الاشتراكيون الثوريون

الاشتراكيون الثوريون كل السلطة والثروة للشعب

بدأ تيار الاشتراكيين الثوريين في الظهور في مصر في نهاية الثمانينات حاملا نقدا جذريا للنموذج السوفيتي ورافضا التبعية له فكريا معتبرا إياه أحد أشكال النظم الرأسمالية التي ترفضها الاشتراكية. وامتد نقد الاشتراكيين الثوريين لمنظمات اليسار الجذري المتأثرة بالنموذج السوفيتي سواء في الحياة الداخلية للتنظيمات اليسارية التي افتقدت لآليات الديموقراطية الداخلية. أو في الأفكار والممارسة التي تأثرت بسلبيات النم

وذج السوفيتي. ومن هنا كانت معركة الاشتراكيين الثوريين الأولى هي إعادة الاعتبار للأفكار الثورية وتخليصها من الجمود واستعادة منهج التفكير الثوري في علاقته بالواقع بدلا من ترديد المقولات المدرسية. وذلك عبر معالجة قضايا الواقع المصري بأدوات التحليل العلمية وتحطيم القوالب الجاهزة التي ورثتها الحركة اليسارية المصرية، مستخدمين الإصدارات التي أصروا على استمرارها على مدار عشرين عاما وفي أصعب الشروط السياسية والأمنية والمادية من جرائد ومجلات وكراسات وكتب ودراسات مؤلفة ومترجمة، في محاولة لتسليح المناضلين الثوريين بالأفكار وخلق النقاش الخلاق حول مختلف القضايا.
للمزيد عن الحركة: https://revsoc.me/revolutionary-socialists

شهداء لقمة العيشفتيات مصر بين مطرقة الحاجة وسندان رأس المال نستيقظ كل فترة على خبر جديد عن عمال وفقيرات سقطوا ضحايا للذه...
03/09/2026

شهداء لقمة العيش
فتيات مصر بين مطرقة الحاجة وسندان رأس المال

نستيقظ كل فترة على خبر جديد عن عمال وفقيرات سقطوا ضحايا للذهاب إلى العمل في مصر. يخرجون بحثًا عن لقمة العيش، فيجدون أنفسهم داخل «سيارات الموت» وعلى «طرق الموت»، بلا نقل آمن، ولا تأمين، ولا رقابة حقيقية، ولا حد أدنى من شروط السلامة.
يدفع الفقر الناس إلى بيع أغلى ما يملكون: قوتهم وصحتهم، وأحيانًا حياتهم نفسها، مقابل يومية لا تتجاوز في كثير من الحالات مئة أو مئة وخمسين جنيهًا. والمشكلة ليست في حادثة واحدة، وليست مجرد خطأ من سائق تختزله الرواية الرسمية أحيانًا. المشكلة أعمق: منظومة كاملة تجعل حياة الفقراء أرخص من تكلفة تأمينهم.

فتيات العنب… عندما تتحول لقمة العيش إلى رحلة موت

لن يُنسى حادث فتيات العنب الذي أودى بحياة ثمانية عشر فتاة من محافظة المنوفية، تراوحت أعمار الكثير منهن بين الرابعة عشرة والعشرين، أثناء توجههن إلى العمل في مزارع العنب بمدينة السادات. كن يذهبن مقابل أجور يومية هزيلة، ورد أنها دارت حول 120 و130 جنيهًا، في رحلة تقارب ستين كيلومترًا من قراهن. وكانت المركبة تحمل عددًا يفوق طاقتها القانونية.
هنا يجب أن نتوقف ونسأل: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها ذهاب فتاة إلى عملها رحلة قد لا تعود منها؟ ومن المسؤول حين تعرف الدولة أن ملايين العمال يذهبون يوميًا إلى المزارع والمصانع داخل مركبات متهالكة ومكتظة، بلا حماية، ثم لا تتحرك إلا بعد وقوع الكارثة؟
العمالة الزراعية… ملايين على الهامش
العمالة المؤقتة والموسمية ليست ظاهرة طارئة في الزراعة المصرية. فمنذ عقود يعتمد القطاع على عمال التراحيل والعمال الموسميين والنساء والأطفال في الحصاد والتعبئة وغيرهما. وتشير تقديرات تناولتها تقارير صحفية وحقوقية إلى أن العمالة الزراعية المؤقتة تبلغ نحو 2.6 مليون عامل، وأن عدد الأطفال العاملين في مصر يقارب 1.6 مليون طفل، يعيش نحو 83% منهم في الريف.
هذه ليست حالات فردية. هذا مجتمع كامل يعيش على هامش سوق العمل: بلا عقد واضح، ولا تأمين، ولا وسيلة نقل آمنة، ولا قدرة حقيقية على التفاوض. فتاة فقيرة لا تملك في مواجهة صاحب المزرعة أو مقاول الأنفار سوى جسدها وقدرتها على العمل. فماذا يحدث حين يصبح الفقر هو صاحب العمل الحقيقي؟

حياة قابلة للاستبدال

المأساة الأكبر أن حياة الفقراء تبدو في هذه المنظومة قابلة للاستبدال. إن مات عامل جاء آخر. وإن ماتت فتاة جاءت عشرات غيرها، لأن الفقر لا يترك رفاهية رفض العمل الخطر. وقد يُدفع تعويض لأسرة الضحية بعد موتها، لكن أي مبلغ يعيد فتاة إلى أمها؟ وأي مال يعوض طفلًا عن فقدان أمه؟
في منطق اقتصادي مجرد، قد يبدو التعويض أرخص من بناء منظومة نقل آمنة، وتأمين العمال، ومراقبة ظروف العمل، وفرض عقوبات حقيقية على المخالفين. لكن البشر ليسوا قطع غيار. الإنسان ليس مادة خام تُستبدل حين تتلف.
من يحمي الفقراء؟
السؤال الحقيقي ليس فقط: من كان يقود المركبة؟ السؤال هو: من سمح بأن تعمل هؤلاء الفتيات في هذه الظروف؟ من المسؤول عن وسيلة النقل واكتظاظها؟ من المسؤول عن غياب التأمين وتشغيل الأطفال وغياب الرقابة على المقاولين وأصحاب المزارع؟ ومن المسؤول عن منظومة اقتصادية تدفع أسرة فقيرة إلى إرسال ابنتها في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة للعمل في مزرعة بعيدة؟
اختزال القضية في «حادث طريق» يعني دفن الحقيقة مع الضحايا. فالقضية ليست طريقًا فقط. إنها فقر واستغلال وغياب حماية اجتماعية وغياب رقابة وتفاوت طبقي صارخ.

