منتدى القومين العرب / فلسطين

منتدى القومين العرب / فلسطين منتدى القوميين العرب مستقل

02/09/2026

حين تصبح الوطنية سلّمًا للمناصب… يصبح قول الحق جريمة في عيون المتسلقين
في زمن اختلطت فيه أحيانًا معايير الخدمة العامة بمعايير الوجاهة، وأصبح بعضهم يقيس حجم الوطنية بعدد الصور مع المسؤولين أو كثرة الزيارات والمجاملات، تظل هناك قاعدة أخلاقية لا ينبغي أن تسقط من حسابات العمل العام: الوطن أكبر من المنصب، والكرامة أكبر من المكسب، والقانون فوق الأشخاص جميعًا.
لم نقبل المناصب، وتعففنا عنها، لا لأننا نرفض المسؤولية أو نهرب منها، وإنما لأن لدينا قناعة راسخة بأن خدمة الوطن لا تحتاج بالضرورة إلى كرسي، وأن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى ختم رسمي أو موقع إداري حتى يصبح صادقًا.
لسنا ممن يتسلقون حبال الوطنية للوصول إلى غاية شخصية، ولا ممن يجعلون من التقرب إلى أصحاب القرار وسيلة لبناء النفوذ أو صناعة الوجاهة. فالكلمة الصادقة، في نظرنا، أثمن من موقع مؤقت، والموقف المبدئي أبقى من أي امتياز يمكن أن تمنحه سلطة أو وظيفة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل العام ليس الاختلاف في الرأي، بل أن تتحول الوطنية إلى سلعة، والعلاقات العامة إلى وسيلة نفوذ، والعمل التطوعي إلى بوابة للمصالح. عندها يفقد العمل العام جوهره، ويصبح معيار القرب أهم من معيار الكفاءة، ومعيار التصفيق أهم من معيار الإنجاز.
ومن هنا، فإن توثيق تاريخ طولكرم وذاكرتها ورجالاتها وأحيائها ومعالمها لم يكن بالنسبة لنا مشروعًا للبحث عن تكريم أو منفعة أو كلمة شكر من أحد. إنه واجب تجاه مدينة تستحق أن تحفظ ذاكرتها، وتجاه أجيال قادمة من حقها أن تعرف تاريخ مدينتها كما كان، لا كما قد يرغب البعض في أن يكون.
نحن نؤمن بأن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ ولذلك لم نمد أيدينا طلبًا لمنصب، ولم نقف على أبواب مسؤول بحثًا عن امتياز، ولم نجعل من علاقتنا بالمسؤولين معيارًا لقيمتنا أو وزننا في المجتمع.
وفي المقابل، فإن احترام المسؤول لا يعني الصمت أمام الخطأ، والاختلاف مع قرار أو موقف لا يعني الخصومة مع صاحبه. الدولة والمؤسسات لا تُبنى بالمجاملة، وإنما باحترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء.
ولهذا لم ولن نقبل بالضيم، لكن رفض الضيم عندنا لا يعني الفوضى، ولا التشهير، ولا إطلاق الاتهامات جزافًا؛ بل يعني الاحتكام إلى القانون، واللجوء إلى المؤسسات المختصة، وطرح الوقائع بموضوعية، والدفاع عن الحقوق بالوسائل المشروعة.
وسنبقى نرفض أي اعتداء على الحقوق أو الحريات أو الحرمات التي يحميها القانون، أياً كان مصدره، لأن القاعدة التي نتمسك بها بسيطة وواضحة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يملك احتكار الوطنية، ولا يجوز أن تتحول السلطة أو النفوذ إلى حصانة أخلاقية أو اجتماعية من النقد والمساءلة المشروعة.
قد تختلف الوجوه، وتتبدل المواقع، وتنتهي المناصب، لكن يبقى الوطن. وقد يعلو صوت المجاملة فترة، لكن الحقيقة لا تموت، والتاريخ لا يحتفظ طويلًا بمن صفقوا، بل بمن تركوا أثرًا نافعًا.
ولذلك نقولها بلا مواربة: لسنا بحاجة إلى منصب كي نثبت انتماءنا، ولا إلى قرب من مسؤول كي نثبت حضورنا، ولا إلى مكافأة كي نواصل ما نؤمن به.
فمن أراد خدمة طولكرم فليخدمها، ومن أراد حماية ذاكرتها فليوثقها، ومن أراد الدفاع عن حقوق أهلها فليحتكم إلى القانون.
أما الوطنية التي تُستخدم سلّمًا للصعود، ثم تُنسى عند أول امتحان للمصلحة، فليست وطنية؛ إنها مجرد واجهة مؤقتة تسقط عندما ينتهي الهدف الذي صنعت من أجله.
الوطن أكبر من المناصب، وطولكرم أكبر من الأشخاص، والقانون أكبر من الجميع.
المحامي علي أبو حبلة

الأردن ظهير الانتخابات الفلسطينية.. لا وصاية على صندوق الاقتراعبقلم: المحامي علي أبو حبلةلم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: ...
02/09/2026

