20/08/2026
#هدايا1448هـ
في إثبات نبوة خاتم المرسلين
تأليف
محمد الششتاوي أبي العينين عبد الله
بشعبة التوحيد والمنطق
(1355هـ = 1936م)
تقديم
أ.د. نظير محمد عياد
مفتي جمهورية مصر العربية
رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم
ورئيس تحرير مجلة الأزهر
لم تكن النبوة عبر التاريخ البشري مجرد حدث عابر أو خيار ثانوي في حياة الإنسان، بل هي ضرورة وجودية، وعقلية، واجتماعية تجيب عن أعمق الأسئلة الإنسانية وتضع المنهج الأقوم لحياة متوازنة تجمع بين متطلبات الروح والدنيا.
ارتباط الخالق بالمخلوق ومصدر المعرفة: إن الإنسان بوصفه مخلوقًا متميزًا زُوِّد بالعقل والغرائز، يقف بحاجة أصيلة إلى ارتباط وثيق يربطه بخالقه وموجده، وتأتي الرسالات السماوية لترسيخ هذه الصلة بين (الصنعة والصانع)، لتضمن استقامة الفطرة البشرية على الهدف الذي خُلقت من أجله؛ فالعقل البشري على الرغم من قدراته الفائقة، يظل محدودًا في إدراكه للغيبيات والمعارف الكبرى التي لا سبيل إلى التيقن منها إلا عبر مصدر معصوم؛ فلولا الوحي الإلهي لما استطاع العقل استيعاب أصل نشأة الكون، وأسرار السماوات والأرض، ودقائق مراحل خلق الإنسان والتسامي بها.
هداية العقل وتنظيم التكاليف: ومن الجوانب الجوهرية لضرورة النبوة أنها تضع الحد الفاصل بين التفكير العقلي والتكليف الشرعي؛ إذ إنَّ العقل يستطيع إدراك وجود الخالق وعظمته، لكنه يعجز بمفرده عن معرفة كيفية العبادة الصحيحة التي يرضاها الله تعالى، من هنا تنبع أهمية الهدي النبوي الذي يحدد تفاصيل الطاعات وأحكامها، ويقطع الأعذار أمام المكلفين بحسم مسألة الثواب والعقاب، وتوضيح معالم الحلال والحرام، مما يزجر النفس عن اتباع الهوى والشهوات.
التشريع والاجتماع البشري: وعلى الصعيد الاجتماعي، وبما أن الإنسان مدنيٌّ بطبعه لا يستغني عن مشاركة أقرانه والتفاعل معهم، فإن هذا الاجتماع ينجم عنه تعارض في المصالح وتنازع في الآراء، ولا يمكن الاستقرار إلا بوجود قانون شرعي كلي يستند إلى مرجعية إلهية عادلة تحسم النزاعات وتمنع الظلم؛ إذ أثبتت التجربة الإنسانية عجز البشر عن وضع قوانين عامة يتفقون عليها جميعًا دون جور أو انحياز.
خاتمة: تتعدى فوائد الرسالات الحدود التشريعية إلى أبعاد كونية وإنسانية شاسعة؛ فهي تُطلع الإنسان على أخبار وطبائع الأمم السابقة للاعتبار والاتعاظ، وتقدم حلولًا شمولية لمشكلات مختلف العصور، فضلًا عن دورها في ترسيخ مكارم الأخلاق، وتعليم الصناعات والعلوم النافعة، ومساندة العقل البشري في كل ما يعزز كرامة الإنسان ونجاته في الدنيا والآخرة.