق العريش، والصغير لـ البليلة. ويداها تشتغل، وقلبها يحكي وحدو:

يمكن مازن صار له زمان ما ذاق هالأكلة…

وشمس العصر كانت تتسلَّل من بين عناقيد الحصرم، وترسم على وجهها متل خريطة عمر ما رحمها التعب.

وقبل ما يركب اللَّيل على النَّهار، إذا بأبو مازن راجع من الحصيدة، والغبرة بعدها عالقة بثيابه، وبين إيديه جوز كفوف حصيدة سود،
ومعه علبة معجون حلاقة وعلبتين شفرات ناسيت،
جابهن من الدَّكَّان بالدَّين،
لأن الدين، يا حضرة السَّامعين، صار رفيق الدَّرب أكثر من المصاري نفسها.

دخل الدَّار، هزّ شحاطته عالباب لينفض التَّراب، وقعد عالطَّراحة العتيقة جنب أم مازن،
وأخذ يقشّر قلاحين العنب كان جايبهم معه من الكرم ..

وبعد صمت قصير، قالت أم مازن وهي عم بتقلَّب ورق العريش..

مش لازم نشوف لمازن بنت ونجوّزه؟ صار عمره كبير… يمكن الجيزة تفرَّجها عليه، ويستقر باله.

رفع أبو مازن راسه، ونفخ من حموضة طالعة لصدره، وقال بنبرة فيها تهكّم بقد ما فيها قهر:

— مبلا… بس ليعطينا أول شي الدُّولارات يلي جايبهن من الفدائية!

رمقته أم مازن بعين ضاق فيها الصَّبر:

هيدا يلي بتعرفه! ملاومة ومسخرة!
خلَّص بقى يا زلمي… الولد ناقصه هموم؟ ما بكفيه يلي شايله؟
إنت كل ما شفت جرحه بتروح بتحكُّه!

سكت أبو مازن شوي، ثم لان صوته:

ولك يا حرمة… هيدا مازن عيني وقلبي. الله يفرجها علينا. إذا مشي هالموسم، منسدّ شي من الدُّيون،
ومنشوف له بنت من بنات الحلال. الله وحده يعلم شو صار بهالبلد…!
الشباب كل واحد مرمي ببلاد والبنات ناطرين يوم النصيب.

أمَّا أم مازن، فجمعت الأوراق الصغيرة بـ بالصينية، وهزَّت راسها:

إذا ناطر الموسم حتى تجوّز الولد… **عيش يا كديش!**
ضحك أبو مازن وقال

لقوم عبِّي المطرة… خليها تسقع للصبح.

نهض، أخذ المطرة، مشي عالحنفية بطرف الدار. فتحها، فجا الماء خيط واهن متقطَّع،
كأنَّه هوي كمان تعب من شحّ الأيَّام.

وقف لحتى امتلئن المطرة، بلَّل **الجنفيص** الملفوف حواليها،
وتركها فوق طرف البحرة تشرب من برودة الليل.

وبآخر الدار، عند باب المضافة، كان مازن قاعد بالعتمة، سامع الحديث كلمة كلمة،
وما بينبس ببنت شفة. كأن القوم عم يحكوا عن رجل غريب، مش عن مازن يلي كان قريب منن، يسمعن ويسمعوه.

وفجأة رفع أبو مازن كفوف الحصيدة قدَّامه، لوَّح فيها نحو ابنه وقال
نام يا با… بكرا عنا بكره شغل بالحقلة

كلمة وحدة كانت تكفي تفتح براس مازن أبواب من الذِّكريات.
الحقلة ..

رجعتله ريحة الزَّرع اليابس، صوت المناجل، حرارة الشَّمس عم تضرب الروس، والعرق،
والغبرة يلي بتدخل العينين، والشَّوك يلي كان يغرز باللَّحم متل الإبر.

وبينما اللَّيل عم ينزل عالدَّار رويدا رويدا،
جابت أم مازن اللكن ..، وقعدت على عتبة الغرفة، تغسل وجها ورجليها من غبار وتعب النَّهار،

أما أبو مازن، فقعد عالأرض قبالة المرايا الصِّغيرة المعلَّقة بمسمار بالحيط التُّرابي..

فتح علبة المعجون الجديدة، وبلش يحلق ذقنه

رفع ذقنه قدام المراية، وراح يقلَّد الدِّعاية بالتَّلفزيون،

**بنت عمي تفضَّلني بالكولينوس!**
انفجرت أم مازن بضحكة رغم تعبها، وقالت وهي تنزل الفرشة عن الليوك

لا بكولينوس ولا بغيره… خبِّي هالوسامة لبكرا، عندك حصيدة!

ضحك أبو مازن، وظلَّت بسمته لحظات، ثم خمدت متل ما تخمد جمرة الحطب بآخر اللَّيل.

تمدَّد الرجل عالـ الفرشة ، سحب الغطا عجسمه، بينما كانت أم مازن تطفي آخر ما بقي من ضو.