الأردن ظهير الانتخابات الفلسطينية.. لا وصاية على صندوق الاقتراع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: هل ستُجرى الانتخابات التشريعية؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستنجح القوى السياسية الفلسطينية في حماية الانتخابات من التدخلات والضغوط، وتحويلها من استحقاق شكلي إلى مدخل حقيقي لتجديد الشرعية؟
في هذا السياق، يكتسب لقاء رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمدالله مع سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى دولة فلسطين السيد عصام البدور أهمية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فاللقاء، وما تضمنه من اطلاع الجانب الأردني على استعدادات اللجنة لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، يحمل رسالة سياسية واضحة: هناك استحقاق انتخابي ينبغي أن يحظى بالدعم والحماية، لا بالتعطيل والمساومات.
والأردن، بما يمثله من ثقل عربي وتاريخي وجغرافي، يستطيع أن يكون ظهيراً سياسياً للانتخابات الفلسطينية، لا طرفاً في نتائجها ولا وصياً على خيارات الناخب الفلسطيني. وهذه نقطة جوهرية؛ فالدعم الأردني الحقيقي لا يكون بفرض الأسماء أو القوائم، وإنما بتوفير المناخ العربي الذي يحمي حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية.
لقد أثبت الأردن عبر مواقفه التاريخية أن القضية الفلسطينية ليست ورقة للمزايدة، وإنما قضية أمن واستقرار وحقوق وكرامة عربية. ولذلك فإن دعمه للمسار الانتخابي الفلسطيني يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تثبيت الاستحقاق الديمقراطي، خصوصاً في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل محاولات مستمرة لإبقاء المشهد الفلسطيني أسير الانقسام والتجاذبات.
لكن الدعم السياسي الخارجي، مهما كان صادقاً، لا يكفي. المعركة الحقيقية تبدأ من داخل البيت الفلسطيني.
وهنا تحديداً تتقدم لجنة الانتخابات المركزية إلى الواجهة. فهذه المؤسسة ليست مجرد جهاز إداري لتنظيم الاقتراع، وإنما تمثل إحدى أهم حلقات حماية الشرعية الديمقراطية. وكلما التزمت اللجنة بالحياد والاستقلال والمهنية وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، ازدادت قدرة الانتخابات على إنتاج شرعية تحظى بثقة المواطن والمجتمع الدولي معاً.
ولهذا فإن الإعلان عن استمرار اللجنة في العمل وفق الجدول الزمني المعتمد وبكل مسؤولية ومهنية يجب ألا يُقرأ باعتباره خبراً إدارياً عابراً. إنه إعلان بأن العملية الانتخابية ينبغي أن تُدار بالقانون لا بالأهواء، وبالإجراءات لا بالتفاهمات السرية، وبصوت الناخب لا بمنطق النفوذ.
وهنا تكمن حساسية المرحلة.
فالانتخابات التي تُدار وفق قواعد واضحة وشفافة تستطيع أن تجدد المؤسسات. أما الانتخابات التي تُحاصرها التدخلات أو تُفرغها الصفقات السياسية من مضمونها، فإنها قد تتحول إلى مجرد إعادة تدوير للأزمة.
ومن حق الأردن أن يدعم الانتخابات، ومن واجب الفلسطينيين أن يحموها. ومن حق المواطن أن يعرف أن صوته لن يكون مجرد رقم في سجل انتخابي، بل إرادة سياسية لها وزنها واحترامها.
والدور الأردني لا يتوقف عند السياسة. فالإشادة بالمستشفى الميداني الأردني في نابلس، وما يقدمه من خدمات طبية، تعكس وجهاً آخر للعلاقة بين الشعبين؛ علاقة تتحول فيها المواقف إلى فعل إنساني ملموس، ويصبح التضامن العربي خدمة تقدم للمواطن الفلسطيني في حياته اليومية.
لكن الرسالة الأهم تبقى فلسطينية: لا ديمقراطية حقيقية من دون انتخابات نزيهة، ولا انتخابات نزيهة من دون لجنة مستقلة، ولا شرعية مستدامة من دون احترام إرادة الناخب.
أما الأردن، فدوره أن يبقى ظهيراً لا وصياً، شريكاً داعماً لا طرفاً مقرراً، وسنداً للاستقرار الفلسطيني لا لاعباً في تفاصيله.
إن حماية الانتخابات الفلسطينية ليست مهمة لجنة الانتخابات وحدها، ولا مسؤولية الفصائل وحدها، ولا امتيازاً للدبلوماسية العربية. إنها مسؤولية وطنية جماعية.
وفي النهاية، قد تتغير الحكومات والائتلافات والبرامج، لكن صندوق الاقتراع يجب أن يبقى أقوى من كل النفوذ، وأعلى من كل التسويات، وأصدق تعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني.

امشِ عدلًا… فالمطبلون لا يصنعون الحقيقة!بقلم: المحامي علي أبوحبلةفي زمن اختلطت فيه الوجاهة بالإنجاز، والعلاقات العامة با...
02/09/2026