الريف الذي يدفع الثمن

لم يعد الفلاح الصغير قادرًا على تحمل تكاليف الزراعة بسهولة. ارتفاع أسعار البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، وتغير شكل الملكية الزراعية، وتراجع قدرة صغار المزارعين على المنافسة، دفعت قطاعات واسعة من الريف إلى مزيد من الفقر والاعتماد على العمل الموسمي. وهكذا لا يبقى الفقر مجرد نقص في الدخل، بل يتحول إلى نظام حياة كامل: الأرض لا تكفي، والعمل الدائم غير متاح، فيصبح العمل الموسمي البديل الوحيد.
ثم يأتي رأس المال ليقول: هناك مئات الفتيات المستعدات للعمل، ومئات الأسر المستعدة لقبول أي أجر، ودائمًا هناك من يمكن استبداله.

مقاول الأنفار… حلقة في سلسلة طويلة

شهادات صحفية عن مقاولي الأنفار، ومنها شهادات من مناطق مثل النوبارية، تكشف أن جمع العمالة للمزارع عمل ممتد منذ عقود. يجمع المقاول العمال، ومن بينهم أطفال أحيانًا، مقابل أجر للعامل أو أسرته، وعمولة للمقاول مقابل الجمع والمتابعة وتوفير النقل.
المشكلة ليست دائمًا في صاحب المزرعة وحده، ولا في السائق وحده، ولا في المقاول وحده. هناك سلسلة اقتصادية كاملة تقف فوق العامل الفقير، بينما يتحمل هو وحده تقريبًا الخطر الأكبر. المرأة والطفل والأسرة المحتاجة هم الحلقة الأضعف. أما من يملك الأرض والمال وقرار التشغيل، فغالبًا لا يجلس داخل المركبة المتهالكة.
مصر التي تنقسم إلى شعبين
المفارقة القاسية أن مصر تبدو لكثير من الفقراء بلدين: بلدًا يملك فيه أصحاب المال رفاهية الإنفاق على حفلة أو رحلة أو ليلة واحدة، وبلدًا آخر يعيش فيه ملايين على الحديدة، يبحثون عن أي يومية تطعم الأسرة. لذلك يبدو سؤال بعض الميسورين: «لماذا يعمل الأطفال؟» منفصلًا عن واقع الناس. الناس لا تجد… فماذا تفعل؟ تموت جوعًا؟
هذه ليست دعوة إلى تشغيل الأطفال. إنها إدانة لنظام يجعل الأسرة مضطرة للاختيار بين الفقر المدقع وعمل غير آمن. الطفل لا ينبغي أن يعمل. والفتاة لا ينبغي أن تذهب إلى عملها في سيارة موت. والعامل لا ينبغي أن يختار بين الموت جوعًا والموت على الطريق.
الدولة لا تستطيع أن تختبئ خلف السائق
بعد كل حادث تبدأ الأسطوانة المعتادة: السائق أخطأ، كان مسرعًا، المركبة مخالفة. ثم تُعلن تعويضات لأسر الضحايا. لكن ماذا عن صاحب العمل؟ وماذا عن شركة النقل أو مقاول الأنفار؟ وماذا عن شروط العمل والتأمين والرقابة والطرق؟ وماذا عن المسؤولين الذين يعرفون منذ سنوات أن العمال الزراعيين يُنقلون بهذه الطريقة؟
التعويض بعد الموت ليس سياسة حماية. التعويض آخر خطوة بعد فشل كل خطوات المنع. المطلوب أن تُمنع الكارثة قبل وقوعها.
حين تتحول الطرق إلى خطر على الفقراء
تتكرر الحوادث على الطرق الزراعية والصحراوية، بينما تستمر مشروعات الطرق في شق الأرض دون أن يكون الإنسان دائمًا محور التخطيط. الطريق ليس أسفلتًا فقط. الطريق منظومة نقل كاملة يجب أن تُصمم لحماية من يستخدمونها. وحين تجتمع مركبات مكتظة وطرق خطرة وشاحنات ثقيلة وعمال يقطعون مسافات طويلة، لا يمكن اختزال مسؤولية الدولة في مخالفة مرورية.
أما الخطاب الذي يدير المرافق المدنية بمنطق «المعركة» و«الجندي»، فيطرح سؤالًا أوسع: هل إدارة مجتمع مدني تعني إدارة معسكر؟ المواطن ليس جنديًا. والعامل ليس رقمًا في تقرير. والطريق لا يُقاس بعدد الكيلومترات المرصوفة، بل بعدد الأرواح التي حماها.
من هم «الخطر» الحقيقي؟
صار الفقراء يُعاملون في كثير من الأحيان باعتبارهم عبئًا، بينما يُعامل أصحاب القوة والثروة باعتبارهم ركنًا ثابتًا في المعادلة. العامل الذي يطالب بحقه مشكلة. الفقير الذي يحتج على الأسعار مشكلة. الطفل الذي يعمل يُحمَّل فجأة مسؤولية فقر أسرته. لكن السؤال الصحيح نادرًا ما يُطرح: لماذا وصل هذا الإنسان إلى هذه الحالة؟ لماذا لا يوجد عمل لائق؟ لماذا لا تحظى العمالة الزراعية بحماية حقيقية؟ لماذا تضطر الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل؟ لماذا تصبح حياة فتاة فقيرة أرخص من تكلفة وسيلة نقل آمنة؟
إذا كان الفقراء «ملح الأرض»، فلماذا يُعاملون كأنهم عبء عليها؟