وبالخارج، سكتت الدَّار.
نام أبو مازن…
ونامت أم مازن…

أما مازن، فضل وحدو يحدَّق بعتمة اللَّيل، وكلمات تدور براسه...
الحقلة والحصيدة والبيادر ..!!
*يتبع…*

13/08/2026

من دفاتر مجدل عنجر القديمة

دُموع البيادر… حكايا ابن الضيعة مازن

**عن الحصن، عن النبعة، عن المئذنة، عن الضيعة، عن السنين، عن الحب، عن الحرب، عن الغياب، عن الرجعة، وعن رجلٍ ظلَّت الأرض تعرفه حتى حين نسي هو نفسه.**

بين صفحات الزَّمان العتيق، يوم كانت الضَّيعة تعرف أهلها واحدا واحدا، وكان الحجر يعرف خطى أصحابه، وكانت البيادر عامرة بالسَّنابل، والكروم تفيء على أصحابها، والتَّين والزَّيتون واللوز شهودا على مواسم العمر...

كان مازن عبّاس قاعد ببيته، ومخنوق

نهار ثقيل... ثقيل كأن جبلا جلس على صدره.

والبيت، على كبره، كان بعيونه أضيق من خرم إبرة.

يمشي خطوتين من البرندة عالصَّالون، بيقعد شوي، وبعدين بيقوم، بيلفَّ حول حاله، وبرجع عالقعدة نفسها، مثل حصان المورِج عالبيدر؛ يمشي ويدور، ويدور ويمشي، والدورة ما إلها آخر.

كانت أمّه تراقبه من بعيد وما بدها تسأله.

الأم التي عاشت عمرها تقرأ وجع أولادها من مشيتهم، تعرف أن بعض الهموم، إذا سألتها: «شو فيك؟»، بتكبر.

وكان مازن، بهداك النهار، شايل بقلبه حمولة سنين.

كل زاوية بالبيت كانت تفتح بوجهه دفترا قديما؛ عتبة الباب تذكّرَه بخطواته الأولى، والبرندة بليالي الضَّيعة، ورائحة التُّراب العالقة بالجدران تردَّه إلى أيَّام كان فيها العمر أخفَّ، والخبز أطيب، والنَّاس أقرب إلى بعضهم من ظلِّ الحائط إلى صاحبه.

وتذكَّر أيَّام الفدائية.

قال وقتها: بروح شهر وبرجع

ومرّ الشهر. قال خلِّيني كمان شهر

ومرَّ الثَّاني، وراه الثَّالث...

وظلَّ يؤجل الرَّجعة، كأن الإنسان يستطيع أن يؤجل عمره أيضا.

حتى رجع: لكن هل رجع مثل ما راح؟؟؟ طبعا لا

رجع أتعب، رجع والعمر سابقه، رجع والجسم مهدود، رجع والثَّياب مهرية، وفي عيونه شيء لم يكن فيه يوم خرج.

الشَّاب اللي راح يومها كان صدره عامر بالعنفوان، وعينه مليانة أحلام، وعناده قدَّ عمره.

أمَّا اللي رجع، فوجهه مطفَّي، وعينه خافتة، ومشيته ثقيلة؛ كأن الحرب ما تركت فيه غير التَّعب، وتركت في روحه أسئلة ما لقي إلها جواب.

وها هو اليوم رجع لنفس المكان اللي تركه يوم راح.

رجع إلى **كار الحصيدة**.

لكن مازن لم يعد هو مازن.

حتى الحب...

ذلك الحب الذي كان يوما أقرب إلى الروح من الروح، صار يتحاشاه.

رأته أمّه يغلي بصمته، مثل دست حاطَّينه عالنَّار.

اقتربت منه وقالت، بصوت الأم التي لا تحتاج إلى كثير كلام:

قوم ياما... اطلع عالحصن.

ظل ساكتا...قالت

غيَّر جوَّ، شمَّلك شوية هوا نضيف، يمكن الشَّجر يردَّلك الروح.

كانت الكلمة قد وقعت بمحلّها.

يمكن روحه، بعد كل هالسنين، كانت لهفانة على مطرح ما فيه حدا يسألها: وين كنت؟ وليش رجعت؟

مطرح يعرفه وما يحاكمه.

قام...لبس أحسن ما عنده

وأحسن ما عنده، يا سادة يا كرام، ما كان يفتح النَّفس كتير!

قميص باهت، بس أقل اهتراءً من غيره، وبنطلون كان زمان إله لون، بس الغسيل والسَّنين أكلوا لونه، مثل ما أكلت الأيَّام أشياء كثيرة من وجه صاحبه.

وقف قدَّام المراية العتيقة المعلَّقة عالحيط الطَّيني.

سرَّح شعره، شدَّ القميص، وتطلَّع بحاله كتيرررر

وبعدين ابتسم ابتسامة فيها من المرارة أكتر ما فيها من الفرح.

وقال بينه وبين حاله:
حتى شخصيتي... ما بتصلح إلا للحصيدة!

وطلع.