امشِ عدلًا… فالمطبلون لا يصنعون الحقيقة!
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في زمن اختلطت فيه الوجاهة بالإنجاز، والعلاقات العامة بالولاء، والظهور الإعلامي بالحضور الحقيقي، تبدو الحكمة الشعبية «امشِ عدل يحتار عدوك فيك» أكثر راهنية من أي وقت مضى.
المشكلة ليست في أن يملك الإنسان علاقات واسعة، ولا في أن يحظى بالاحترام أو التقدير، فذلك حق مشروع لكل إنسان. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقات إلى أداة لصناعة النفوذ، والزيارات إلى وسيلة لشراء القرب، والمديح إلى عملة متداولة، والإعلام إلى منصة لتلميع الصورة بدلاً من مساءلة الأداء.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام إنجاز حقيقي، أم أمام صناعة متقنة للوجاهة؟
لقد ظهرت في مجتمعاتنا ظاهرة يمكن تسميتها بـ«ثقافة التطبيل»: مجموعة من الأشخاص يحيطون بالمسؤول أو صاحب النفوذ، يصفقون لكل خطوة، ويبررون كل خطأ، ويحولون النقد إلى خصومة، والملاحظة إلى إساءة، والمساءلة إلى مؤامرة.
وهذه الثقافة ليست خطرة لأنها تكثر من المديح فحسب، بل لأنها تحجب الحقيقة عن صاحب القرار نفسه. فمن يعيش محاطاً بمن يقولون له دائماً «أحسنت»، قد لا يسمع صوت المواطن الذي يقول: «هناك خلل يحتاج إلى إصلاح».
أما الإعلام، فوظيفته ليست صناعة الأصنام ولا توزيع شهادات حسن السيرة والسلوك. الإعلام المهني يضيء مناطق النجاح، لكنه يضع الضوء أيضاً على مواطن الخلل. والمديح حق، كما أن النقد حق، بشرط أن يكون كلاهما قائماً على الوقائع لا على المصالح.
والأخطر أن تتحول العلاقات الشخصية إلى معيار للتقدم، بينما تتراجع الكفاءة والاستحقاق. عندها لا يعود السؤال: ماذا قدمت؟ بل يصبح: من تعرف؟ ومن يستطيع أن يفتح لك الباب؟
وهذه معادلة خطيرة على أي مؤسسة، لأنها تقتل مبدأ تكافؤ الفرص، وتخلق شعوراً بالإحباط لدى أصحاب الكفاءة الذين لا يجيدون لعبة المجاملات.
لكن علينا أن نكون دقيقين: ليس كل تواصل نفوذاً، وليس كل زيارة مصلحة، وليس كل مديح تملقاً، وليس كل ظهور إعلامي دعاية. الحكم يجب أن يكون على السلوك المتكرر والنتائج والوقائع، لا على الانطباعات أو النوايا المفترضة.
وهنا تعود الحكمة إلى أصلها: «امشِ عدل».
امشِ عدل، فلا تجعل علاقتك بالناس بديلاً عن القانون.
امشِ عدل، فلا تجعل المنصب سبباً لإقصاء الآخرين.
امشِ عدل، ولا تجعل الإعلام ستاراً يخفي التقصير.
امشِ عدل، ولا تدخل في لعبة التشويه المتبادل.
امشِ عدل، لأن أقوى حماية للإنسان العام ليست كثرة المدافعين عنه، وإنما سجلّه المهني والأخلاقي.
وفي المقابل، فإن أصحاب النفوس المريضة والحاقدين قد يحاولون استثمار الخلافات، أو اجتزاء التصريحات، أو تضخيم الأخطاء، أو نسج روايات تسيء إلى أصحاب القيم والمبادئ. وقد تنجح بعض تلك المحاولات في إحداث ضجيج مؤقت، لكنها لا تستطيع أن تهزم الحقيقة إذا كانت مدعومة بالوقائع.
فالكذب يحتاج دائماً إلى رواية جديدة تحمي الرواية السابقة، بينما الحقيقة لا تحتاج إلا إلى أن تبقى حقيقة.
والشريف قد يخسر معركة إعلامية عابرة، لكنه لا يخسر بالضرورة معركة الزمن.
وهنا تكمن المفارقة: من يراهن على العلاقات وحدها يحتاج إلى جمهور دائم، ومن يراهن على الحقيقة يحتاج فقط إلى سجل نظيف.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل العام هو أن يصبح الوصول إلى المسؤول أهم من الوصول إلى الحقيقة، وأن تصبح الصورة أهم من الإنجاز، وأن يتحول التصفيق إلى معيار للنجاح.
المطلوب ليس محاربة العلاقات ولا إلغاء العلاقات العامة، وإنما وضعها في إطارها الطبيعي: خدمة الناس لا صناعة النفوذ، التواصل لا التبعية، الإعلام لا التلميع، والاحترام لا التملق.
أما من اختار طريق الاستقامة، فلا يخشى كثرة المتربصين؛ لأن الحاقد يستطيع أن ينسج حبكة، لكنه لا يستطيع أن ينسج تاريخاً كاملاً من الأكاذيب. يستطيع أن يطلق اتهاماً، لكنه لا يستطيع أن يصنع دليلاً من العدم. يستطيع أن يشوه صورة للحظة، لكنه لا يستطيع أن يمحو سنوات من السلوك المعروف والإنجاز المشهود.
لذلك، فإن الرسالة الأهم ليست للخصوم وحدهم، بل لكل من يعمل في الشأن العام:
لا تشترِ النفوذ… ابنِ الثقة.
لا تبحث عن المطبلين… ابحث عن الناصحين.
لا تخشَ النقد… اخشَ أن تصبح محاطاً بمن يمنعونك من سماعه.
ولا تصنع وجاهتك بالصورة… اصنعها بالإنجاز.
ففي نهاية المطاف، تسقط الأقنعة، وتنتهي حفلات التصفيق، وتتغير المواقع، ويغادر أصحاب المناصب مقاعدهم، ويبقى السؤال الأصعب:
ماذا تركت وراءك؟
وعندها فقط يتضح معنى المثل:
امشِ عدلًا… يحتار عدوك فيك؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى مطبلين، والشرف لا يحتاج إلى حملة علاقات عامة، وصاحب المبدأ لا يخاف من ميزان الزمن.

02/09/2026

الضفة الغربية.. هل يُدفع الغضب الفلسطيني نحو انفجار أمني؟

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

الضفة الغربية لا تعيش انتفاضة، لكنها بالتأكيد لا تعيش استقرارًا. وبين هدوء الشارع وتراكم الغضب، تتشكل معادلة شديدة الخطورة، خصوصًا في ظل التحذيرات الإسرائيلية من احتمال انفجار الأوضاع، والتحذيرات الفلسطينية من استهداف رجال الأمن والأجهزة الأمنية، بما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية وسياسية يصعب احتواؤها.

التقارير الإسرائيلية الأخيرة تتحدث عن مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من تحول حدث دموي كبير، ولا سيما إذا ارتبط بعنف المستوطنين، إلى شرارة تشعل موجة أوسع من المواجهات. كما جرى تداول تحذيرات من سيناريو أكثر تطرفًا يتمثل في انتقال أفراد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مواجهة إسرائيلية مباشرة.

لكن السؤال الأهم ليس: هل ستندلع انتفاضة؟ بل: ما الذي يجعل الضفة قابلة للاشتعال رغم غياب مؤشرات واضحة على انتفاضة شعبية شاملة؟

الإجابة تبدأ من الواقع اليومي للفلسطينيين. عنف المستوطنين، الاقتحامات والاعتقالات، مصادرة الأراضي، الحواجز والبوابات، تراجع فرص العمل، الأزمة المالية للسلطة، وتآكل القدرة الاقتصادية للمواطن، كلها عوامل تنتج غضبًا متراكمًا. غير أن الغضب وحده لا يصنع انتفاضة؛ فالانتفاضة تحتاج إلى قيادة وتنظيم وقدرة على التعبئة، وهي عناصر تعرضت خلال السنوات الماضية إلى إضعاف شديد.

وهنا تظهر المفارقة: المجتمع الفلسطيني غاضب، لكنه مرهق؛ رافض، لكنه خائف؛ ويريد التغيير، لكنه لا يرى بوضوح طريقًا آمنًا للوصول إليه.

وتظل غزة حاضرة بقوة في الحسابات الفلسطينية. فالدمار الهائل الذي شهده القطاع جعل كثيرين يدركون أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفته كارثية على المجتمع الفلسطيني. ولذلك أصبح الخوف من تكرار تجربة غزة عاملًا من عوامل كبح الانفجار، لا دليلًا على الرضا بالواقع.

لكن هذا الهدوء ليس ضمانة دائمة.