« نبيع عافيتنا وصحتنا علشان نعيش»

تختصر كلمات أحد أبناء هذه الطبقات المأساة كلها: «إحنا ناس على قد حالنا، مفيش غير عافيتنا وصحتنا اللي بنبيعها علشان نعيش، لكن والله بنموت ألف مرة.» هذه الجملة ليست تعليقًا عابرًا. إنها اقتصاد كامل: يملك فيه الغني رأس المال، ولا يملك الفقير سوى جسده. إن خسر الغني جزءًا من ماله عوّضه. أما الفقير، فإن خسر صحته خسر مصدر دخله، وإن فقد حياته فقدت أسرته رزقها.
لذلك ليست حماية العمال رفاهية ولا منحة. إنها حق أصيل. ولا كنوز الدنيا تعوض أمًا عن ابنتها، ولا تعيد مكانًا فارغًا في البيت.

الفقراء لا يريدون الشفقة… يريدون حقوقهم

لسنا بحاجة إلى بيانات تعاطف بعد كل حادث، ولا إلى صور مسؤولين بجوار أسر الضحايا، ولا إلى تعويضات تُدفع بعد فوات الأوان. ما نحتاجه عمل آمن، وأجر عادل، وتأمين حقيقي، ووسائل نقل آدمية، ورقابة على أصحاب العمل، ومنع تشغيل الأطفال، ومحاسبة كل من يشارك في منظومة النقل غير الآمن، وحماية حقيقية للعمالة الزراعية الموسمية وغير المنتظمة.
لأن الفقير ليس رقمًا في إحصائية. والعاملة ليست يدًا يمكن استبدالها. والطفلة ليست قوة إنتاج رخيصة. إنهم بشر. وإذا كانت الدولة لا تحمي الإنسان وهو ذاهب إلى عمله ليطعم أسرته، فما قيمة الطرق والمشروعات والمليارات إن لم يجد الإنسان طريقًا آمنًا إلى لقمة عيشه؟
فتيات العنب لم يكنّ ثماني عشرة ضحية لحادث سير فقط. كنّ إنذارًا بأن هناك خللًا عميقًا في طريقة التعامل مع الفقر والعمل والمرأة والطفولة. والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا ليس فقط من قتل هؤلاء الفتيات؟ بل من صنع الظروف التي جعلت موتهن ممكنًا؟ وإلى متى سيظل الفقراء يدفعون بأجسادهم ثمن اقتصاد لا يحميهم؟ وإلى متى تظل حياة الغني أغلى من حياة الفقير؟
الفقراء لا يريدون أن يموتوا من أجل لقمة.

في" مضارب البحيرة ":حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ ​يواجه عمال شركة "مضارب أرز البحيرة" أزمة تتمثل في حرمانهم من تطبيق ...
03/09/2026

في" مضارب البحيرة ":
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ

​يواجه عمال شركة "مضارب أرز البحيرة" أزمة تتمثل في حرمانهم من تطبيق قرار الحد الأدنى للأجور، مما دفعهم لتنظيم حراك وتوجيه نداءات عاجلة لوزارة التموين للتدخل. وفقا لما نشرته "دار الخدمات النقابية والعمالية" في بيانها الصادر بتاريخ 24 أغسطس 2026، تظهر مفردات مرتب شهر أغسطس لعامل قضى 17 عاماً في الخدمة، تقاضيه إجمالياً قدره 4690.94 جنيهاً، وصافياً يبلغ 4227.32 جنيهاً فقط بعد الاستقطاعات.
​يمثل هذا الأجر، انتهاكاً لقرار وزير التموين والتجارة الداخلية، والذي ألزم الشركات التابعة بحد أدنى 7000 جنيه منذ يوليو 2025! بخلاف امتناع الإدارة المعلن عن تطبيق الحد الأدنى الجديد البالغ 8000 جنيه والمقرر تطبيقه قانوناً اعتباراً من الأول من يوليو 2026.على الرغم من تقاضي نظراؤهم في شركة "مضارب الغربية"، التابعة لنفس الشركة القابضة ونفس الوزارة وتخضع لذات اللوائح، إجمالياً يبلغ 6000 جنيه وصافياً يتجاوز 5300 جنيه. هذا التمييز، دفع العمال للمطالبة بـ"المساواة في الظلم" على الأقل، ما يعكس تردي الوضع.

يستضم العمال بتعنت الإدارة في صرف العلاوات السنوية وتعديل هيكل الأجور بالتزامن مع بداية العام المالي الجديد، متذرعة بتراكم المديونيات والخسائر المالية المستمرة، مستغلة الثغرات القانونية الخاصة بوضع شركات قطاع الأعمال العام المساهمة. هذا الوضع هو في حقيقة الأمر امتداد لأزمات هيكلية واجهت الشركة منذ تحولها إلى شركة مساهمة بموجب قرار الجمعية العمومية في عام 1999، وهو التحول الذي أسس لسياسات "الخصخصة المقنعة".
وتمدد حركات الاحتجاج بالتوازي، كما حدث في 12 نوفمبر 2012 حين أوقف عمال خمسة مضارب (دمنهور، زاوية غزال، أبو حمص، الدلنجات، وكفر الدوار) توريد أرز التموين في المحافظة بالكامل، للضغط من أجل إقالة الإدارة وحل "اتحاد المساهمين" وإعادة الشركة لقطاع الأعمال العام، وفقاً لما وثقته صحيفة "اليوم السابع". ومرة أخرى ليتصدوا لقرارات التصفية العشوائية للأصول الإنتاجية الناجحة، حيث رفض العمال قرار بيع وتصفية "مضرب المحمودية" التابع لشركة "مضارب رشيد" الشقيقة في 20 مارس 2016، والذي أسفر عن بيع 8000 متر مربع بسعر بخس أهدر 41.6 مليون جنيه من المال العام، رغم تأكيد العمال أن المضرب يعمل بكامل طاقته وليس عليه ديون، بحسب ما وثقته "جريدة الوطن".
​يواجه العمال، امتناع الإدارة عن تطبيق الحد الأدنى للأجور بحجة نقص السيولة وتراكم ديون الشركة الأم، نتيجة لسوء الإدارة، ومحاولة لتحميل العمال عبء هذا الفشل. إن المعركة من أجل الأجر العادل والمساواة هي الأساس لإحياء القطاع العام، وأي محاولات للحفاظ على والنهوض بهذا القطاع الاستراتيجي لا يمكن أن تُبنى على حساب حقوق قوى الإنتاج الحقيقية.

