18/05/2026
إنَّ المحاولات البائسة لإلباس المؤسسة العسكرية المصرية ثوب الأيديولوجيا الإسلامية الحركية تعكس جهلًا فاضحًا بالقوانين الحاكمة للدول الحديثة، وبالأسس الصلبة التي تقوم عليها الجيوش الوطنية النظامية في العصر الحديث. فلو كانت عقيدة هذا الجيش عقيدةً أمميةً دينيةً كما يزعم الواهمون، لفقد بوصلته الاستراتيجية، ولتحوّل إلى قوةٍ سائبة تستجيب لكل من يرفع شعارًا دينيًا، بغضِّ النظر عن جنسيته أو أهدافه أو مدى تعارضه مع المصالح العليا للدولة المصرية.
إن جوهر الخلاف هنا يكمن في تصادمٍ بنيوي بين عقيدتين متناقضتين لا يمكن الجمع بينهما: عقيدة «الإسلام الحركي» من جهة، وعقيدة «الجيش الوطني» من جهة أخرى. فالأولى تنظر إلى الوطنية باعتبارها مفهومًا ثانويًا، بل قد تصفها في بعض أدبياتها بأنها لون من ألوان العصبية أو الجاهلية الحديثة، إذ تجعل معيار الولاء والبراء قائمًا على الانتماء العقدي لا على رابطة الوطن والدولة. ووفقًا لهذا التصور، تتضاءل قيمة الحدود والجغرافيا أمام فكرة الأمة العابرة للأوطان، ويصبح المسلم — أيًّا كانت جنسيته — أولى بالنصرة من ابن الوطن إن تعارضت المصالح.
أما المؤسسة العسكرية المصرية فتقوم على النقيض الكامل من هذا المنطق؛ فالولاء فيها ولاءٌ وطنيٌّ خالص للدولة المصرية، وللعلم المصري، ولرفيق السلاح في الخندق، مسلمًا كان أو مسيحيًا. والعداء فيها موجَّه إلى كل من يهدد أمن مصر وسيادتها ووحدة أراضيها، مهما كانت شعاراته أو مرجعياته الدينية. فالمعيار الوحيد الحاكم هو: هل يخدم هذا الطرف أمن مصر أم يهدده؟
وفي الوجدان العسكري المصري، لا وجود لفكرة الاستخفاف بالوطن بوصفه «حفنة من تراب». فالأرض المصرية ليست مادة جامدة، بل هي رمز الشرف والسيادة والتاريخ ودماء الشهداء. وتراب الوطن في الثقافة العسكرية هو امتداد للعِرض والكرامة، وحدوده خطوط مقدسة لا يجوز التفريط فيها أو التهاون في الدفاع عنها. ولهذا يترسخ في وجدان الجندي المصري أن حماية الأرض ليست مجرد مهمة وظيفية، بل عهد شرف وقضية وجود.
ولو تصفحنا صفحات التاريخ الحديث، لوجدنا أن سلوك الجيش المصري كان دائمًا تجسيدًا عمليًا لهذه العقيدة الوطنية، وصفعةً واضحة لكل تصور أممي عابر للحدود. ففي حرب اليمن في ستينيات القرن العشرين، خاض الجيش المصري معركته وفقًا للرؤية الاستراتيجية للدولة المصرية، في مواجهة نظام الإمامة الزيدية الذي كان يستند إلى شرعية دينية تقليدية. ولم يكن معيار القرار هو وحدة الدين، بل مقتضيات الأمن القومي والمصالح الإقليمية.
وفي حرب تحرير الكويت (1990–1991)، شارك الجيش المصري ضمن قوات التحالف الدولي لتحرير دولة عربية مسلمة من جيش عربي مسلم آخر، دون أن تعوقه الشعارات الدينية التي رفعها النظام العراقي آنذاك. وكان الحاكم الحقيقي للقرار هو الشرعية الدولية ومتطلبات الأمن العربي والاستقرار الإقليمي.
وفي الملف الليبي، رسمت مصر خطًا أحمر واضحًا عند سرت والجفرة، انطلاقًا من إدراكها لحدود أمنها القومي، غير عابئة بالشعارات الأيديولوجية أو الدينية التي رفعتها الأطراف المتصارعة.
وكذلك في سيناء، خاضت القوات المسلحة حربًا شرسة ضد تنظيم «داعش والجماعات الاسلامية وعناصر الدولة الاسلامية»، رغم ادعائه تمثيل الإسلام وتطبيق الشريعة، لأن الدولة تعاملت معه بوصفه تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية ولأمن المواطنين المصريين.
أما في إدارة ملف غزة، فقد تحركت الدولة المصرية وفق حسابات دقيقة تراعي الأمن القومي المصري أولًا، والالتزامات الدولية، واستقرار الحدود، مع الحفاظ على الدور السياسي والإنساني لمصر، دون أن تنزلق إلى قرارات عاطفية أو أيديولوجية لا تراعي مصلحة الدولة المصرية أولًا.
لذلك في عرف الجيش المصري، لا وجود لمقولة 'حفنة التراب' أو انصر اخيك المسلم ظالما او مظلوما او الفكر الأممي؛ بل هناك في وجدان كل جندي، وفي قلب مراكز التدريب، مساحة جغرافية محرمة ومصونة تُسمى بـ *'الأرض المقدسة'، لا يجرؤ أن تطأها قدما وهذا انعكاس واضح لقدسية الوطن وأرضه في عقيدة الجيش المصري.
أما الاستشهاد بتسمية القطع البحرية بأسماء الصحابة كـ 'خالد بن الوليد' أو 'عمرو بن العاص'، أو إظهار الشعارات الحماسية، فذاك تسطيح طفولي لآليات إدارة الدول. إن قيادة الجيش، بإدراكها العميق لتركيبة اغلب عناصر الشعب الأيديولوجية المستعدة لبيع مقدرات الأوطان في سوق 'الولاء والبراء الفقهي'، وتعاملها الذكي مع العاطفة الدينية للشعب، تستخدم هذه التسميات كأدوات بروباجندا استهلاكية ذكية للاحتواء النفسي وتأمين الجبهة الداخلية، وليست منهاجًا تدار به غرف العمليات.
إن المؤسسة العسكرية المصرية لا تتحرك بالفتاوى، ولا تُدار بمنطق الولاءات الأيديولوجية، ولا تستجيب لاستدعاءات عاطفية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. وإنما تحكمها الخرائط، وتقديرات الموقف، وموازين القوى، والقانون الدولي، ومتطلبات الأمن القومي المصري.
إن تحركات القوات المسلحة المصرية وواقعها تثبت يقينًا أنها تدوس على الخيالات الأممية تحت أقدامها؛ فالجيش لا تحركه الفتاوى ولا صكوك الولاء والبراء، بل تحكمه الخرائط، والحدود، والسيادة الوطنية المطلقة."
فالجيش المصري، في جوهره، هو التعبير الأوضح عن فكرة الدولة الوطنية حين تتجسد قوةً منظمةً، ووعيًا استراتيجيًا، وإرادةً لا تعرف إلا معيارًا واحدًا: مصر أولًا وأخيرًا.