الأخطر في المشهد الراهن هو ما يتعلق بالأجهزة الأمنية الفلسطينية. فرجل الأمن ليس منفصلًا عن المجتمع؛ هو ابن المدينة والقرية والمخيم، ويعيش الأزمة الاقتصادية نفسها، ويواجه الضغوط الاجتماعية ذاتها. واستهدافه، إن وقع، لن يكون مجرد حادث أمني، بل قد يتحول إلى عامل نفسي واجتماعي يضرب الثقة ويعيد ترتيب الحسابات.

وهنا يجب التعامل مع التحذيرات الفلسطينية بحذر ومسؤولية. فليس من الممكن الجزم بوجود مخطط إسرائيلي لاستهداف رجال الأمن من دون أدلة قاطعة، لكن مجرد تداول هذا السيناريو يكشف عمق المخاوف الفلسطينية من أن يؤدي انهيار الأمن أو ضرب المؤسسة الأمنية إلى خلق فراغ تستفيد منه إسرائيل لتوسيع تدخلها وسيطرتها.

كما أن تحويل احتمال أمني إلى حقيقة سياسية مسبقة قد يصبح خطرًا بحد ذاته. فإذا فُرضت إجراءات أكثر قسوة بحجة منع الانفجار، فقد تتضاعف أسباب الاحتقان، ويتحول التحذير من الانفجار إلى أحد مسبباته.

إن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يعني بالضرورة إضعاف الاحتلال، بل قد يؤدي إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني نفسه، وفتح الباب أمام الفوضى والانفلات الأمني، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية تحت عنوان "الضرورة الأمنية".

لذلك فإن المطلوب فلسطينيًا ليس فقط ضبط الشارع، بل استعادة الثقة، وإعادة بناء الحياة السياسية على أساس المشاركة والمساءلة وسيادة القانون، وتوفير شبكة أمان اقتصادية واجتماعية.

أما المطلوب دوليًا، فهو الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، والضغط لوقف الاستيطان وعنف المستوطنين والاعتداءات، وفتح أفق سياسي حقيقي ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

فالضفة الغربية اليوم ليست أمام انتفاضة مؤكدة، لكنها أمام هدوء هش. وإذا استمر الاحتلال والاستيطان والتدهور الاقتصادي وانسداد الأفق السياسي، فإن السؤال لن يبقى: هل ستنفجر الضفة؟

بل: متى يصبح الغضب أكبر من قدرة الخوف على احتوائه؟

كرميون من بلدي:★★★★★★★(((((((((مروان الدحلة))))))))).. سيرة مهندس فلسطيني جمع بين العلم والريادة والعطاء._______________...
02/09/2026