متى يستقيل وزير النقل؟طرق مصر تصبح مسارات للموتكتابة: يحيى مراد لقى ما لا يقل عن 22 شخص مصرعهم، وأصيب 28 آخرون، صباح الي...
03/09/2026

متى يستقيل وزير النقل؟
طرق مصر تصبح مسارات للموت
كتابة: يحيى مراد

لقى ما لا يقل عن 22 شخص مصرعهم، وأصيب 28 آخرون، صباح اليوم الأربعاء الثاني من شهر سبتمبر، في حادث إنقلاب أوتوبيس سياحي في منطقة الصاعدة على طريق دهب - نويبع بمحافظة جنوب سيناء. في بيانها الأول كانت قد صرحت وزارة الصحة أن عدد الضحايا قد بلغ 16 شخصاً، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقاً لتصبح ما يقارب 22 شخصاً من بينهم طفل وإصابة 28 وفقاً لبيانات وزارة الصحة. بينما أكدت صفحة "الموقف المصري" أن الضحايا كان من بينهم 10 من الأردنيين.

بحسب ما أوردته صفحة الموقف المصري في وصفها لموقع الحادث، فإن الطريق في منطقة الصاعدة ضيق من ناحية الأسفلت، بينما تمتد إلى جانبيه مساحات أكبر من الرمال والحصى تقع في مستوى منخفض عن الطريق ، مما يجعلها أشبه بمنحدر في حال خروج السيارة عن مسار الأسفلت، بالإضافة إلى أن منطقة الصاعدة تعد مرتفع جبلي مما يجعلها منطقة شديدة الخطورة، لذا يطلق عليها الأهالي "منطقة الحوادث" أو "منطقة الموت". حتى الآن لم تعلن الجهات الرسمية سبباً نهائياً للحادث واكتفت البيانات المنشورة بالإشارة إلى انقلاب الأوتوبيس.
لم يكن ذلك هو الحادث الأول الذي وقع على طريق دهب - نويبع، فقد شهدت المنطقة حوادث سابقة، من بينها حادث انقلاب اوتوبيس كان يقل طلاباً من كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية عام 2017 ، مما أدى إلى وفاة 10 أشخاص وإصابة آخرين. غير أن هذا الحادث يأتي ضمن سلسلة حوادث طرق دامية في أنحاء مختلفة من مصر، من الطرق الصحراوية إلى الطرق التي تربط القرى والمراكز بالمدن. قبل أسابيع قليلة فقط شهد طريق "الدواويس" بمركز القصاصين بالإسماعيلية حادث تصادم مركبتين كانتا تقلان عمال يومية مما أسفر عن مقتل 18 عامل من بينهم أطفال، قبل أن يعود ويتكرر حادث آخر على نفس الطريق بعد أيام قليلة من الحادث الأول، مما أسفر عن إصابة 24 عامل في حادث تصادم سيارة عمال مع سيارة ملاكي، كما حدث أيضاً في نفس الشهر حوادث أخرى في محافظات مختلفة منها: المنوفية وبني سويف والقاهرة وغيرها من المحافظات.
مع كل حادث جديد تتكرر نفس القصة: حادث مؤسف وضحايا ثم بيانات تعزية ثم تحقيقات لا تنتهي بتحميل المسؤولين الحقيقيين المشكلة ، وغياب تام للمحاسبة.
على مدار السنوات الماضية، تحولت الطرق والكباري إلى أبرز ما تطلق عليه الحكومة " المشروعات القومية " ، مليارات تنفق على الكباري والتحديثات والطرق الجديدة، ثم تقدم تلك المشروعات كدليل على الإنجازات والتحديثات . ولكن ما قيمة طريق جديد وإنجاز سريع إذا تعرض المواطن للموت عند أول منحنى خطر؟
في يونيو 2025 ، عقب حادث طريق الدائري الإقليمي الذي أودى بحياة 18 فتاة من العاملات باليومية، صرح "كامل الوزير" أثناء تفقده الطريق بعد الحادث: نحن لا نتهرب من المسؤولية، ولكن فين الجريمة اللي إحنا عملناها؟ إحنا جينا وقطعنا أجازتنا، وبنتفقد إجراءات الأمن والسلامة لربما نكون مش منفذين حاجة، لكن زي ما إحنا شايفين الطريق بيتطور.
كما أضاف أن "مفيش حد فوق الحساب ، وكل من أخطأ سيحاسب". ولكن بعد مرور أكثر من عام على هذا الحادث وبعد حدوث أكثر من حادث على طرق مختلفة في مصر - لا يمكن تحميلهم للأخطاء البشرية - يصبح أيضاً مطلب إقالة الوزير هو الحل المنطقي لتلك الفظائع، كما تصبح محاسبة المسؤولين هي أقل إجراء يمكن إتخاذه في هذا الموقف. فإذا كانت الوزارة مسؤولة عن تأمين مستخدمي الطرق، وإذا كانت الدولة تعلم مسبقاً أن هناك نقاط شديدة الخطورة وتتكرر بها الحوادث، فإن المسؤولية لا يمكن أن تبدأ وتنتهي مع أخطاء السائقين.
لذلك فإننا لا نطالب ببيان تعزية جديد من وزارة النقل ولا الحكومة، نطالب بإقالة الوزير وتحميل المسؤولية لكل المتسببين في الإهمال الذي أدي لكل تلك الحوادث.

