03/09/2026
بعد كل خمس سنوات، يعود إلينا هؤلاء السياسيون بخطاباتهم المثالية والبعيدة عن الموضوعية؛ خطابات لا تبتغي سوى تجيش أكبر عدد من المواطنين واقتياد أصواتهم لضمان مقاعد مريحة لممثلي هذه الأحزاب.
يعودون إلى مناصبهم الإدارية في المركزية، وإلى مكاتبهم المكيفة وسيارتهم الحكومية الممولة من جيب دافعي الضرائب، وإلى سفرياتهم الخارجية التي تُغلف بشعار "المصلحة العامة"، بينما هي في جوهرها رحلات شخصية وعائلية على حساب الشعب المقهور؛ ذلك الشعب الذي يكابد داخل المصانع والمعامل والشركات بحثاً عن لقمة العيش بفتات الأجور.
وها هو اليوم ممثل حزب "التقدم والاشتراكية" يطل علينا بكل ثقة، ليعلن عن حزمة من الوعود الانتخابية التي تشمل الصحة، والتشغيل، والدعم الاجتماعي، مدعياً أنها ستعالج كافة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها المغرب. لقد تحول هذا الحزب – تاريخياً – من تنظيم يساري يناضل من أجل الجماهير والطبقة العاملة، إلى حزب إداري يبحث عن التحالفات مع قوى البورجوازية والبيروقراطية لضمان مصالح نخبته والحفاظ على الحقائب الوزارية. ورغم مشاركته المتواصلة في التشكيلات الحكومية التعاقبية منذ سنة 1998، إلا أن الوضع القائم لم يتغير في عمقه.
إن الطرح الناقص لهذه الوعود يطرح أسئلة جوهرية: هل يُعقل أن إحداث 15 ألف منصب للممرضين كفيل بإصلاح التدهور البنيوي لقطاع الصحة العمومية الذي أُنهك بالخصخصة والإهمال؟ وهل يخرج تخصيص 1000 درهم للأسر المعوزة الفقراء من براثن الفقر المدقع، أم أنه مجرد "تكفيض اجتماعي" يكرس الاتكالية بدل بناء اقتصاد وطني منتج؟ أما الوعد بتقديم 7500 درهم للعاطلين عن العمل، فإنه يمثل إحدى أكبر المغالطات والوعود الشعبوية التي يطلقها سياسي في حملته الانتخابية.
يدعي الحزب وضع دعم الفئات الأكثر هشاشة في صدارة أولوياته، لكن أين هو البرنامج السياسي والاقتصادي المتكامل للتمويل؟ ومن أين ستُعبأ هذه الموارد المالية؟ هل سيُعاد سيناريو التجميع الرأسمالي الذي نهجته الحكومات المتعاقبة عبر رفع الدعم، وتحرير الأسعار، وفتح الباب أمام تسلط الشركات واحتكارات السوق على حساب الفئات الشعبيّة؟
لقد تحول المعطل في السوق السياسية الراهنة إلى بضاعة للمتاجرة والتسويق الانتخابي، وأصبح المواطن البسيط مجرد قربان يُضحى به عند كل استحقاق، دون إحداث تغيير حقيقي في علاقات الإنتاج أو توزيع الثروة.