01/09/2026
وردني من بعض المتابعين أسئلة حول قلعة برج صافيتا و تاريخ المنطقة
▪️كيف تم تصميم الرسم الهندسي للقلعة ؟
العملية هندسية بحتة لذوي الإختصاص حيث يتم إجراء مسح طبوغرافي للموقع وتحديد نقاط علاّمة ظاهرة لبقايا الآثار كأعمدة أو بقايا سور أو حجارة متفرقة ثم يتم إعادة تشكيل نسخة أولية حاسوبية باستخدام برامج متخصصة تحاكي الواقع مع التنويه بأن الرسم يعتمد على طريقة البناء و نظام الهندسة المتبعة قديما من قبل الصليبيين وهذا بحاجة مختص تاريخي و هندسي حيث يقوم الخبير بوضع خبرته في مجال الهندسة الصليبية والفن القوطي المعماري و طرق البناء القديمة المتبعة و يعدّل النسخة الاولية وربما يضيف لها ما يراه مناسبا" و من أهم العاملين في هذا المجال على مستوى العالم ( المتخصص Mathias Piana و الباحثة Rosie Weetch)
▪️هل من شكل دقيق نهائي لقلعة برج صافيتا ؟
تعرضت القلعة لزلازل متعددة متلاحقة و لحروب طاحنة دمرت الكثير من معالمها وكانت عملية الترميم والبناء تتم عبر مراحل متلاحقة وحسب الإمكانيات , فشكل القلعة مع أبراجها و أسوارها تغير مرات عدة لكن الشكل الأقرب و الادق كان خلال مرحلة ترميم الملك لويس التاسع 1251 م وهو الترميم الأكبر و الأشمل للقلعة التي رسمها لاحقا" الخبراء والعلماء .
▪️ متى كان أقسى دمار للقلعة عبر تاريخها ؟
خلال فترة 1170 – 1172 تعرضت لزلزال عنيف 1170 ثم لتدمير من نور الدين الزنكي 1171 لدرجة أن القلعة أصبحت غير صالحة للإستعمال حيث يذكر Mathias Piana في كتابه القلاع والمدن في زمن الحروب الصليبية بالصفحة 210 منه قلعة صافيتا بالقول " أصبحت القلعة بأكملها غير صالحة للإستخدام لدرجة أن مهندسين الفرسان الصليبيين اقترحوا القيام ببناء جديد بدلا من إعادة تأهيلها
▪️ما هي أفضل حال كانت عليه القلعة عبر تاريخها ؟
حسب عالم الآثار Mathias Piana أنه بعد ترميم القلعة على يد ملك فرنسا لويس التاسع 1250 أصبحت كنيسة محصنة فائقة الجمال .. حيث تم إجراء توسيع للأسوار المحيطة الثلاث وإضافة برج مراقبة داخلي من الزاوية الجنوبية الغربية مع تدعيم كامل للأسوار وتأمين مهاجع جديدة للجنود وغرف وسراديب سرية .
يقول Mathias Piana في كتابه :
خلال إقامة الملك الفرنسي لويس التاسع في الأراضي المقدسة بين عام 1250 و 1254 زار قلعة برج صافيتا لكنه وجدها صغيرة جدا" فطالب فورا" بتوسيعها من جهة الجنوب و زيادة تحصينها
الملك الفرنسي لويس التاسع المعروف أكثر باسم ( القديس لويس ) وسَّع البناء.