كان بعد في قلبه شي صغير من مازن القديم، شي ما مات كلَّه.

وربما، من مطرح ما بيعرف، كان يتمنَّى يصادف الحب بالطَّريق.

مش ليحكي معه، ولا ليعاتبه، بس كرمال يشوفه.

فبعض الحب ما بده كلام؛ يكفي إنك تمرّ من بعيد، فيتحرك بالقلب شيء حسبته مات من زمان.

مشى مازن بالدَّرب التُّرابي.

كانت الشَّمس تميل صوب الغياب، والضو الأصفر ينسكب عالأرض مثل سمنة بلدية على صينية سخنة.

كان لهالزَّمن ريحة؛ ريحة التُّراب، ريحة التَّبن، ريحة الزَّعتر البرِّي، ريحة الدَّوالي، وريحة الحطب حين تبدأ أمهات الضَّيعة بتحضير الخبز

وكانت العصافير تزقزق بين الشَّجر، كأنها وحدها ما سمعت بالحرب، ولا بالفقر، ولا بحسابات البشر.

حتى الطَّريق كان يعرفه؛ حجر هون، منعطف هونيك، وشجرة كانت يوما صغيرة، صارت اليوم أكبر من ذاكرتها.

ولمّا وصل إلى **تلة الحصن**، وقف. تطلَّع حواليه

زيتون، تين، لوز، كروم، وأشجار واقفة عالأرض من سنين؛ لا سألت مين راح، ولا مين رجع.

الأرض ما بتسأل أبناءها وين كانوا.

إذا رجعوا، بتفتح إلهم صدرها.

وحسّ مازن إن صدره، لأول مرة من زمان، عم يوسع شوي.

الطَّبيعة استقبلته بلا سؤال؛ لا قالت له وين كنت، ولا سألته ليش رجعت.

كانت الأشجار تعرفه مثل ما هو.

وكأنَّها عم تقول له من غير ما تحكي:

«أهلا برجعتك يا مازن... نحنا ما بدنا منك شي.»

مشي بين الشّجر.
وصار يتفقّدهن وحدة وحدة، مثل واحد راجع عأهله بعد غيبة طويلة.

وقف عند شجرة لوز، تأمّلها وقال:

هيدي لوزة مُرّة، بس كتير بتصحّ بهالمطرح.

مشي شوي، وقف عند زيتونة عتيقة، ومدّ إيده عليها:

وهيدي زيتونة مُرّة، بس نافعة؛ زيتها أسود وقوي... طيَّب مرارها.

وبعدين وقف عند شجرة تين:

وهيدي تينة بياضي، بس ما عم تزبط؛ كل سنة بيأكلها المنّ.

وتطلَّع عالدَّوالي:

وهيدي دوالي عنب زيني، أكلتها الدودة عالزَّهر.

وظل يحكي...

واللي كان يسمعه من بعيد، كان يفكَّر إن مازن عم يحكي مع الشَّجر.

بس اللي كان يعرفه منيح، كان يعرف إنّه مش عم يحكي مع الشَّجر وحده.

كان عم يحكي عن الضَّيعة، عن أهلها، عن حاله، عن سنين مرِّت وما رجعت.

كان يرى في كل شجرة حكاية إنسان؛ شجرة ما زبطت معها الدَّنيا، شجرة أكل المرض عمرها، شجرة انكسر غصنها وبقيت واقفة، وشجرة، رغم مرارتها، ظلَّت تعطي.

مثل النَّاس تماما.

في واحد ما زبطت معه الدنيا، وفي واحد أكل المرض عمره، وفي واحد انكسر بس ظل واقف، وفي واحد ذاق المرار وظل يعطي.

وكان مازن، من حيث لا يدري، واقفا قدَّام الأشجار وعم يشوف حاله.

ولعلّه فهم في تلك اللَّحظة شيئا نسيه الإنسان كثيرا:

مالت الشَّمس، وطال ظلّ الأشجار على الأرض، ومن بعيد بدأت أضواء البيوت تشتعل واحدة وراء الأخرى.

تطلَّع مازن نحو الضَّيعة.

تلك البيوت التي كانت، في زمن مضى، تعرف أخبار بعضها قبل أن يعرفها أصحابها.

إذا مرض واحد، طرق بابه عشرة، وإذا مات واحد، امتلأت السَّاحة برجال الضَّيعة، وإذا فرح واحد، فرحت الحارة كلها.

تنهد مازن. ثم رجع

حين وصل إلى البيت، كانت أمّه ناطرته.

طلعت من الغرفة الغربية، وتطلَّعت بوجهه.

كانت بدها تعرف، بس ما سألت كتير.

قالت:
إن شاء الله غيَّرت جوّ يا مازن؟

رفع راسه.

كان بعيونه كلام كثير؛ كلام عن الضيعة، عن السنين، عن الحب، عن الحرب، عن الغياب، عن الرجعة، وعن نفسه التي ظلّ يبحث عنها طويلا..

لكنه ما قال شيئا من ذلك.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

وقال بصوت هادئ، مثل هسيس الليل بين الدوالي:

— أنا ما غيّرت جوّ...