كرميون من بلدي:
★★★★★★★
(((((((((مروان الدحلة))))))))).. سيرة مهندس فلسطيني جمع بين العلم والريادة والعطاء.
_______________________
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري.
______________________
في سجل الشخصيات الفلسطينية التي تركت أثرًا يتجاوز حدود المهنة والموقع الاجتماعي، تبرز سيرة المهندس المرحوم مروان عبد الكريم الدحلة بوصفها نموذجًا لمسيرة جمعت بين العلم والعمل، وبين الريادة الاقتصادية والانتماء الوطني، وبين النجاح المهني وروح المسؤولية الاجتماعية.
رحل المهندس مروان الدحلة، تاركًا وراءه سيرة مهنية وإنسانية تستحق التوثيق واستعادة محطاتها، ليس باعتبارها قصة نجاح فردية فحسب، وإنما باعتبارها تجربة فلسطينية تعكس قدرة الإنسان على تحويل العلم إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والنجاح إلى مسؤولية تجاه المجتمع.
من طولكرم بدأت الحكاية:
____________________
ينحدر المهندس مروان عبد الكريم الدحلة من مدينة طولكرم، المدينة التي ظلت حاضرة في وجدانه ومسيرته، رغم اتساع نطاق نشاطه المهني والاقتصادي خارج فلسطين.
وفي بيئة فلسطينية عرفت بقيمة التعليم والعمل والاعتماد على الذات، تشكلت شخصيته في سنواته الأولى، واكتسب من محيطه الاجتماعي قيم الانضباط والمثابرة والاعتماد على العلم طريقًا لبناء المستقبل.
وتشير السيرة المتداولة عنه إلى أنه بدأ حياته المهنية في ميدان التربية والتعليم، حيث عمل مدرسًا في مدرسة الفاضلية، في مرحلة مبكرة من حياته، قبل أن ينتقل إلى دراسة الهندسة ويفتح لنفسه مسارًا جديدًا في الحياة المهنية.
وكانت تجربة التعليم محطة مهمة في تكوين شخصيته، إذ أتاحت له الاحتكاك المباشر بالأجيال الشابة، ورسخت لديه قيمة المعرفة والانضباط والمسؤولية، وهي قيم رافقته لاحقًا في حياته العملية.
من التعليم إلى الهندسة:
______________________
شكّل انتقاله إلى مجال الهندسة نقطة تحول رئيسية في مسيرته. فقد انتقل من ميدان التعليم إلى مجال يقوم على المعرفة العلمية والتخطيط والدقة والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
ولم تكن الهندسة بالنسبة إليه مجرد تخصص أكاديمي، بل أصبحت أداة لبناء تجربة عملية واقتصادية، مكّنته من الجمع بين المعرفة الفنية والإدارة والرؤية الاستثمارية.
ومع تراكم الخبرة، اتسعت دائرة اهتماماته ونشاطه، وأصبح أكثر حضورًا في عالم الأعمال، مستفيدًا من خلفيته الهندسية في فهم المشاريع وإدارتها، ومن قدرته على بناء علاقات مهنية تقوم على الثقة والالتزام.
الريادة الاقتصادية ومسؤولية النجاح:
_______________________
لم يكن نجاح المهندس مروان الدحلة وليد مرحلة واحدة أو فرصة عابرة، بل جاء نتيجة مسار طويل من العمل والمثابرة وتطوير الخبرة.
وقد ارتبط اسمه بنشاط اقتصادي واستثماري تجاوز الإطار المحلي، وأصبح جزءًا من تجربة رجال أعمال فلسطينيين استطاعوا بناء حضور لهم في البيئة الاقتصادية العربية.
وتكشف المصادر المنشورة عن ارتباط اسمه بالقطاع الاقتصادي والاستثماري في الأردن، كما يرد اسمه ضمن سجلات منشورة تتعلق بمجالس إدارة وشخصيات اقتصادية، وهو ما يعكس اتساع نطاق حضوره المهني والإداري.
لكن القيمة الأهم في تجربته لا تكمن في الجانب الاقتصادي وحده، وإنما في الطريقة التي نظر بها إلى النجاح باعتباره مسؤولية، وليس مجرد تراكم مادي أو موقع اجتماعي.
العطاء بعيدًا عن الأضواء
في الجانب الإنساني من سيرته، تبرز الأعمال الخيرية التي ارتبطت باسمه، والتي قيل إنها اتسمت بالهدوء والابتعاد عن الاستعراض.
ومن أبرز ما يُنسب إلى مسيرته في هذا المجال التبرع بقطعة أرض في مدينة طولكرم لإقامة مسجد الروضة، بما جعل من هذا العمل صورة من صور العطاء المستمر وخدمة المجتمع.
كما ارتبط اسمه، وفق ما ترويه السيرة العائلية والاجتماعية، بمساعدة الأسر المحتاجة ودعم بعض الجمعيات والمبادرات الإنسانية والتعليمية، وتقديم العون لمن يحتاج إليه بعيدًا عن الأضواء.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات شخصيته؛ فالعطاء في مفهومه لم يكن وسيلة للشهرة، وإنما مسؤولية اجتماعية وواجبًا إنسانيًا.
فلسطين وطولكرم في الوجدان
على الرغم من اتساع دائرة نشاطه المهني، بقي ارتباط المهندس مروان الدحلة بفلسطين وطولكرم حاضرًا في مسيرته.
فالمغترب الفلسطيني، مهما ابتعدت به المسافات، يبقى في كثير من الأحيان مرتبطًا بجذوره الأولى، ويجد في دعم مجتمعه وبلده صورة من صور الوفاء للمكان الذي انطلق منه.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة الدحلة باعتبارها نموذجًا لرجل أعمال فلسطيني لم يفصل بين النجاح الاقتصادي والانتماء الوطني، بل رأى في العمل والإنتاج والعطاء وسائل للمساهمة في صمود المجتمع وتطوره.
الإنسان قبل الموقع:
_______________
ولعل أكثر ما بقي في ذاكرة من عرفوا المهندس مروان الدحلة ليس فقط ما حققه في مجال الأعمال، وإنما صفاته الشخصية التي رافقت مسيرته.
فقد عُرف، بحسب الشهادات المتداولة عنه، بالتواضع والهدوء والحكمة، وبالقدرة على بناء علاقات إنسانية ومهنية قائمة على الاحترام.
وكان الجمع بين الطموح والتواضع، وبين النجاح والمسؤولية، من أبرز ملامح شخصيته؛ وهي معادلة ليست سهلة في عالم الأعمال، لكنها تمنح صاحبها مكانة تتجاوز حدود الموقع أو الثروة أو النفوذ.
إرث يتجاوز الأرقام:
_______________
إن قيمة سيرة المهندس مروان عبد الكريم الدحلة لا تقاس فقط بالمشاريع التي شارك فيها أو المواقع التي شغلها، وإنما بما تركه من أثر في نفوس من عرفوه، وبما ارتبط باسمه من أعمال ومواقف ومبادرات.
وفي 17 أيار/مايو 2008، نُعي المهندس مروان عبد الكريم الدحلة في الأردن، وأشير في النعي المنشور إلى أنه شقيق رجل الأعمال المهندس خالد الدحلة، وإلى أبنائه وأسرته، وهو ما يؤكد تاريخ رحيله وتلك المحطة المفصلية في حياته.
وبعد سنوات من رحيله، تبقى سيرته جديرة بالتوثيق، لأن المجتمعات لا تحفظ أسماء أبنائها بما تركوه من أموال فقط، وإنما بما تركوه من أثر.
خاتمة:
_______
رحم الله المهندس المرحوم مروان عبد الكريم الدحلة؛ فقد كانت حياته، كما ترويها سيرته ومن عرفوه، رحلة بدأت من التعليم، ومرت بالهندسة، واتسعت إلى عالم الأعمال، لكنها لم تفقد صلتها بالإنسان والوطن والمجتمع.
إن توثيق سيرته ليس مجرد استعادة لذكرى شخصية فلسطينية رحلت، وإنما هو حفظ لنموذج من نماذج العصامية الفلسطينية؛ نموذج الإنسان الذي آمن بالعلم والعمل، ونجح في بناء مسيرته، وظل يرى في النجاح مسؤولية، وفي العطاء قيمة، وفي الانتماء إلى الوطن وفاءً لا تحدّه المسافات.
وسيظل أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو الأثر الطيب؛ وما يبقى في ذاكرة الناس من مواقف الخير والعطاء، وما يستمر من أعمال ينتفع بها الآخرون.
رحم الله المهندس مروان عبد الكريم الدحلة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

شمس الحقيقة وغربال الوهمالإعلام والسياسة والفساد في معركة تشكيل الوعي العامالمحامي علي أبوحبلة «الشمس لا تُغطّى بغربال»....
02/09/2026

شمس الحقيقة وغربال الوهم

الإعلام والسياسة والفساد في معركة تشكيل الوعي العام
المحامي علي أبوحبلة
«الشمس لا تُغطّى بغربال».. مثلٌ شعبي اختصر واحدة من أعمق معارك الإنسان مع الحقيقة. فالحقيقة قد تُحاصر أو تُشوَّه أو تُؤجَّل، لكن الواقع لا يتغير بمجرد تغيير الرواية عنه. وهي لا تحتاج إلى جهد دائم لحمايتها، بخلاف الوهم الذي يحتاج إلى التبرير المستمر وإنتاج روايات جديدة لسد تناقضاته. وكلما تراكمت الوقائع والأدلة، أصبح من الصعب على أي غربال، مهما تعددت أدواته، أن يحجب الصورة كاملة.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: هل يمكن حجب الحقيقة؟ وإنما: إلى أي مدى يمكن أن ينجح تضليل الرأي العام قبل أن تصطدم الرواية بالواقع؟

لقد تغيرت أدوات صناعة الوهم. ففي الماضي كان حجب المعلومة يعتمد على المنع والرقابة والسيطرة على المنابر، أما اليوم فقد أصبح التضليل أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن إغراق الحقيقة بكم هائل من المعلومات المجتزأة، والعناوين المثيرة، والحسابات الوهمية، والشائعات، والروايات المتناقضة.

