11/06/2026
المأساة السورية بين انكسار الوعي وتصدع الثقة: نحو إعادة بناء الإنسان قبل الدولة
حكمت معجونو
ليست المأساة السورية مجرد حربٍ طالت سنواتها، ولا مجرد أزمة سياسية معقدة يمكن تفسيرها بصراع على السلطة أو النفوذ. إنها في جوهرها أزمة أعمق بكثير، تتعلق ببنية الوعي نفسه، وبطريقة تشكّل علاقة السوريين مع بعضهم البعض، ومع الدولة، ومع مفهوم “الآخر”. ففي مسار طويل من التاريخ السياسي والاجتماعي، تراجع التفكير النقدي لصالح القوالب الجاهزة، وتقلصت مساحة الحوار لصالح الخوف، وتحول التنوع من مصدر غنى إلى مصدر توتر دائم.
إن غياب التفكير النقدي لا يحدث فجأة، بل يتشكل عبر تراكمات طويلة. ففي الحالة السورية، لعبت المنظومة التعليمية دوراً في تكريس ثقافة الحفظ والتلقين على حساب السؤال والتحليل، ما أضعف قدرة الأجيال على التفكير المستقل. كما ساهم الإعلام في فترات طويلة في تقديم رواية أحادية للواقع، بدل أن يكون مساحة لتعدد الأصوات وتنوع القراءات. ولم تكن الأسرة بمعزل عن هذا السياق، إذ تأثرت هي الأخرى بثقافة اجتماعية وسياسية تميل إلى الطاعة والحذر أكثر من الحوار والنقاش.
ومع مرور الزمن، تشكل وعيٌ جمعي لم يُبنَ على النقد والانفتاح، بل على الخوف والتوجس من المختلف. وهنا تبدأ الإشكالية العميقة: حين لا يتعلم الإنسان كيف يفهم الآخر المختلف، يبدأ أولاً بتخيّله، ثم بالخوف منه، ثم بإعادة إنتاج صور نمطية عنه، تتحول مع الوقت إلى قناعات راسخة.
هذا الانغلاق المعرفي تزامن مع بنية سياسية شديدة المركزية، خصوصاً خلال حقبة حافظ الأسد ثم بشار الأسد، حيث جرى تقليص المجال العام وإضعاف الحياة السياسية المستقلة، لصالح منظومة حكم تعتمد على الضبط الأمني أكثر من المشاركة المجتمعية. وفي ظل غياب السياسة كفضاء للحوار، تراكمت الأسئلة العميقة في الداخل دون أن تجد قنوات صحية للتعبير أو المعالجة.
ومع غياب الثقة بالمؤسسات، بدأت الهويات الأولية بالتصاعد: الطائفة، القومية، المنطقة، والعائلة. ليس لأنها أقوى بطبيعتها، بل لأن الدولة لم تنجح في ترسيخ هوية وطنية جامعة قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. وهكذا، ومع تراجع الإحساس بالمشترك، بدأ الأفراد بالاحتماء داخل دوائرهم الضيقة، وتحولت هذه الدوائر تدريجياً إلى حدود غير مرئية تفصل بين السوريين بدل أن تجمعهم.
لم يكن الصراع الكردي–السوري حالة استثنائية خارج هذا المسار العام، بل أحد تعبيراته الأكثر وضوحاً. فقد عانى كثير من الكُرد السوريين من سياسات إقصائية وتمييزية، كان أبرزها ما نتج عن الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962، والذي أدى إلى تجريد عشرات الآلاف من الجنسية السورية، وما ترتب على ذلك من حرمان من الحقوق المدنية والقانونية الأساسية.
كما واجهت اللغة والثقافة الكردية في فترات مختلفة قيوداً حدّت من حضورها في المجال العام، ما عزز شعوراً لدى قطاعات واسعة من الكُرد بأن هويتهم القومية لم تُدمج بشكل عادل داخل بنية الدولة السورية. وفي المقابل، يرى الكُرد أن مناطق وجودهم التاريخي في شمال وشمال شرق سوريا (كردستان الغربية) تشكل جزءاً من جغرافيا كردستان التاريخية، وأن السياسات المركزية الطويلة ساهمت في تهميش هذا البعد القومي والثقافي والسياسي.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود هذا التنوع أو في المطالب القومية بحد ذاتها، بل في غياب إطار وطني جامع قادر على إدارة هذا التنوع بشكل عادل. فحين تغيب العدالة، وتضعف الثقة، وتختفي المؤسسات القادرة على تمثيل الجميع، تتحول الهويات من عناصر غنى إلى مصادر توتر، ومن جسور تواصل إلى خطوط فصل.
ثم جاءت لحظة الانفجار الكبرى مع أحداث عام 2011، لتكشف حجم التشققات التي تراكمت لعقود. ومع تحول الأزمة إلى صراع مسلح، وتزايد العنف والخوف والدعاية والاستقطاب، انهار ما تبقى من المساحة المشتركة بين السوريين. وتقدمت الانتماءات الفرعية على حساب الانتماء الوطني، وأصبح كثير من السوريين ينظرون إلى بعضهم البعض من خلال الهويات المسبقة، لا من خلال التجربة الإنسانية المشتركة.
لكن من الخطأ اختزال الأزمة السورية في بعدها الهوياتي فقط. فالمشكلة ليست في التنوع ذاته، بل في غياب عقد اجتماعي عادل يضمن المساواة ويعترف بهذا التنوع بوصفه أساساً للوطن لا تهديداً له. فالتنوع لا ينتج الصراع، بل غياب العدالة هو ما يحوله إلى صراع.
إن الخروج من هذا الواقع لا يمكن أن يكون سياسياً أو أمنياً فقط، بل هو في جوهره مشروع لإعادة بناء الإنسان قبل الدولة. مشروع يبدأ من التعليم الذي يعلّم التفكير لا الحفظ، ومن الإعلام الذي يفتح المجال للنقاش بدل التلقين، ومن ثقافة اجتماعية تعترف بالاختلاف بدل أن تخشاه.
وهنا تتضح الحلقة الأخيرة في هذا المسار: فإعادة بناء الثقة بين السوريين، وإعادة تعريف الآخر بوصفه شريكاً في الوطن لا تهديداً له، ليست خطوة منفصلة عن بناء الدولة، بل هي شرطه الأساسي. لأن أي مشروع سياسي أو اقتصادي سيظل هشاً ما لم يُبنَ على أرضية اجتماعية تعترف بالمواطنة المتساوية، وتعيد ترميم العلاقة بين المكونات المختلفة.
إن سوريا التي يمكن أن تنهض من جديد ليست تلك التي تتجاهل ماضيها، بل تلك التي تفهمه بعمق، وتواجهه بصدق، وتستخلص منه دروساً حقيقية. وعندها فقط يمكن أن يتحول التنوع من مصدر قلق إلى مصدر قوة، وأن تتحول الذاكرة الجريحة إلى بداية وعي جديد، وأن يتحول السوري من خائف من الآخر إلى شريك له في مستقبل واحد.
------------