بس الجوّ هو اللي غيَّرني.

وفي تلك اللَّيلة، نام مازن.

ولأول مرة منذ سنين، لم يكن نومه هروبا من يوم مضى.

كان، ربما، بداية رجعة.

**يتبع...**

"زمان"كان أهلنا يلاعبون أولادهم كثيراًفمثلاً يبسط الطِّفل كفَّيه قتقوم الأمُّبتسمية كل إصبع بأغنية.!!وعند الانتهاء تقوم ...
13/08/2026

"زمان"
كان أهلنا يلاعبون أولادهم كثيراً
فمثلاً يبسط الطِّفل كفَّيه قتقوم الأمُّ
بتسمية كل إصبع بأغنية.!!وعند الانتهاء تقوم بكركرة الطِّفل حتى يضحك.!!

تذكّروا معـــي .... كم ضحكتم ....!! ؟سقى الله.... تلك الأياااام ..!!
ها عمَّك ... بوقاسم .
ها لبَّاسة ... الخواتم .
ها طويلة ... بلا غلّي .
ها لحَّاسة ... السمّنة .
ها فقَّاسة ... القملة .
ها كفّ ... العروس .
ها زند ... السّوارة .
ها كوع .... السلِّي .
ها كتف .... الجرَّة .
وهاااا .... بخواش الفارة ....
كرركررررر ..... هههههههه ....

09/08/2026

**من دفاتر الذَّكريات القديمة في مجدل عنجر**

"تحليل السُّكَّر على الحيط"

يا ليل يا عين...ركَّزوا معي شوي لح نحكيلكم عن أيام راحت وما رجعت، أيام كان القمر شاهد وحيد على سهراتنا،
والضَّحكة ببلاش متل رغيف التَّنور السَّخن بينقسم وبيشبِّع الكل

كنا، والله يذكر هيديك الايَّام بالخير، نلتم لمَّة العزَّ تحت سقف بيت طيني دافي ، والصُّوبيا قاعدة تغنِّي مع الحطب "تك تك"، وابريق الشَّاي المخمَّر عم يدور من إيد لإيد جو خيالي..!!

بليلة من هاللَّيالي المطرَّزة بالونس، كنا سهرانين بضيافة صاحبنا **محمَّد دبُّوس** ببيته العتيق كاسات الشَّاي ترنَّ، والحديث يمشي، واحد يحكي القصَّة والثَّاني يكذبها والثَّالث يحلف انه صارت قدام عيونو ..!!
فجأة..
بينفتح الباب على مصراعيه!

بيدخل علينا صاحبنا **عمر صفير**، بس دخلة واحد طالع من تحت الأنقاض، وجهو مصفرَّ متل اللَّيمون البلدي وماشي مشية واحد مفكفك من التَّعب..!!

أول ما وقعت عين محمددبُّوس عليه، قفز من مكانو قفزة الفارس، وقال

"أهلين وسهلين بعمر! بس شو هالطَّلة؟ من وين طالع، من القبر ولا من الغربال؟"

قعد عمرصفير قعدة المهدود حيله وطلع تنهيدة وقال:

"آه يا دبُّوس، لا تسأل عن حالي، صرلي مدة جسمي مرتخي، ولوني اصفر، وحاسس حالي عم دوب دوبان الشَّمعة. بس عبكره رايح على المختبر بزحلة، أعمل تحاليل واعرف وين الخلل، لانه على الأكيد معي سُكَّري ..!!

هون تدخَّل صاحبنا **أحمد صبحي** وهو عم يفت الورق للشباب ،وقال بصوت الطَّبيب المتمرَّس، وعامل حاله بروفيسور..
"حبيبي عمر لا تروح ولا تجي! دبس رمان عالرَّيق، وبترجع أقوى من فرس عربي أصيل!"

بس صاحبنا **حسين شكري **، اللي ما بيعجبه إلا رأيه، نفض راسه وقال:

"بلا رمان بلا زفت! كل يوم الصَّبح، ملعقة ترمس مطحون عالرَّيق، وبترجع بتركض متل الضَّبع بالبريَّة!"

وهون، محمَّد دبُّوس، نزَّل كاسة الشَّاي بهدوء الحكيم، وشبَّك أصابيعو متل قاضي بمحكمة..
وابتسم ابتسامة الطَّبيب صاحب الاختصاص، وقال
"ليك يا عمر!
احمد صبحي وحسين شكري
بلعب الورق غُشما بدهم يعرفو بالطَّب .!!
شوف يا عمر .
مختبر ووجع راس شو بدك بها الشَّغلة!
لح يدفَّعوك مصاري وبيغرزوك بالإبر وبيكتبولك دوا يفضِّي جيبتك على الفاضي .!
اسمعني منيح: عندي إلك مختبر مجاني، ونتيجته أدق من أي جهاز!"

انتفض عمرصفير بلهفة الملهوف اللي لقى بير ميِّ بالصَّحرا:
"قول يا دبُّوس، الله يريَّح بالك ويطول عمرك!"

