06/08/2026
✒النائب ناجي الشهابي يكتب | ملف الجنيه المصري.. من دفع الفاتورة؟ (٤ من ٨)
من عاقب المدخر المصري؟.. حين أصبحت الثقة في الجنيه فاتورة يدفعها صاحب تحويشة العمر
هناك مواطن مصري ربما لم يأخذ نصيبه الكافي من الحديث عن أزمة الجنيه.
لم يشتر الدولار للمضاربة.
ولم يهرب أمواله إلى الخارج.
ولم يشتر عقارًا في دولة أخرى.
ولم يكن طرفًا في مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد.
بل فعل ما يفترض أن تطلبه منه أي دولة:
عمل.. وادخر.. ووثق في عملته الوطنية ووضع تحويشة عمره بالجنيه المصري.
فماذا حدث له؟
■ دعونا نضع مثالًا بسيطًا أمامنا
لنفترض أن مواطنًا كان يمتلك مليون جنيه عندما كان الدولار في حدود 7 جنيهات.
كانت القيمة الدولارية الاسمية لهذا المبلغ تتجاوز 140 ألف دولار تقريبًا.
ماذا يحدث للمليون جنيه نفسه عندما يصبح الدولار 50 جنيهًا؟
تصبح قيمته، إذا قسناها بالدولار:
20 ألف دولار فقط.
وهنا يجب أن أكون دقيقًا.
لا يعني ذلك أن الرجل خسر فعليًا أكثر من 120 ألف دولار؛ فهو لم يكن يمتلك دولارات أصلًا.
كما أن مدخراته، إذا كانت وديعة مصرفية، حققت فوائد خلال هذه السنوات.
لكن المقارنة تكشف شيئًا لا يمكن تجاهله:
القوة الخارجية للجنيه الذي ادخر به المواطن تراجعت تراجعًا هائلًا.
والقصة لا تنتهي هنا.
■ فالمدخر لا يعيش بالدولار.. وإنما يشتري السلع والخدمات
لذلك فإن المقياس الأكثر عدالة هو:
ماذا حدث للقوة الشرائية للمليون جنيه؟
وهنا يدخل التضخم إلى الصورة.
فعندما تنخفض العملة في اقتصاد يعتمد على الاستيراد في جزء مهم من غذائه وطاقته ومعداته ومدخلات إنتاجه، تنتقل نسبة من انخفاض العملة إلى الأسعار.
وهذا ما عاشه المصري بالفعل.
فما كان يستطيع شراءه بمائة جنيه أصبح يحتاج إلى مئات.
وما كان يستطيع شراؤه بمليون جنيه قبل سنوات، أصبح يحتاج إلى ملايين.
إذن الخسارة الحقيقية لصاحب المدخرات لم تكن أن رقم حسابه البنكي اختفى.
الرقم ظل موجودًا وربما ازداد بالفوائد، لكن ما يستطيع هذا الرقم شراءه انخفض.
وهنا تكمن المأساة.
■ الفائدة البنكية.. هل عوضت الخسارة؟
سيقول قائل:
لكن صاحب المليون جنيه لم يضع أمواله تحت المرتبة!
كان يستطيع وضعها في البنك والحصول على فوائد مرتفعة.
وهذا صحيح.
ولذلك لا يجوز أن نحسب خسارة المدخر المصري من سعر الدولار وحده.
يجب أن نضع في الحساب:
الفوائد التي حصل عليها، مقابل التضخم الذي تحملّه.
فإذا كان البنك يمنحه مثلًا عائدًا قدره 15%، بينما أسعار احتياجاته ترتفع 25% أو 30%، فهو يصبح أغنى على كشف الحساب البنكي...
وأفقر بالقوة الشرائية.
وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما تضيع وسط الحديث عن شهادات الـ18% والـ23.5% والـ27% وغيرها.
العائد الاسمي ليس هو العائد الحقيقي.
إذا حصلت على فائدة مرتفعة، لكن الأسعار ارتفعت بنسبة أكبر، فإن أموالك زادت عددًا بينما انخفضت قدرتها على شراء السلع والخدمات.
■ وهنا تظهر المقارنة الأكثر إيلامًا
تخيل شخصين كانا يمتلكان الثروة نفسها.
الأول قال:
أنا أثق في الجنيه المصري.
فاحتفظ بثروته بالجنيه ووضعها في البنك.
والثاني قال:
سأحتفظ بجزء كبير من ثروتي بالدولار.
مع كل تخفيض للجنيه، ماذا حدث؟
صاحب الجنيه حصل على فوائد.
لكن صاحب الدولار وجد أن كل دولار يمتلكه أصبح يشتري جنيهات أكثر.
فالدولار الذي كان يساوي نحو 7 جنيهات أصبح في مراحل لاحقة 18...
ثم تجاوز 24...
ثم اقترب من 31...
ثم اقترب من 50 جنيهًا.
وهكذا حدثت، على امتداد سنوات، إعادة توزيع هائلة للقوة الشرائية بين من احتفظ بثروته بالجنيه ومن احتفظ بها بالعملة الأجنبية.
وهذه ليست مسألة نظرية.
إنها تمس ملايين الأسر المصرية.
■ وهنا أسأل سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون اقتصاديًا
ماذا كانت الرسالة التي تلقاها المواطن من كل ذلك؟
هل كانت الرسالة:
ثق في عملتك الوطنية وادخر بها؟
أم أصبحت الرسالة العملية:
من اشترى الدولار مبكرًا حمى جزءًا أكبر من ثروته، ومن احتفظ بالجنيه تحمل جانبًا أكبر من تكلفة الأزمة؟
هذه النتيجة في ذاتها خطيرة جدًا على أي اقتصاد.