اللوبي الصهيوني واليسار واليمين المتطرف: لا تدعوا الإمبريالية تفلت من المحاسبةترجمة : ماري يوسف على حراك فلسطين أن يرفض ...
02/09/2026

اللوبي الصهيوني واليسار واليمين المتطرف: لا تدعوا الإمبريالية تفلت من المحاسبة
ترجمة : ماري يوسف
على حراك فلسطين أن يرفض فكرة أن الإمبريالية الأمريكية تدعم الإحتلال الإسرائيلي بسبب لوبي صهيوني، كما يحاجج روب فيرغسون.
مرور ثلاث سنوات تقريبًا من الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، ثم الحرب على إيران، أشعلت نقاشات حول العلاقة بين الولايات المتحدة والإحتلال الإسرائيلي.
هذه الفظائع- في نظرنا- ليست إلا جزء من سجلّ دموي للتدخل الإمبريالي الأمريكي في الشرق الأوسط، وهي تنبع من نزوعه إلى السيطرة. ونحن نقول إن الدولة الأمريكية — سواء كان على رأسها رئيس ديمقراطي أو جمهوري — تدعم الاإحتلال لأن هذه المستعمرة الاستيطانية هي كلب حراسة الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.
لكن كثيرين في اليسار وداخل الحركة يخالفون هذا الرأي. فهم يرون أن الإحتلال الإسرائيلي، مسنودةً بلوبي إسرائيلي أو صهيوني؛ هو مفتاح فهم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقد تلقّف بعض اليساريين كتابًا جديدًا هو "أمريكا في قبضة قوة أجنبية — اللوبي الإسرائيلي" لإيلاي كليفتون وإيان لاستيك. وفي مقابلة حديثة عن الكتاب، ردّ لاستيك على القول إن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل لأن ذلك يخدم مصالحها الإمبريالية، فوصف "الحجة الاستراتيجية" بأنها "خاطئة ببساطة"، وأكد أن "اللوبي" هو ما كان يقف وراء السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
من المفهوم كيف ينتهي بعضهم إلى الاعتقاد بأن لوبيًا صهيونيًا هو المحرّك الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية أو البريطانية.
لكن هذا الاعتقاد خاطئ من أساسه، وهو يقلب العلاقة بين الإمبريالية الغربية وإسرائيل والصهيونية رأسًا على عقب.
إنه يُفلت الإمبريالية من المحاسبة، ويفتح الباب أمام نظريات مؤامرة تُضعف الحركة وتقوّضها. والأهم أنه لا يقدّم سياسةً قادرة على بناء استراتيجية ناجحة للتحرر الفلسطيني.
الإمبريالية البريطانية والمشروع الصهيوني
في وعد بلفور عام 1917، أكدت الدولة البريطانية تأييدها لإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت الإمبرياليتان البريطانية والفرنسية تقتسمان الشرق الأوسط من على أنقاض الدولة العثمانية.
وقد سعتا إلى التحوّط من منافسين إمبرياليين محتملين ومن خطر انتفاضة الحركات القومية العربية. وكانت بريطانيا مصمّمة على تأمين قاعدة برّية للدفاع عن قناة السويس في مصر، وهي القناة التي كانت القوتان تسيطران عليها.
احتلت بريطانيا فلسطين منذ عام 1917. وكتب رونالد ستورز، أول حاكم عسكري للقدس، أن قيام دولة يهودية سيمنح "إنجلترا 'أولستر يهودية صغيرة موالية' وسط بحرٍ من العروبة التي قد تكون معادية".
وحاجّ حاييم وايزمان، وهو شخصية صهيونية محورية والمحرّك الأول للوعد، بأن الاستيطان اليهودي "سيطوّر البلاد، ويعيد إليها الحضارة، ويشكّل حارسًا شديد الفعالية لقناة السويس".
وقد لعبت بريطانيا دور الحامي للاستيطان الاستعماري الصهيوني حتى نكبة 1948. فسلّحت الميليشيات الصهيونية ودرّبتها ونفّذت معها عمليات مشتركة، وهي الميليشيات التي شكّلت لاحقًا نواة قيادة الجيش الإسرائيلي.
وبعد 1948، سلّحت بريطانيا وفرنسا إسرائيل. وفي 1956 شنّت الدول الثلاث مجتمعةً العدوان الثلاثي على مصر، بعد أن أمّم الرئيس القومي العربي جمال عبد الناصر قناة السويس.
موقع متقدّم للإمبريالية الأمريكية
في عام 1967، استولت إسرائيل على القدس الشرقية والضفة الغربية من الأردن، وعلى غزة وسيناء من مصر، وعلى هضبة الجولان من سوريا. وقد أثبتت حرب الأيام الستة هذه — ثم الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 (حرب أكتوبر) — قيمة إسرائيل بالنسبة إلى الإمبريالية الأمريكية. فصارت قلعة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وصار ضمان تفوّق إسرائيل العسكري والتكنولوجي واللوجستي والاستراتيجي على الأنظمة العربية ركنًا أصيلًا من السياسة الأمريكية. و"التفوق العسكري النوعي" الإسرائيلي مُقنَّن اليوم في القانون الأمريكي، وتسنده مخزونات ضخمة من منظومات السلاح الأمريكية.
هذه المخزونات جاهزة لتدخّل عسكري أمريكي في المنطقة، لكن القوات الإسرائيلية تستطيع استخدامها دون موافقة أمريكية رسمية.