قال دبُّوس، وهو عم يحكي بجدَّية العالِم ومرح ابن الضَّيعة..
"اسمع واحفظ! بكرا الصبح، عالرَّيق، قبل ما تحط بحلقك رشفة ميّ أو فتَّة خبز، طلاع عالحاكورة وبتتبول عالحيط العتيق. واصبر ساعة، وراقب شو رح يجيك..

إذا هجمت عليك **الزَّنابير والدَّبابير**... اعرف إنو السُّكر طالع عندك للسما السَّابعة!
وإذا حام حولين البقعة **نمل أسود كبير**... السُّكر عندك نص بنص، ولا خوف ولا هلع!
أما إذا اقترب منك **نمل ناعم صغير**... اطمئن، جسمك سليم متل السَّيف!"

شكره **عمر صفير** من الأعماق، وقال:

"والله فكرة! بكرا من الفجر، بدي بلَّش هالمختبر البلدي!"

تاني يوم، نفَّذ **عمر** الوصية حرفة بحرفة. وبعد ساعة من الانتظار، راح يتفقَّد النَّتيجة... وما حسَّ بحاله إلا **ودبور** هجم عليه وعقصه بنص خدّو!
عمر طار عقله من الوجع وصار يفز طلوع نزول وركض عالبيت وهو يصرخ صراخ اللي شاف الجن ..

"الحقوني !! ياما يابا
قالت امه جيبولي سن ثوم
جارته ام عرفان قالت هاتوا دبس بندورة عالسَّريع!"

وعمر عم يصرخ
وصاروا يفركولو خدَّو بالثَّوم،
ودبس البندورة لحتى خف الوجع ..
وصار البيت عبارة عن مؤتمر طبَّي عالمي، وكل واحد يعطي وصفة طبية..
إلا الخبراء الثَّلاثة احمد صبحي وحسين شكري ودبوس

بالسَّهرة التَّانية، دخل علينا **عمر صفير** وهو عم يضحك ويحكَّ خدَّو المنفوخ، وقال لـدبوس...
"ولك يا دبُّوس! من ساعة ما عقصني الدَّبور... حاسس حالي نشيط متل المهر الجموح..!!
الدَّبور مص كل السُّكر والأمراض يلي بجسمي!"

انتفض محمَّد دبُّوس كالطَّاووس، منتفخ بغروره على إنو فتح عكا بنصيحته الطِّبِّيَّة، وقال بثقة اللي ما بيشك بحاله:
"شو ما يصير معك خي عمر، خبرني عالفور! لان عند صاحبك دبوس الخبر اليقين والدواء المعين .
وبهيديك الايام كل ما واحد يقول بدي اعمل تحليل سكر
بيوصفولوه وصفة المعلم دبوس...حيط الحاكورة ..!!

📜 من دفاتر الذكريات القديمة في مجدل عنجر.. "جنرال الكوع" – مازن عباس(2)عاش "الجنرال مازن عباس" ليلته فوق الفرشة عم يتقلَ...
01/08/2026

📜 من دفاتر الذكريات القديمة في مجدل عنجر..

"جنرال الكوع" – مازن عباس(2)

عاش "الجنرال مازن عباس" ليلته فوق الفرشة عم يتقلَّب متل سمكة طالعة من الميّ، لا قادر ينام ولا قادر يسهر بارتياح....
كلمات أهل الضَّيعة عن بطولاته الوهمية عم بتدور برأسه متل طاحونة ما إلها طاقة توقّف. وفوق هالكل، أهله – مقتنعين إنو رجع من "الفدائية" وجيبته مليانة دولارات وليرات – نزلوا فيه وابل أسئلة نازلة طالعة:
"شو ناوي تعمل بالمصاري يا مازن؟"
"إيمتى بدك تخطب عروس ونشوفك عريس؟"

بس العبارة القاصمة يلي غرزها جاره "احمد صوان" بنص نفوخه: "شفت رفقاتنا بالحارة وين صاروا ونحن وين بعدنا؟"، هيدي وحدها بقيت عم تزنَّ برأسه متل دبَّانة فلتانة ، كل ما سكَّر عينيه ترجع تلسعه من جديد، وكأنها اشتركت بعقد دوام دائم جوَّا مخّه...