▪️كم عدد أسوار القلعة خلال فترة الترميم تلك ؟
حسب رأي الخبير ماتياس بيانا ان هناك ثلاثة أسوار وليس اثنان لكن السور الخارجي الاول ضاعت معالمه نتيجة الحروب و الأهمال وهناك بقايا قليلة جدا تم طمسها لاحقا خلال فترة الحكم العثماني بالقرن 18 بسبب البناء العشوائي فوق السور و إزالة حجارته لإستخدامها لبناء المنازل من قبل السكان المحليين
▪️هل من مستند تاريخي أو وثيقة تثبت دمار قلعة برج صافيتا ؟
رئيس قسم الآثار وعالم التاريخ بجامعة المجر Balazs Major يؤكد وجود مخطوطة مرسلة لسيد الفرسان الأكبر باللغة اللاتينية Philipe de Plessis تصف دمار القلعة والزلزال الكبير تقول :
إنهارت معظم الجدران هنا وحتى الطابق العلوي من البرج , لطالما اعتقدنا انه تم بناءه بصلابة لكنه تعرض للكثير من التشقق والتلف بشدة .. كان من الأفضل لنا لو انهار بالكامل بدلا" من تركه واقفا" بمثل هذه الحالة
▪️هل كان هناك قلعة مكان البناء الحالي قبل قدوم الصليبيين للمنطقة ؟
حتما" قطعا" كلا ... لا يوجد تاريخيا" ولا عمرانيا" أي ذكر أو معلم أثري لبناء قائم هنا لكن يرجح وجود معبد وثني صغير يتبع لمملكة أرواد قديما" لعبادة إله البحر " يم "
( يَمّ هو إله سوري كنعاني كان يعتقد قدماء السوريين بأنه يسيطر على المحيطات والأنهار والبحيرات والينابيع، وهو واحد من أبناء "إيل" كبير الآلهة، وفي اللغات السامية يعني الكلمة "بحر". )
▪️التواجد السكاني في محيط قلعة صافيتا خلال التاريخ : هام جدا"
يعتمد أي وجود بشري في بقعة جغرافية ما على عناصر هامة للحياة والاستقرار ( ماء – أرض خصبة – زراعة – مناخ جيد ... الخ ) وكل هذه العناصر متوفرة في الساحل السوري و تحديدا" محيط صافيتا وجبالها لذلك فمن المستبعد إن يكون هناك جغرافية خصبة و تواجد سكاني جيد و يندثر ويختفي فجأة بل على العكس .. يزداد مع الوقت لذلك لا يمن أن يكون هناك فراغ أو انقطاع سكاني عبر التاريخ في منطقة صافيتا كما يروي البعض في كتاباتهم .
دليل آخر على استمرار السكان وهو استمرار الحرف والمهن اليدوية القديمة جدا" وعدم اندثارها فمثلا" حرفة صناعة الحرير موجودة منذ أيام الصليبيين واستمرت للعهد العثماني والقرن الماضي حيث ذكرت في سجلات ولاية بيروت وتاريخ طرابلس ل حكمت باشا شريف عن صناعة الحرير في صافيتا ومحيطها ..
• اليد العاملة التي كانت تعمل مع الصليبيين في بناء القلعة و الأسوار وتنفيذ كل المهام تدل فعلا" على وجود حرفية و مهنية عالية من قبل السكان الأصليين القاطنين بمحيط صافيتا .. فحتما" لم يقم الصليبيين بإستقدام عمال و حرفيين من فرنسا و إسبانيا مثلا" لبناء قلعة على الساحل السوري .. حتما" اكتسب هؤلاء خبرة خلال عملهم بالبناء والحدادة وصناعة الأسلحة و طرق البناء إضافة لمهن أخرى ... ومن أهم عوامل استمرار المجتمعات في تلك الفترة البدائية من الزمن وجود المهن و الحرف اليدوية التي تؤمن معيشة الناس وتحميهم .
كما لن ننسى أن وجود معابد قديمة ثم كنائس تعود للقرون الاولى تدل على وجود سكان في المنطقة فما الحاجة لمعبد بمكان لا يتواجد فيه ناس فمن سيمارس الطقوس الدينية ؟؟ من الإله يم الفينيقي مرورا" بالوثنية ثم اليهودية التي كان لها تواجد كثيف في محيط المنطقة ثم المسيحية ثم الإسلام .
إختار الأرواديون قمم الجبال العالية لتكون معابد لآلهتهم و مذابح لتقديم الطاعة لهم من ( بعل – إيل – عشتار – ل يم ) ومن أهم هذه الاماكن قمة حصن سليمان كمثال و منطقة تواجد برج صافيتا الحالي ويرجح وجود أساس معبد فينيقي تحت بناء قلعة برج صافيتا .... فمن المعلوم أن مدينة صافيتا دمرت خلال التاريخ ثلاث مرات عبر زلازل عنيفة جعلت أسفلها أعلاها للأسف .. فقام البناء الجديد الثاني على أنقاض الاول ... ثم قام البناء الثالث على انقاض الثاني وهكذا ..
ومع مرور الزمن وانتشار الأديان السماوية تحول المعبد القديم لاحقا" لكنيسة صغيرة تمارس فيها الطقوس من قبل السكان المحليين ثم اتى الصليبيين وقاموا ببناء القلعة و الكنيسة المحصنة للبرج فوق الكنيسة الأم واستمرار العبادة ليومنا هذا دليل على عدم انقطاع السكان من تواجدهم بالمنطقة أو هجرها حتى في ظل قدوم الفتح العربي الاسلامي وصولا" للقرن التاسع عشر .
منار عيسى عبيد - صافيتا ٢٠٢٦