وهكذا لم يعد «الغربال» أداة لحجب المعلومة فقط، بل أصبح أحياناً أداة لإرباك الجمهور وإضعاف قدرته على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الخبر والدعاية، وبين النقد المشروع والتشهير.

الإعلام بين كشف الحقيقة وصناعة الانطباع

الإعلام المهني هو خط الدفاع الأول عن حق المجتمع في المعرفة. لكنه يفقد دوره عندما تتحول المعلومة إلى سلعة، أو عندما يصبح السبق أهم من الدقة، أو عندما تُستخدم المنصات الإعلامية لتصفية الحسابات أو صناعة صورة تخدم جهة أو شخصاً.

فالصحافة ليست محكمة تصدر أحكاماً مسبقة، وليست بوقاً للسلطة أو للمعارضة. وظيفتها أن تسأل، وتتحقق، وتوثق، وتعرض الوقائع، وتمنح حق الرد، وتترك للقارئ مساحة تكوين موقفه.

وفي قضايا الفساد تحديداً، تزداد المسؤولية المهنية والقانونية؛ فلا يجوز تحويل الشبهة إلى إدانة، أو الاتهام إلى حقيقة، أو الشائعة إلى حكم نهائي. فمكافحة الفساد لا تكون بتوزيع الاتهامات، وإنما بكشف الوقائع الموثقة، وإحالتها إلى الجهات المختصة، واحترام قرينة البراءة وحق الدفاع.

السياسة والشفافية

السياسة بدورها لا تستطيع أن تبني ثقة مستدامة على إدارة الصورة وحدها. فقد تنجح الخطابات في تهدئة الرأي العام مؤقتاً، لكن المشكلات الحقيقية لا تختفي بتغيير المصطلحات.

وعندما تواجه المؤسسات العامة الأسئلة المشروعة بالغموض أو التجاهل، فإنها تترك فراغاً معلوماتياً سرعان ما تملؤه الشائعات والتفسيرات. أما الشفافية، فلا ينبغي النظر إليها باعتبارها تنازلاً أمام الخصوم، بل باعتبارها وسيلة لحماية المؤسسة وتعزيز ثقة المواطن بها.

فالمؤسسة الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تخشى التدقيق، ولا تعتبر السؤال اتهاماً، ولا ترى في الرقابة خصومة. بل تقدم المعلومة، وتوضح القرار، وتشرح الإجراءات، وتتيح للجهات الرقابية والقانونية القيام بدورها.

الفساد يعيش في الظل

وحيثما توجد شبهات فساد أو تضارب مصالح أو استغلال للنفوذ، فإن أول ما تحتاج إليه هذه الممارسات هو الظل؛ ظل نقص المعلومات، وضعف الرقابة، وتضارب المصالح، وغياب المساءلة.

لكن الإشارة إلى الفساد يجب ألا تتحول هي الأخرى إلى وسيلة للابتزاز أو التشهير. فالمجتمع الذي يريد محاربة الفساد يحتاج إلى مؤسسات تحقق وتدقق، وإعلام يلتزم المعايير المهنية، وقضاء يفصل في الوقائع، وقوانين تطبق على الجميع دون استثناء.

المعادلة الصحيحة بسيطة: لا حصانة أمام القانون، ولا إدانة بلا دليل.
عندما تصبح كثرة المعلومات وسيلة للتضليل

المفارقة في عصر التواصل الرقمي أن التضليل لم يعد يعتمد دائماً على إخفاء الحقيقة؛ فقد يعتمد على إغراقها.

آلاف المنشورات قد تجعل المعلومة الصحيحة تبدو واحدة من عشرات الروايات، والمعلومة المجتزأة قد تنتشر أسرع من التحقيق الكامل، والعنوان المثير قد يحصد آلاف القراءات قبل أن يكتشف القارئ أن التفاصيل لا تسنده.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على التحقق قبل المشاركة، وعلى السؤال عن المصدر، وعلى التمييز بين الوقائع والتعليقات، وعدم إصدار الأحكام استناداً إلى منشور مجهول أو مقطع مجتزأ.

التاريخ هو الاختبار الأخير

وعبر التاريخ، لم تكن القوة وحدها كافية لكتابة الحقيقة إلى الأبد. فقد تتغلب الدعاية على الحقيقة في مرحلة معينة، وقد تفرض السلطة رواية واحدة، وقد ينجح الخوف في إسكات أصوات كثيرة، لكن الوثائق والشهادات والوقائع المتراكمة تظل قادرة على إعادة فتح الملفات ومراجعة الروايات.

ولهذا فإن التاريخ لا يحاكم الناس والمؤسسات بما قالوه عن أنفسهم فقط، وإنما بما تركته أفعالهم من آثار، وما يمكن إثباته من وقائع.

إن الزمن لا يصنع الحقيقة، لكنه يكشفها أحياناً عندما تتراكم الأدلة وتتراجع قدرة الوهم على الصمود.

معركة الوعي

المعركة الحقيقية إذن ليست بين أشخاص، ولا بين مؤسسات وخصومها، وإنما بين منهج يقوم على الحقيقة والدليل والشفافية والمساءلة، ومنهج يقوم على التعتيم والتلاعب بالرواية وتوجيه الرأي العام.

والرهان الاستراتيجي هنا يتجاوز كشف واقعة أو تصحيح معلومة؛ إنه يتعلق بحماية وعي المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يفقد ثقته بالمعلومة الصحيحة يصبح أكثر عرضة للتلاعب، والمجتمع الذي يفقد ثقته بالمؤسسات يبحث عن الحقيقة في مصادر غير موثوقة.

ومن هنا، فإن حماية الحقيقة مسؤولية مشتركة: مسؤولية الإعلام في التحقق، ومسؤولية المؤسسات في الشفافية، ومسؤولية المسؤول في تقديم المعلومة، ومسؤولية المواطن في عدم إعادة نشر ما لا يعرف مصدره، ومسؤولية الجهات الرقابية والقضائية في إنفاذ القانون.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع ليس أن يختلف حول الحقيقة، وإنما أن يفقد قدرته على البحث عنها.