ظلّ يتقلَّب من جنب لجنب لحدَّ ما كاد ظهره ينكسر، وكل ما حاول ينام، يحسَّ إنو ذكرى "الفدائية" نزلت وقعدت فوق صدره متل بلاطة ثقيلة ما بدها تتزحزح. هناك بالجنوب، كان هربان من الفقر باتجاه القتال، وهون بالضَّيعة، صار هربان من عيون النَّاس باتجاه الكذب والسُّكوت – فقر بيهرب من فقر، وما في محطة وصول...
وقبل ما يشقشق الضو سمع صوت امو عم تهزُّه برفق:
"قوم ياما.. عمتك وبناتها جايين من الكفير بسوريا ليسلَّموا عليك."
فتح عينيه بتثاقل، وحسَّ إنو النَّوم أصلاً ما مرق من حارتن. تذكَّر ساعتها إنو عندو عمِّة متجوِّزة بالكفير، بس استغرب كيف وصلها خبر عودتو بهالسرعة القياسيَّة! وابتسم بمرارة... بالضَّيعة، خبر "النِّضال" بيسافر أسرع من الضًّو، خصوصاً بس يظنّوا إنو البطل رجع "مقرش"!
فاق وغسَّل بسرعة، ولبس كلابيَّة وتمنطق فيها كإنو رايح لمعركة، لأنو البنطلون العسكري العتيد بعده عند الخيَّاط بغرفة الانعاش عم يترقَّع ويتوصَّل. ودخل غرفة العائلة يلي كانوا فيها الأقارب ناطرينه..
سلَّم على عمتو، فشدِّت على وجهو بتبويس حامي حتَّى حسَّ إنها عم تعضّو مش عم تبوسو!
وبعدين سلَّم بخجل على بناتها التَّلاتة، ووقف لحظة عم يتأمَّل فيهن؛ كان يعرفهن صغار بيلعبوا حفاة بالدَّار وبيكسَّروا الصُّحون، وإذا هلَّق صبايا مكتملات، لابسين الدَّهب والكحل وعم يطلَّوا عليه بنص خجل ونص فضول، متل من بيقيِّم بضاعة بمعرض...
قالت عمتو وهي عم تأشِّر على ابنتها بفخر:
"تذكِّرتها لرندة؟ صارت ممرِّضة قدّ الدُّنيا!"

رجع فيه الزَّمن فجأة لورا... تذكَّر "رندة" طفلة منكوشة الشعر بتيجي هي وأخواتها ويقلبوا البيت رأس عالعقب، وكانت إمّو تقول عنهن: "هالبنات متل السَّعادين... لا شكل ولا قدَّ ولا هيبة!"
بس رندة هلَّق قاعدة قبالو ومزيَّنة أكتر من اللِّزوم، لدرجة إنو المكياج الفاقع مغير كل ملامحها الأصليّة!
وكانت تتعمَّد تحرِّك يديها يمين وشمال ليسمع خشخشة الأساور الدَّهب كلَّ ما حكت، متل مذيعة بتعرض بضاعتها.
هون "الجنرال مازن" لقط المكتوب من عنوانو وفهم اللِّعبة من أوَّل مشهد، والمخطط الهندسي للمشروع
عمتو ما إجاها الشَّوق فجأة للسَّلام عليه، إنما جابت رندة تعرضها عليه، بعد ما شافت فيه صيد ثمين. "الجنرال الكبير" يلي بيهابوه بالضَّيعة، أكيد مبيِّضها ومخبِّي دهبات ودولارات تحت البلاطة! وربما قالت بنفسها: "جنرال، وعازب، وابن العيلة... لقطة ما بتتعوَّض!"
حاولت العمَّة تستدرجو بالكلام وقالت وهي عم تتلمض بكلامها
"شفت كيف صارت رندة يا مازن؟"
رمقها مازن بنظرة خاطفة، وابتلع صدمة خفيفة، وقال بسرعة ليقطع الطَّريق قبل ما توسِّع بالشَّرح:
"الله يخلّيها ويوفِّقها."
فهمت أمّ مازن اللِّعبة من طولها لعرضها، فتدخَّلت بدهاء الأمَّهات الَّتي تعرف متى تسكِّر الباب:
"الله يستر عليها ويجي نصيبها وتفرحي فيها يا أختي."
بس عمَّة مازن ما كانت من النَّوع يلي بيترك الفريسة بهالسُّهولة! اعتدلت بجلستها، وبلَّشت "القواس والاستلاب"، ترمي الكلمات بابتسامة متل المخارز:
"ولو يا عمتي... مش حلوة تطلع بهالكلابيَّة المهتريَّة قدَّام النَّاس! مش شايف حالك كيف طالع متل المنسحب من الحرب العالميَّة؟"
ثمّ طلعت على أمَّ مازن بنص شفقة ونص شماتة:
"بس مش الحقّ عليك... الحقّ على إمَّك اللِّي مش شايفتك! صار بدَّك عروس تهتمَّ فيك، وتدير بالها عليك وعلى رزقاتك... مش متل بعض النَّاس، لا عمَّرت ولا ثمَّرت، من إيدها لحلقها!"
وأخذت تدور بعينيها بالبيت باستخفاف ثقيل:
"يا حسرة على هالدَّار... بعدها على حطَّة إيد إمّي الله يرحمها، ما فيها شي مجدَّد! نحنا بناتنا ستَّات بيوت وبيرموا الورد..."
ثمّ التفتت لمازن مباشرة وقالت:
"بدَّك وحدة متلها... تطالعك من هالوضع اللي إنت فيه، وتحافظ على مصرياتك ورزقك يا عمتي."

