19/02/2024
الضيف الغريم (العدو) عند الشراكسة:
لقد كان للضيف مكانة عظيمة عند الشراكسة و كان إكرام الضيف واجباً على جميع العائلات الشركسية، لأنها تعكس مدى رفعة أخلاق هذه العائلات و درجة مكانتها الاجتماعية، فكان الشراكس يتنافسون في إكرام ضيوفهم و تلبية رغباتهم التي تتناسب مع قيم و عادات المجتمع الشركسي السائدة. و قد شاهد ذلك الراهب جاندي ليوك بأم عينه و كتب في عام 1625 م، جملة واحدة تعكس مدى أهمية الضيف عند الشراكسة، حيث قال: " لا يوجد شعب في الدنيا يولي ضيفه اهتماماً مثل الشعب الشركسي."
و الذي يقصّر في واجب إكرام الضيف، كان يصبح منبوذاً و يجلب العار على نفسه و عائلته و أسرته، و ربما وصل الأمر إلى أن يحاكم أمام مجلس البلدة.
و لما كان مفهوم الضيافة في المجتمع الشركسي رفيعاً جداً و يتزايد الاهتمام به يوماً بعد يوم، ظهرت الأمثال الشركسية التي تعبّر عن كرم الضيافة و عندي الكثير منها لكني سأذكر واحدة من باب الاختصار:
Адыгэм я нахь мыгъоми, шыгъурэ пӀастэрэ къыпфещтэ
أي: حتى المنحوس و اليائس من الشركس لا يبخل على ضيفه !
و بحسب العادات الشركسية، كان من الواجب إكرام الضيف حتى لو كان عدواً، دون إظهار أي امتعاض من ذلك، و مثل هؤلاء كانوا يستغلون هذه العادة، فيذهب المدمي ضيفاً على صاحب الدم، و يستجير بعجوز البيت بعد أن يرتمي على صدرها، و بذلك يصبح كأحد أبنائها حسب العادات الشركسية و حتى لو لم يكن مدمياً، و كان عدواً، فقد كان من الواجب احترامه و معاملته كأي ضيف آخر.
و قد ظهر ذلك جلياً في الحرب الروسية-الشركسية، فبعد احتلال روسيا القيصرية لبولندا، كانت الأخيرة تقوم بفرض التجنيد الإجباري عليهم و ترسلهم على شكل مرتزقة لمحاربة الشراكسة، لكن كثيراً من البولنديين كانوا يفرون من ميدان المعركة و يلجؤون إلى الشراكسة و يستجيرون بهم، و كانوا يجدون الأمان على أنفسهم و أرواحهم بين ظهراني الشراكسة، فالشراكسة كانوا يؤونهم و يعطونهم الأمان و يعاملوهم كضيوف لا كأسرى حرب، و التاريخ يشهد كم من بولندي أصبح يُعتبر شركسياً لمجرد أنه مكث أكثر من ثلاثة أيام بين الشراكسة. لا بل من شدة تعلّق البولنديين و حتى الهنغاريين بالشراكسة، أصبحوا يقاتلون في صفوف الشراكسة ضد الغزو القيصري الروسي، لأنهم تأثروا بتواضع هذا الشعب النبيل، و رأوا أخلاقه العظيمة و عاداته الرائعة. و أكثر ما أثر في نفوس البولنديين و الهنغاريين، هو رفض الشراكسة إعادة تسليم هؤلاء الجنود الفارين إلى الجيش الروسي، على الرغم من أن الروس كانوا يرسلون مبعوثين إلى الشراكسة ليفاوضوهم عليهم و أحياناً كان يتم عرض المال على الشراكسة من أجل إقناعهم بتسليم هؤلاء الجنود الفارين لكن الشراكسة كانوا يرفضون ذلك بشكل قطعي، بل و كانوا في كثيرٍ من الأحيان يعرضون حياتهم و حياة عائلاتهم للخطر بسبب حمايتهم لهؤلاء الجنود الفارين من الجيش الروسي.
أما روسيا القيصرية، فقد تعاملت مع هذه الأخلاق النبيلة، بالمكر و الخداع، و التدمير و التهجير، فلما علمت روسيا أن مكانة الضيف عند الشراكسة كانت تحتل أهمية بالغة لديهم، أصبحوا يرسلون بعضاً من جواسيسهم على هيئة جنود روس فارين، و أصبحوا يطلبون الحماية من الشراكسة، و يعيشون بينهم و يدرسون نمط حياتهم و عاداتهم و أقاليمهم و تضاريسهم، بغية إرسالها إلى مراكز الحملات العسكرية الروسية، و القضاء على هذا الشعب النبيل.
لقد تميز هذا الشعب العظيم عن باقي شعوب المنطقة بأخلاقه النبيلة، التي لطالما استغلتها الشعوب الأخرى المجاورة لتحقيق مصالحها و مطامعها التوسعية و الاستعمارية و الاستيطانية.
من كتاب: Адыгэ ӀуэрыӀуатэ хэзгъэгъуазэ