وفي كل مرة تعرّضت فيها المصالح الأمريكية أو التفوّق العسكري الإسرائيلي للخطر، تدفّقت المعونات العسكرية الأمريكية على إسرائيل بكثافة. فقد أعقبت زياداتٌ كبرى في المعونة الأمريكية أحداثَ "أيلول الأسود" عام 1970 — أي انتفاضة منظمة التحرير الفلسطينية الفاشلة في وجه حملة القمع العسكري التي شنّها النظام الأردني.
وأعقبت زيادات أكبر الحربَ العربية الإسرائيلية عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، وحرب العراق عام 2003، ثم الإبادة الجماعية الجارية والحرب على إيران.
والاتفاقات طويلة الأمد على المعونة العسكرية محور أساسي في هذه العلاقة. وُقّعت أول مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1981. وكان الرئيس آنذاك، رونالد ريغان، يطلق أضخم حشد عسكري في زمن السلم في تاريخ الولايات المتحدة، في إطار تصعيده للحرب الباردة. وكان الاتحاد السوفييتي قد غزا أفغانستان عام 1979.
وكل مذكرة تفاهم تلت هذه الفترة زادت العلاقة بين الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل رسوخًا.
لكن لماذا تبلغ إسرائيل هذه الأهمية لدى الطبقة الحاكمة الأمريكية؟ السبب هو البنية الاستيطانية الاستعمارية والعسكرية الخاصة للدولة والمجتمع في إسرائيل.
فاليهود الإسرائيليون، بوصفهم جماعة استيطانية، لهم مصلحة مادية في أن يظلّ الفلسطينيون مسلوبين أرضهم. ومقاومة الفلسطينيين — بل مجرد وجودهم — تمثّل تهديدًا دائمًا، حسب رؤيتهم.
هذه الحقيقة المادية، لا الأيديولوجية ولا التلقين، هي ما يربط السكان المستوطنين بالدولة الصهيونية وبالإمبريالية.
وفي حين تدعم الولايات المتحدة أنظمة أخرى في المنطقة، فإن لدى هذه الأنظمة كعب أخيل قاتلًا: خطر انتفاضة شعوبها عليها. والثورة الإيرانية عام 1979 هي المثال الأبرز. فقد كان نظام الشاه ركنًا آخر من أركان السيطرة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأرسل سقوطه موجات صدمة عبر المنطقة كلها.
ولا تتطابق الاستراتيجية الأمريكية دائمًا مع الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فالإرهاب والعدوان الإسرائيليان قد يهدّدان الاستقرار ويشعلان الانتفاضات في المنطقة، وهو ما يغذّي التوترات بين الطرفين.
لكن عاملين يمنعان هذه التوترات من بلوغ نقطة الانفجار: أولهما اعتماد الولايات المتحدة على إسرائيل بوصفها حاميتها العسكرية في المنطقة، وثانيهما اعتماد إسرائيل على القوة العسكرية الأمريكية وعلى الهيمنة الأمريكية.
هل هناك لوبي صهيوني؟
نشأت الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا سياسية حديثة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردًّا على معاداة السامية في أوروبا.
وقد يئس مؤسسوها من أن يُمنح اليهود مكانًا بوصفهم متساوين مع غيرهم، لكنهم في الوقت نفسه قبلوا النظام الاجتماعي القائم. ورأوا أن دولة يهودية على غرار الدولة القومية الحديثة ستتيح لهم "الوقوف بين الأنداد".
وظلّت الصهيونية السياسية عند مؤسسيها الأوائل مشروعًا طوباويًا. لكن التحولات التي طرأت على الإمبريالية في القرن العشرين أتاحت لجيل جديد من القادة الصهاينة فرصةً سانحة. فصاروا يسعون إلى إقناع المؤسسة البريطانية بأن قيام مشروع صهيوني في فلسطين يخدم مصالح الإمبراطورية الحيوية.
منذ البداية، كانت مصالح الإمبريالية البريطانية هي التي تقف وراء دعم قيام دولة يهودية. وكان أشدّ دعاته اندفاعًا، ومنهم بلفور نفسه، الذي كان من أشدّ المؤيدين لحرب البوير في جنوب أفريقيا ومن خصوم الحكم الذاتي لأيرلندا.
وكانت القيادة الصهيونية معتمدة اعتمادًا كليًا على دعم هؤلاء. بل إنها لم تكن تحظى حتى بدعم المؤسسة اليهودية نفسها: فمجلس نواب اليهود البريطانيين عارض الوعد بشدة، كما عارضه بضراوة إدوين مونتاغو، العضو اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء.
والأمر نفسه ينطبق على الدعم الأمريكي. فجماعة الضغط الصهيونية الرئيسية، أي "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية" — أيباك — لم تكن قائمة كلوبي جدّي إلا في ثمانينيات القرن الماضي. والضمانة الأمريكية لتفوّق إسرائيل في القوة النارية سبقت بزمن طويل صعودَ أيباك كقوة سياسية معتبرة.
ولم يجد ضغط أيباك أي عناء في التوافق مع الالتزام الإمبريالي الأمريكي تجاه إسرائيل. فقد لاحظ مديرها في الثمانينيات، توماس داين، أن إسرائيل كانت تحظى أصلًا بدعم ساحق في الكونغرس، حيث كان يُنظر إليها بوصفها أقوى حلفاء الولايات المتحدة. ولاحظت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" أن الجماعة لم تكن مضطرة إلى ليّ ذراع أحد.
لا شك أن المنظمات الصهيونية تروّج لدعم لا يقبل المساومة للدولة الصهيونية. لكن تركيزها ينصبّ كله تقريبًا على تمويل حملات انتخابية بعينها، وعلى حشد التأييد الشعبي لإسرائيل، وعلى مهاجمة منتقديها.