حسَّ مازن إنو كلَّ كلمة عم تنقال عم تنزِّل فقراً جديداً فوق فقرو،
حتَّى جدران الأوضة حسَّها عم تخجل من حالها قدَّام حكي عمتو.
رفع رأسو أخيراً، وقال بصوت تعبان ومخنوق:
"عمتي... أنا مش ناوي أتجوَّز هلَّق. الله يستر على بنات النَّاس."
ساد صمت قصير ...
غمزت العمَّة بناتها، ففهموا إنو "الصَّيدة طلعت فاضية" والجنرال طلع مجرَّد واجهة بلا اساسات وإشاعة ببنطلون مزروع بالخيَّاط!
نهضت بسرعة، نفضت ثيابها بعصبيَّة، وقالت بكلمات طالعة من رأس مناخيرها:
"يلَّا يا بنات... الشَّاي عند أهلو، بدنا نلحق نزور خالكم إسماعيل كمان!"
طلع مازن يودِّعهن للشَّارع ليحافظ على المظاهر، وقبل ما تروح عمتو، شدِّتو من ذراعو، قبَّلتو على خدَّو، وهمست بأذنو بخبث :
"ليش بدَّكش تتجوَّز يا مازن... لتكون مش زلمة؟!"

نزلت كلماتها متل القذيفة على رقبتو! بس بقي واقف وتسمَّر بمكانو، عاجز حتَّى عن الرَّدّ...

عاد "جنرال الكوع" إلى الدَّار بوجه مخطوف لونه، وجلس وحدو بالأوضة. نظر لبنطالو القديم المرقَّع، ثمّ ليديه الخشنتين... وحسّ لأوَّل مرَّة إنو الفقر ما بيهزم الزَّلمة مرَّة واحدة بس،
إنما بيهزمو مراراً وتكراراً، ويخلَّيه موضع شفقة وسخرية بين أهلو وناسو.
(يتبع...)

**من دفاتر الذكريات القديمة في مجدل عنجر**"دموع البيادر" – حكاية مروان (3)في تلك الأيَّام، لم تكن اللَّيالي تُحسب بدقَّا...
31/07/2026

**من دفاتر الذكريات القديمة في مجدل عنجر**
"دموع البيادر" – حكاية مروان (3)

في تلك الأيَّام، لم تكن اللَّيالي تُحسب بدقَّات السَّاعة، بل بثقل الهمّ الذي يتمدَّد فوق الصُّدور حتَّى يبتلع النَّجوم واحداً واحداً.

غفت أم مروان أخيراً، لكنَّ الغفوة لم تكن لها؛ كانت هدنةً مؤقَّتة فرضها التَّعب على جسدٍ أنهكته الأيَّام، أمَّا روحها فبقيت معلَّقة في الهواء كخيط دخانٍ لا يستقرّ. ودمعة يتيمة تجمَّدت على حافَّة جفنها، لم تسقط، وكأنَّها ترفض أن تعترف بالهزيمة حتَّى في غيابها عن الوعي.

وفي الطَّرف الآخر من الفراش، كان أبو مروان يتقلَّب بصمت، وأنفاسه ثقيلة كأنَّ صخرة الجرن جلست فوق قفصه الصَّدري ولم تُفكِّر بالنُّهوض.

ولم يمهلهما اللَّيل طويلاً؛ فما إن أطلق الدِّيك صرخته الأولى تمزيقاً لصمت القرية، وقبل أن يجرؤ الفجر على كشف وجهه من خلف جبل المصنع، كانت أم مروان قد نهضت – لا كمن استيقظ، بل كمن لم يغفُ أصلاً.

مدَّت يدها إلى سراج الكاز فأشعلته، فارتعش لهبه الأصفر بين جدران العتمة كأنَّه يعرف مسبقاً حكاية هذا البيت وأثقاله. جلبت طاسة النُّحاس، وذوَّبت فيها فتات الخميرة اليابسة – يابسة تماماً كما جفَّت أيَّامهم من البركة – ثمَّ سكبت الماء رويداً على كومة الطَّحين، وكأنَّها تسقي أرضاً عطشى.

غربلت ثلاث رُبَّابات من الدَّقيق، وسرقت من قعر الكيس حفنتين إضافيَّتين، همستها تتسلَّل مع الغبار المتطاير:

"يا ربّ... خبِّي البركة بين ثنايا هالعجينة."

كانت العزيمة معقودة على فطاير الكشك والزَّعتر، تلك الوصفة التي التصقت بذاكرة مروان منذ كان صبيّاً حافي القدمين، يجري خلف الفراشات بين البيادر والبساتين وكأنَّ الدُّنيا كلَّها ملعبه.

تعرف الأمُّ، بحاسَّتها التي لا تخطئ، أنَّ ابنها رجع من الحقل مثقلاً لا بالحصاد بل بالخيبة، يحمل على كتفيه شمساً لم ترحمه، وفي صدره موسماً أكل الغبار محصوله كلَّه. فتمتمت وحدها:

"إذا الأرض بخلت عليه... يمكن رغيف إيدي يعوِّضه شوي من تعبه."