لقد علّمنا التاريخ أن الروايات قد تتغير، والسلطات قد تتبدل، والمنابر قد تتغير، لكن الوقائع تبقى شاهدة. وقد يستطيع أصحاب النفوذ أن يؤثروا في الحاضر، لكنهم لا يملكون وحدهم كتابة حكم المستقبل.

لذلك، فإن الصبر على ظهور الحقيقة لا يعني الصمت أو الاستسلام، بل يعني مواصلة البحث والتوثيق والسؤال، بعيداً عن التشهير والافتراء، والتمسك بقاعدة لا غنى عنها في بناء دولة القانون: الدليل قبل الحكم، والمعلومة قبل الرواية، والشفافية قبل الشائعة.

فما يبقى في ذاكرة الأمم ليس ارتفاع صوت الوهم، ولا كثرة الغرابيل، وإنما ما تصمد أمامه الوقائع عندما يأتي موعد الحساب مع التاريخ.

قد يحاول البعض حجب الشمس بغربال، وقد ينجح في حجب جزء من الضوء لبعض الوقت، لكن الشمس لا تتوقف عن السطوع؛ لأن الحقيقة، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى من يصنع لها وهجاً، بل تحتاج فقط إلى مجتمع لا يخاف من فتح النوافذ.

المحامي علي أبوحبلة

بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيقبقلم المحامي علي أبوحبلةلا خلاف على أن...
01/09/2026

بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق
بقلم المحامي علي أبوحبلة
لا خلاف على أن مدينة طولكرم تستحق كل جهد يحافظ على جمالها وتنظيم أسواقها ويحمي شوارعها وأرصفةها ومرافقها العامة، ولا خلاف كذلك على أهمية الترحيب بأبناء شعبنا وزوار المدينة، وإبراز صورتها الحضارية والإنسانية، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال.
لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تصدر منشورات أو مواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن أشخاص يُنسبون إلى المؤسسة الأمنية أو ينضوون تحت مظلتها، لأن الصفة الوظيفية تفرض قدراً أعلى من الانضباط والدقة والحياد، وتستوجب التمييز بوضوح بين الرأي الشخصي والتعبير الرسمي.
ومن هنا، فإن أي منشور منسوب إلى أحد العاملين في مؤسسة أمنية، ولا سيما عندما يتناول أداء مؤسسة عامة أو إجراءات إنفاذ القانون أو يتضمن توجيهاً للرأي العام، يستحق التحقق من طبيعته ومصدره وصفة صاحبه، وما إذا كان يمثل رأياً شخصياً أم موقفاً رسمياً، وما إذا كان يتوافق مع الأنظمة والتعليمات ومدونات السلوك الوظيفي النافذة.
والحديث هنا ليس عن منع التعبير أو تقييد النقاش العام، وإنما عن تنظيم المسؤولية المرتبطة بالوظيفة العامة. فالموظف الأمني، بحكم موقعه، يحمل مسؤولية مضاعفة في اختيار عباراته ومواقفه، لأن ما ينشره قد يُفهم باعتباره موقفاً صادراً عن المؤسسة التي ينتمي إليها، حتى لو لم يقصد ذلك.
أما المنشور محل النقاش، والذي يدعو الإعلام إلى الارتقاء بصورة طولكرم، ويطالب باستبدال عبارة «إزالة التعديات» بعبارة «تنظيم وتجميل الأسواق»، ويؤكد ضرورة مراعاة الظروف الإنسانية للمواطنين، ويشيد بدور المجلس البلدي ويدعو إلى دعم عملية تنظيم المدينة، فإن بعض مضامينه قد تكون في جوهرها محل اتفاق مجتمعي، خصوصاً ما يتعلق بتنظيم الأسواق ومراعاة البعد الإنساني.
غير أن سلامة الهدف لا تعني بالضرورة سلامة الوسيلة أو الصياغة أو الصفة التي صدر بها المنشور.
فإنفاذ القانون اختصاص مؤسسي، وليس مجالاً للمواقف الشخصية المتباينة التي قد توحي بتأييد إجراء أو رفضه أو التأثير في الرأي العام حوله. كما أن إعادة توصيف المصطلحات القانونية والإدارية، مثل «إزالة التعديات» أو «تنظيم الأسواق»، ينبغي أن تتم وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة، وليس تبعاً للرغبة في تحسين الصورة الإعلامية لأي إجراء.
إن تنظيم الأسواق يمكن أن يكون فعلاً حضارياً وإنسانياً في آن واحد، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة، ومعايير معلنة، وتطبيق عادل، وحوار مع أصحاب البسطات والتجار، وتوفير البدائل الممكنة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المشاة والملك العام وانسيابية المرور. لا يجوز أن يكون القانون ذريعة للإضرار بالناس، كما لا يجوز أن تكون الظروف الاقتصادية ذريعة لتعطيل القانون.
وهنا تبرز أهمية مدونة السلوك الوظيفي باعتبارها إطاراً لضبط الأداء العام، وحماية هيبة المؤسسة، وترسيخ الحياد والنزاهة والموضوعية. فالمنتسب للمؤسسة الأمنية أو المدنية ليس محروماً من حقه في التعبير، لكن عليه، بحكم موقعه، أن يدرك أن التعبير عبر المنصات العامة قد تكون له آثار تتجاوز شخصه، وأن عليه الالتزام بما تفرضه الوظيفة من ضوابط ومسؤوليات.
والأمر ذاته ينطبق على نشر الاتهامات أو المعلومات غير الموثقة. فلا يجوز أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم مفتوحة، ولا أن تصدر أحكام مسبقة بحق أفراد أو جهات دون بينة أو تحقق. الأصل هو الدقة، والتثبت، واحترام قرينة البراءة، وإحالة أي معلومات جدية إلى الجهات المختصة للتحقق منها واتخاذ ما يلزم وفق القانون.
ومن الخطأ أيضاً أن تتحول الإشادة بالأشخاص إلى معيار لتقييم العمل العام، أو أن يصبح النقد المهني دليلاً على عدم الوطنية أو عدم الحرص على المدينة. فالمؤسسات العامة لا تحتاج إلى التطبيل، وإنما تحتاج إلى النقد البناء، والمراقبة المجتمعية، والإعلام المهني، والمساءلة القانونية.
إن الدعم الحقيقي لبلدية طولكرم والمجلس البلدي والجهات الأمنية ليس في المجاملة، وإنما في تمكينها من تطبيق القانون بصورة عادلة ومتوازنة، وفي الوقت نفسه مساعدتها على تطوير حلول تحفظ كرامة المواطن ورزقه.
وطولكرم ليست بحاجة إلى صراع بين الإعلام والمؤسسات، ولا إلى اصطفاف بين مؤيد ومعارض؛ بل تحتاج إلى شراكة وطنية ومهنية تجعل تنظيم المدينة مسؤولية جماعية، وتضع القانون فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق العلاقات، والشفافية فوق المجاملة.
وفي هذا السياق، فإن الجهات المختصة مدعوة إلى التعامل مع أي منشورات صادرة عن أشخاص ذوي صفة أمنية أو وظيفية رسمية وفق معيار واحد: التحقق أولاً من الصفة والمصدر والمضمون، ثم تقييم مدى توافق المنشور مع القوانين والأنظمة والتعليمات ومدونة السلوك الوظيفي، بعيداً عن النيات المسبقة أو الاستهداف الشخصي.
فالغاية ليست ملاحقة منشور أو محاسبة شخص لمجرد إبداء رأي، وإنما حماية مبدأ أهم: أن تبقى المؤسسة الأمنية مؤسسة لجميع المواطنين، وأن يبقى القانون فوق الجميع، وأن يكون الخطاب المرتبط بالوظيفة العامة منضبطاً ومسؤولاً ومتسقاً مع مقتضيات الحياد والموضوعية.
نريد طولكرم منظمة وجميلة ونظيفة وآمنة، ونريد أسواقها نابضة بالحياة، وأرصفةها وطرقاتها مفتوحة للجميع، ونريد حماية رزق المواطن وكرامته، كما نريد مؤسسات قوية تحظى بثقة الناس.
وهذه الثقة لا تُبنى بالمجاملة، ولا بالمنشورات العاطفية، وإنما بالقانون، والشفافية، والانضباط، والعدالة، وحسن الأداء.
وفي النهاية، فإن احترام المؤسسة الأمنية يبدأ باحترام القانون، واحترام القانون يبدأ بالدقة في الكلمة، والتثبت في المعلومة، والانضباط في الموقف. أما طولكرم، فتستحق أن نتعامل مع قضاياها بعقل الدولة، لا بمنطق الأشخاص؛ وبميزان المصلحة العامة، لا بمنطق المجاملة أو الاصطفاف.
المحامي علي أبوحبلة