ويقف هذا على النقيض من عمالقة صناعة السلاح، الذين يضخّون أموالًا طائلة في الضغط على صلب السياسة الخارجية: عقود التسليح، وميزانيات الدفاع، ومنظومات الأسلحة الجديدة، والبحث والتطوير، والمبيعات الخارجية.
ولوضع الأمر في نصابه: تبلغ المعونة العسكرية الأمريكية لإسرائيل نحو 3.8 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يتجاوز بكثير ما يذهب إلى ثاني أكبر المستفيدين، أي مصر. أما ميزانية الدفاع الأمريكية السنوية فتبلغ تريليون دولار.
الطبقة الحاكمة الأمريكية ليست بحاجة إلى "لوبي" يقنعها بأن إسرائيل لا غنى عنها لمصالحها.
ولأن دعم إسرائيل ترس من تروس الإمبريالية الأمريكية، فليس مستغربًا أن يشغل مؤيدو إسرائيل مواقع مفتاحية في الدولة والمؤسسة السياسية الأمريكيتين. لكن الإمبريالية الأمريكية ليست دميةً في يد لوبي صهيوني.
صحيح أن منظمات صهيونية مثل أيباك تؤدي دورًا سياسيًا وأيديولوجيًا بالغ الأهمية. لكن هذا الدور تعرّض للضغط بعد مطلع الألفية الثانية. فقد انتشر التأييد الجماهيري لفلسطين داخل الحركتين المناهضة للرأسمالية والمناهضة للحرب، وكسبت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تأييدًا واسعًا.
ومعنى ذلك أن الترويج لصورة إسرائيل بوصفها مشروعًا بطوليًا رائدًا و"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" صار عديم الجدوى.
فتحوّلت المنظمات الصهيونية إلى الترويج لتدابير تساوي بين معارضة إسرائيل ومعاداة السامية، وإلى مطاردة خصومها مطاردةَ الساحرات، وإلى تأجيج الإسلاموفوبيا. وقد تلقّف هذه الهجماتِ أنصارُ الإمبريالية الغربية والدولةُ والإعلام.
وقد رسّخ هذا الهجوم المتواصل الانطباعَ بوجود لوبي صهيوني جبّار. لكن من الخطأ النظر إلى السياسيين على أنهم "مشترون بثمن مدفوع". والمؤسسات البريطانية ليست "محتلّة".
قادتنا ليسوا بحاجة إلى رشوة كي يدعموا الإحتلال الإسرائيلي. فلبريطانيا علاقة عسكرية راسخة بالإمبريالية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
وولاء السياسيين البريطانيين للدولة البريطانية ولمصالحها الإمبريالية — ومن هذا الولاء ينبع دعمهم لإسرائيل.
إن مجلس نواب اليهود البريطانيين، و"حملة مناهضة معاداة السامية"، والسياسيين والممولين الذين يدعمون المشروع الصهيوني، جميعهم يؤدون دورًا خبيثًا ويجب التصدي لهم بلا هوادة.
لكن قدرتهم على التأثير مستمدة من دعم الدولة لإسرائيل. فالفاعل الرئيسي في قمع حركة التضامن مع فلسطين هو الدولة البريطانية ونظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة.
لا تدعوا الإمبريالية تفلت من المحاسبة
نظرية أن لوبيًا صهيونيًا يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية أو يوجّهها، لم تنشأ في اليسار.
بل جاءت من مصدر مختلف تمامًا. ففي عام 2007، نشر أستاذان في العلاقات الدولية، هما جون ميرشايمر وستيفن والت، كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية".
وقد أصاب ميرشايمر ووالت في انتقاد الاتهامات الزائفة بمعاداة السامية، لكنهما أخطآ خطأً جوهريًا في حججهما الأساسية.
فقد ذهبا إلى أن إسرائيل ليست رصيدًا استراتيجيًا حيويًا للولايات المتحدة، وأن الدعم المقدَّم لها لا يخدم مصلحتها الاستراتيجية. وهما ينتميان إلى "المدرسة الواقعية" في العلاقات الدولية، وهي مدرسة لا تناهض الإمبريالية.
وحاجّ المؤلفان بأن إسرائيل هي التي قادت الولايات المتحدة إلى الحرب الكارثية في العراق، وأنها تشوّه سياستها الشرق أوسطية برمّتها.
وفي هذا تنكّر للواقع وتبرئة للولايات المتحدة من جرائمها. فحرب العراق كانت جزءًا من محاولة أوسع من جانب الولايات المتحدة لإعادة فرض سيطرتها بعد الحرب الباردة، ولتوجيه تحذير إلى صين صاعدة.
وعلى المنوال نفسه، لم يهاجم دونالد ترامب إيران لأن إسرائيل أمرته بذلك. علأى الرغم من صحة القول بأن بنيامين نتنياهو أدّى دورًا في إقناع ترامب بانهيار النظام الإيراني وأنهما سيحققان نصرًا سريعًا.
وصعود إسرائيل كقوة إمبريالية إقليمية لم يعد يعتمد على المعونة الاقتصادية الأمريكية يعني أنها صارت أقدر على الاعتماد على نفسها اقتصاديا إلى حد كبير.
لكن الولايات المتحدة لم تكن تُقاد من أنفها، وهي لم تهاجم إيران بالتأكيد على نحو يناقض مصالحها الاستراتيجية. فالحرب على إيران كانت قيد الإعداد منذ زمن طويل. وهي جزء من احتدام التنافس على كل مستويات النظام الإمبريالي — بما في ذلك التنافس مع الصين، منافسة الولايات المتحدة الرئيسية في المنطقة.