غاصت يداها في العجين بكلِّ ما تبقَّى فيهما من عزم، عركته وطوته وكوَّرته، ثمَّ دثَّرته بالطراريح واللُّحف القديمة كأنَّها تُنيمه، وتركته يتنفَّس على مهله في دفء الانتظار.

وفي أثناء ذلك، جهَّزت صحون الكشك والزَّعتر والزَّيت، وأخفتهنَّ تحت الغربال هرباً من عيون القطط الجائعة التي تحفظ دروب التَّنور عن ظهر قلب.

ثمَّ توجَّهت إلى أوضة السَّهرة.

نفضت الفرشات من غبار الأمس، رتَّبت المخدَّات، كنست الأرض ومسحتها حتَّى لمعت، وأعادت مجمع الضِّيافة إلى مكانه المعهود تحت الطَّاولة. رصَّت فناجين القهوة بعناية من يزيِّن مذبحاً، لأنَّ الفنجان في تلك الأيَّام لم يكن مجرَّد إناء، بل كان رمزاً لهيبة البيت الذي يصون كلَّ شيءٍ فيه وكأنَّه كنزٌ نادر.

ولمَّا فرغت، أيقظت زوجها بصوتٍ حازم:

"قوم يا رجل... روح هاتلي مغمقانين قصل من بيت القصل، التَّنور بدُّه يشتعل قبل ما تطلع الشَّمس."

نهض أبو مروان يجرُّ خلفه القصل، بينما كانت هي قد بدأت تُشكِّل العجين وتصفُّه فوق السُّدور والصَّواني، وقد اسودَّت أطراف أصابعها من طول ملازمتها للنَّار، حتَّى صارت بشرتها تحكي حكاية كلِّ فلاحٍ لفحته الشَّمس على مرِّ عمره.

حملت أوَّل سدر وقالت لزوجها:

"الحقني بالباقي... ولا تغيب عنِّي، اليوم الشُّغل فوق طاقة الرَّاس."

أشعلت التَّنور، وبدأت تُلصق الأرغفة على جدرانه المتوهِّجة، والنَّار تلسع خدَّيها، لكنَّها – رغم لهيبها – لم تكن أشدّ ضراوة من نار الخوف التي كانت تفترس قلبها كلَّما فكَّرت بابنها.

ولم يكد أبو مروان يعود حاملاً صينيَّة أخرى، حتَّى قال وهو يهزُّ رأسه باستنكار:

"وابنك بعده نايم! هيك لازم يقضيها الفلاح، نوم للضُّحى؟ من وين بدُّه يجي الرِّزق إذا كان بيصحى بعد ما الشَّمس تكون خلصت شغلها؟"

رفعت رأسها بحدَّة، ونظرت إليه نظرة يمتزج فيها العتب بالحنان الجارح، وقالت:

"حلّ عنُّه يا رجل... مبارح رجع مكسور الخاطر، مهدود القوى. بدَّك تزيدلو كسر على كسر؟"

هزَّ كتفيه دون اقتناع، وراح يتفحَّص الأرغفة قائلاً:

"الرَّغيف مكتوب عليه حروف... بدُّه شويَّة تعديل بالنَّار."

ردَّت وهي تقلب الرَّغيف بحركة سريعة:

"إيه... وإنت خبير بالحكي مش أكتر! روح اقعد بأوضة السَّهرة، واشرب فنجان قهوة، وخلِّي التَّنور لأصحابه."

ابتسم أبو مروان ابتسامة عابرة، لكنَّه لم يقاوم إغراء تناول رغيف طازج وقال:

"العجين بعده شقي شويّ... لو صبرتي عليه أكتر كان طلع حرير بحرير."

تنهَّدت من الأعماق وقالت:

"الله يرزقنا طولة بال... صار الصَّبر أطول من عمر الإنسان نفسه."

ثمَّ أشارت نحو الباب وأضافت:

"روح جيب باقي العجين... وبلا نقد كلّ دقيقتين، اليوم القلب مليان هموم مش ناقصه المزيد."

وقبل أن يبتعد، التفت إليها ممازحاً:

"ولا رغيف طالع متل التَّاني... الله يرحم أمِّي، كانت خبزاتها تطلع مرسومة وكأنَّ يد فنَّان لمستها بالزِّئبق!"

ابتسمت رغم مرارة قلبها وقالت:

"الله يرحمها... لو كانت لسا بيننا، كانت ريحة بيتنا كلَّها من حكيك وحكيها."

ثمَّ قال وهو يخطو نحو الخارج:

"بدِّي روح فيق مروان... أكيد الجيران رح يمرُّوا يسلِّموا عليه، وما بيليق يلاقوه غافياً وكأنَّ شيئاً لم يكن."

*(يتبع...)*
**أ. محمد حمود**

Address

الثانوية الرسمية
Beirut

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when اللَّجنة التَّربويَّة - بلدِيَّة مجدلِ عنجر - نافِذتُنا إِلى الوطنِ والمهجر posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category