لأن العملة الوطنية ليست مجرد أوراق نتبادلها.
إنها عقد ثقة بين المواطن والدولة.
المواطن يعمل ثلاثين أو أربعين سنة، ويحصل مقابل عمله على الجنيه، ثم يؤجل استهلاكه ويدخر جزءًا من دخله.
وعندما يفعل ذلك فهو يقول للدولة ضمنيًا:
أنا أثق أن العملة التي أحصل بها على مقابل عملي اليوم ستحتفظ بجزء معقول من قيمتها غدًا.
فإذا تكررت الصدمات الكبيرة في قيمة هذه العملة، تتضرر هذه الثقة.
ويبدأ المواطن في البحث عن مخزن آخر للقيمة:
دولار...
ذهب...
عقار...
أي شيء إلا العملة الوطنية.
ثم نتساءل بعد ذلك:
لماذا يشتري المصريون الدولار والذهب؟
■ الأخطر أن المدخر لم يكن مسؤولًا عن القرارات
صاحب الوديعة لم يحدد حجم الدين الخارجي.
ولم يقرر حجم الاقتراض.
ولم يحدد أولويات الإنفاق العام.
ولم يتفاوض مع صندوق النقد.
ولم يتخذ قرار تحرير سعر الصرف.
ولم يقرر في مارس 2024 انتقال الدولار الرسمي خلال فترة قصيرة من نحو 31 جنيهًا إلى مستويات قاربت 50 جنيهًا.
لكنه تحمل جانبًا من نتائج كل ذلك.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يجوز أن تتحول مدخرات المواطنين إلى إحدى الأدوات غير المباشرة لامتصاص تكلفة الاختلالات الاقتصادية؟
لا أصف ذلك قانونيًا بأنه «مصادرة»، لأن أموال الناس لم تؤخذ من حساباتهم.
لكن اقتصاديًا حدث شيء يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا:
جرى اقتطاع غير مباشر من القيمة الحقيقية لمدخراتهم بفعل التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه.
والفارق بين الاثنين مهم قانونيًا...
لكنه بالنسبة لصاحب المعاش الذي اكتشف أن تحويشة عمره لم تعد تشتري ما كان يتوقع أن تشتريه، قد لا يكون مريحًا كثيرًا.
■ ثم هناك مفارقة أخرى
حين ترتفع الفائدة لمواجهة التضخم وانخفاض العملة، يحصل صاحب الوديعة على عائد أعلى.
لكن من يدفع هذه الفائدة؟
البنوك والدولة والاقتصاد في النهاية.
وترتفع تكلفة الاقتراض على الشركات.
وترتفع تكلفة خدمة الدين الحكومي.
أي أننا ندخل في دائرة:
تنخفض العملة ← ترتفع الأسعار ← ترتفع الفائدة ← ترتفع تكلفة الدين والتمويل.
ثم يحتاج الاقتصاد إلى موارد أكبر لمواجهة النتائج.
ولهذا فإن تخفيض العملة ليس مجرد رقم يخص تجار العملة.
إنه قرار تمتد موجاته إلى الاقتصاد كله.
■ لكنني لا أريد أن أظلم الحساب
هناك سؤال يجب أن نجيب عنه بالأرقام:
إذا وضع مواطن مليون جنيه في البنك وظل يجدد ودائعه ويحصل على العوائد طوال السنوات الماضية...
فهل عوضته هذه العوائد فعلًا عن التضخم وانخفاض القوة الشرائية؟
هذا يحتاج إلى حساب سنة بسنة، وبحسب نوع الوديعة والعائد المتاح في كل فترة.
لذلك لن أضع رقمًا نهائيًا للخسارة قبل إجراء هذا الحساب.
لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى مبالغة هي:
من احتفظ بمدخراته بالجنيه تعرض لمخاطر تضخم وسعر صرف هائلة، بينما كان من يمتلك أصلًا دولاريًا محميًا بدرجة أكبر من انخفاض قيمة العملة المحلية.
وهنا أصل إلى القضية التي تعنيني:
المشكلة ليست فقط أن الدولار أصبح أغلى.
المشكلة أن سنوات من عمل المواطن وادخاره أصبحت تشتري أقل.
وهذا هو الوجه الإنساني الحقيقي لانخفاض العملة.
فخلف كل رقم نراه على شاشة البنك...
هناك موظف ادخر لمستقبل أولاده.
وأب ادخر لزواج ابنته.
وصاحب معاش ادخر لسنوات الشيخوخة.
وأسرة ادخرت لشراء شقة.
وأناس اختاروا الجنيه لأنهم وثقوا في عملة بلدهم.
وهؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد متفرجين على انخفاض الجنيه... كانوا جزءًا ممن دفعوا فاتورته.
ويبقى السؤال:
إذا كان المواطن قد دفع من قيمة راتبه ومدخراته، فهل كانت الدولة نفسها بمنأى عن الخسارة؟
الإجابة: لا.
بل ربما تكون الخزانة العامة واحدة من أكبر من تحملوا تكلفة انخفاض الجنيه.
■ في الجزء الخامس:
الحكومة نفسها دفعت ثمن انخفاض الجنيه.. فمن حمّل الخزانة العامة هذه الفاتورة؟
سنناقش كيف انعكس انخفاض الجنيه على تكلفة الدين الخارجي، والدعم، والوقود، والمعدات، ومواد البناء والمشروعات العامة...
ولماذا قد تكون الدولة التي اتخذت قرار تخفيض العملة قد أصبحت هي نفسها واحدة من أكبر من دفعوا ثمنه؟
في الجزء الخامس تحديدًا،