01/09/2026

حماية المال العام وتنظيم إشغال الأرصفة والطرقات
تتداول بعض المعلومات حول قيام أشخاص، بصورة غير مشروعة أو دون سند قانوني واضح، باستيفاء مبالغ مالية من بعض أصحاب البسطات والباعة المتجولين مقابل السماح لهم بإشغال أجزاء من الأرصفة أو الطرقات أو الساحات العامة. وهذه المعلومات، في حال صحتها، تستوجب التحقق منها من الجهات المختصة، وعدم التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة قبل استكمال إجراءات التحقق القانونية.
ومن حيث المبدأ، فإن الأرصفة والطرقات والساحات العامة تعد من المرافق والممتلكات العامة، ولا يجوز إشغالها أو استغلالها بصورة تتعارض مع القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة أو تعيق حق المواطنين في استخدامها. كما أن تنظيم إشغال الأملاك العامة وترخيصها وتحديد بدلات الإشغال، وفق الاختصاصات المقررة قانوناً، منوط بالجهة البلدية المختصة، ولا يجوز أن يتحول هذا الاختصاص إلى مصدر لتحصيل مبالغ مالية من المواطنين خارج الأطر الرسمية.
وعليه، فإن أي مبالغ يتم تحصيلها لقاء السماح بإشغال الرصيف أو الطريق أو الساحة العامة ينبغي أن تكون مستندة إلى ترخيص قانوني واضح، وأن يتم تحصيلها من خلال القنوات الرسمية المعتمدة، مع إصدار ما يثبت عملية الدفع والجهة المستفيدة منه.
وتبرز هنا أهمية قيام البلدية والجهات الرقابية المختصة بالتحقق الموضوعي من المعلومات المتداولة، والاستماع إلى أصحاب البسطات والباعة، ومراجعة أي شكاوى أو إفادات أو مستندات ذات صلة، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة إذا ثبت وجود تحصيل غير مشروع للمبالغ أو استغلال للأملاك العامة دون سند قانوني.
وفي الوقت ذاته، يجب التأكيد على أن الهدف ليس التضييق على أصحاب البسطات أو قطع مصادر رزقهم، وإنما تنظيم الإشغال بما يحقق التوازن بين حق المواطنين في استخدام الأرصفة والطرقات، وحق أصحاب المهن الصغيرة في العمل ضمن إطار قانوني ومنظم، ويحافظ على السلامة العامة والانسياب المروري والمظهر الحضاري للمدينة.
إن سيادة القانون تقتضي أن يكون الإشغال العام منظماً بقرار وترخيص رسمي، وأن تكون الجباية موثقة وشفافة، وأن لا يدفع المواطن أي مبلغ لأي شخص لا يملك صفة قانونية لتحصيله. ومن هنا، فإن التحقق من هذه المعلومات، إن وجدت، يمثل مسؤولية مؤسسية لحماية المال العام ومنع أي ممارسات قد تسيء إلى سمعة البلدية أو تلحق الضرر بالمواطنين.
ولا يعني طرح هذه المسألة توجيه اتهام إلى أي شخص أو جهة، وإنما التأكيد على مبدأ قانوني عام مفاده أن الأملاك العامة لا تُستغل إلا وفق القانون، والأموال لا تُجبى إلا من خلال الجهة المخولة قانوناً وبإيصالات وقنوات رسمية.

Address

دولة فلسطين
فلسطين

Telephone

+970599203977

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when منتدى القومين العرب / فلسطين posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to منتدى القومين العرب / فلسطين:

Shortcuts

Share

Category