04/09/2026
قول مأثور عن الحاجة ثريا رحمها الله
**(الدراهم درهمتني، وخلّتني في الحيّ مقدار؛ بدل ما كان اسمي عمر، سمّوني الحاج عمّار… وعجبي!**
ليست هذه المقولة حديثاً عن المال وحده، بل عن ذلك التحوّل العجيب الذي يصنعه المال في نظرة الناس إلى الإنسان. فحين تكثر الدراهم، قد يتغيّر الاسم في أفواه الناس، وتتبدّل الألقاب، ويكبر المقام الاجتماعي في أعينهم … فيصبح الإنسان الذي كان يُنادى باسمه مجرداً، يُنادى بما يرمز إلى مكانته وثروته وهيبته. وكأن المال لا يضيف إلى الإنسان شيئاً فحسب، بل يعيد رسم صورته أمام المجتمع.
لكن الفلسفة الأعمق في هذا القول تكمن في المفارقة بين **المظهر والجوهر**. قد تتبدّل الثياب، والمساكن، والألقاب، وطريقة الناس في النداء، وقد ينتقل المرء من حالٍ إلى حال … غير أن كل ذلك يبقى في دائرة المظهر، أما الجوهر فهو ما استقر في القلب من خلقٍ ووفاءٍ وتواضعٍ وكرامة.
فالمال قد يغيّر مقام الإنسان في أعين الناس، لكنه لا ينبغي أن يغيّر مقام الإنسان في نفسه. وقد يمنح صاحبه لقباً جديداً لكنه لا يمنحه بالضرورة قلباً جديداً. ومن هنا تأتي القاعدة الإنسانية: **الإنسان الأصيل قد يتغيّر مظهره، لكن جوهره لا يتبدّل بل يزداد رفعةً من غير أن يفقد تواضعه، وتتسع يده من غير أن يضيق قلبه، ويعلو قدره بين الناس من غير أن يتعالى عليهم.**
إن أصالة الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بما يُقال عنه، ولا باللقب الذي يُنادى به، وإنما بما يبقى منه حين تسقط الألقاب وتزول المظاهر: أثرٌ طيب، وذكرى حنونة، وخلقٌ يشهد له الناس بعد غيابه. ولعلّ في قول الحاجة ثريا، رحمها الله، حكمةً شعبيةً ساخرةً تختصر أحوال الدنيا: **الناس قد يغيّرون أسماءنا حين تتغيّر أحوالنا، أما نحن فنملك أن نحفظ حقيقتنا مهما تغيّرت الأسماء.**
**اللهم في هذا اليوم المبارك، وفي هذه الساعات المباركة، ارحم الحاجة ثريا رحمةً واسعةً تملأ قبرها نوراً وسكينة، وتغمر روحها بعفوك ورضوانك. اللهم اغفر لها ما تقدّم من ذنبها وما تأخّر، وأكرم نُزلها، ووسّع مدخلها، وآنس وحشتها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة.**
اللهم اجعل كل كلمة طيبة قيلت في حقها رفعةً لدرجاتها، وكل دعاءٍ صادقٍ يصل إليها نوراً ورحمة، وكل أثرٍ جميل تركته في قلوب أهلها صدقةً جاريةً في ميزان حسناتها. اللهم اجزها عن محبتها وحنانها وصبرها خير الجزاء، واجمعها بمن تحب في جناتك، حيث لا فراق ولا حزن ولا ألم.
**اللهم ارحم الحاجة ثريا رحمةً تليق بكرمك، واغفر لها مغفرةً تمحو الزلل، وأبدلها داراً خيراً من دارها، وأهلًا خيراً من أهلها، واجعل ذكراها في قلوبنا دعاءً لا ينقطع، ونوراً لا ينطفئ. اللهم آمين.**