هذه النظرية تفتح الباب أمام معاداة السامية
إن قلب العلاقة بين الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل واللوبي الصهيوني رأسًا على عقب قد يقود إلى انحدار نحو نظريات المؤامرة المعادية للسامية.
يُقال: قد لا يشكّل اليهود سوى نسبة ضئيلة من السكان، لكنهم يشغلون مواقع السلطة ويؤثرون في سياسة الحكومة.
وعلى هوامش الحركة، يزعم بعضهم أن العالم صار محكومًا بـ"إمبراطورية يهودية" — "السلام اليهودي". وقد تعرّض الأكاديمي ديفيد ميلر للتنكيل وفُصل من جامعة بريستول بسبب مواقفه السابقة المعادية للصهيونية.
لكنه صار اليوم يروّج سمومًا معادية للسامية، ويشاطر النازيين آراءهم في "القوة اليهودية"، ويظهر في برامج حوارية يقدّمها دعاة تفوّق البيض ومنكرو الهولوكوست.
ربما لم يكن هو وغيره قد بدأوا من نقطة معاداة السامية. لكن هوسهم بمؤامراتية اللوبي الصهيوني قادهم إلى الترويج لآراء لا مكان لها في حركة التضامن مع فلسطين.
والتركيز على "الصهاينة" في مواقع السلطة والنفوذ داخل الدول والأحزاب والمؤسسات يوسّع دائرة وصول من يروّجون سرديات معادية للسامية.
وقد ينزلق نشطاء لا نية لهم في معاداة السامية إلى تداول مقولات مؤامراتية عن القوة اليهودية، أو إلى استخدام صور كلاسيكية معادية للسامية، دون وعي بوظيفتها ومعناها. وهذا أمر لا بد من التصدي له بصبر، لكن بحزم.
وليس الأمر، كما يقول بعضهم، تفضيلًا للعنصرية ضد اليهود على العنصرية ضد الفلسطينيين، ولا إعلاءً لهموم "اللغة" فوق جرائم الإبادة الجماعية. بل هو دفاع عن السياسة المناهضة للعنصرية والمناهضة للإمبريالية التي تقوم عليها حركة التضامن مع فلسطين، ودفاع عن اتجاهها.
إن الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية — واستخدام الدولة الاتهاماتِ الزائفة بمعاداة السامية سلاحًا — أدّى إلى تآكل معنى الكلمة. كما أدّى إلى نزوع لدى البعض إلى التقليل من شأنها أو إنكار وجودها أصلًا.
يقول بعضهم إن كراهية اليهود مسألة تحيّز شخصي لا عنصرية. ويقولون إن اليهود لا يتعرضون للعنصرية المؤسسية ولا لعنف الدولة كما يتعرض لهما المسلمون أو السود.
صحيح أن العنصرية المؤسسية وقمع الدولة يطالان كل جانب من جوانب حياة السود والمسلمين والآسيويين. وهذه نتائج مادية للأيديولوجيا العنصرية. لكنها ليست الشكل الوحيد للعنصرية.
فالحركات المعادية للسامية الأولى في أوروبا استهدفت أساسًا جماعات يهودية ميسورة مندمِجة تعيش في المدن. وأول القوانين المعادية للسامية استهدف تقييد دخول اليهود إلى الجامعات والوظيفة العامة والمهن الحرة.
وشكّلت الهجمات على المصرفيين والصناعيين والشخصيات الثقافية من اليهود صلبَ الدعاية النازية المعادية للسامية. العنصرية المؤسسية نتيجة مادية للأيديولوجيا العنصرية. لكن أوشفيتز نتيجة مادية لها أيضًا.
والخطأ الثاني هو تجاهل الطابع الخاص لمعاداة السامية: فهي تقدّم نفسها أيديولوجيا "مناهضة للنظام القائم". إنها تسعى إلى تفسير كل إخفاق من إخفاقات النظام الاجتماعي، وتخاطب اليأس والغضب من الخراب الذي تجلبه الأزمات الرأسمالية والكوارث والأوبئة والحروب.
واليوم تقع معاداة السامية — في صورة نظرية مؤامرة "الاستبدال العظيم" — في قلب رؤية اليمين المتطرف للعالم. وهي تحوّل العنصرية المعادية للمسلمين إلى سلاح وتزيدها رسوخًا.
إنها تتحدث عن تهديد يحدق بالحضارة الغربية البيضاء من كل جانب: "غزاة" من المهاجرين، ومسلمون، و"أيديولوجيا جندرية"، ويساريون، و"أنتيفا"، ومتظاهرو "حياة السود مهمة"، و"محاربو البيئة". وخلف هذه التهديدات جميعًا يقبع "العَولَمي" — وهي كلمة مشفّرة تعني "اليهودي" — يهندس الفوضى والانقسام.
ونظرية المؤامرة المعادية للسامية تصوّر كل خصم بوصفه جبهة أخرى في معركة وجودية ضد عدو لا يمكن هزيمته إلا بالعنف الجماعي. ولهذا فإن معاداة السامية خنجر مصوَّب إلى حلق حركاتنا جميعًا.
لا تنخدعوا بتمويه "معاداة إسرائيل" لدى تيار ماغا
إن تضخيم قوة اللوبي الصهيوني قد يهوّن من خطر اليمين المتطرف. فيُقال إن أعمال شغب اليمين المتطرف مجرد إلهاء يهندسه الصهاينة، ويُصوَّر النازي تومي روبنسون — خطأً — على أنه أداة في يد الصهاينة.
لكن هناك خطرًا آخر أيضًا. فجناح آخر من اليمين المتطرف، يعادي إسرائيل بوصفها معقلًا لـ"القوة اليهودية العالمية"، اكتسب قواعد متابعين كبيرة جدًا.
بل إن بعض "المؤثرين" من القوميين البيض اكتسبوا حضورًا بين مؤيدي فلسطين عبر الحديث عن اللوبي الصهيوني وإسرائيل. ومن هؤلاء النازي ن*ك فوينتيس، والنازيون منكرو الهولوكوست لوكاس غيج وجيك شيلدز وستو بيترز، وكانديس أوينز المعادية للسامية ذات البشرة السوداء المنتمية لليمين المتطرف "المسيحي".
لكن الشخصية الأهم هي تاكر كارلسون، المقدّم الأبرز سابقًا بشبكة "فوكس نيوز".
معاداة كارلسون للسامية ونزعته إلى تفوّق البيض مشفّرتان ومموّهتان — لكن لا تخطئهما عين. وقد أتاح منبره لسلسلة طويلة من دعاة تفوّق البيض، منهم منكر الهولوكوست داريل كوبر والنازي ن*ك فوينتيس.
وفي إحدى حلقاته، وجّه كارلسون أصابع الاتهام إلى اليهود. إذ يقول "من الواضح أن هناك جهدًا جيد التمويل وجيد التنظيم لإفناء السكان البيض في أوروبا... وستُعاقَب إن أنت لاحظت ذلك".
ويزعم أن هدف إسرائيل بعيد المدى هو "تدمير أوروبا" عبر شنّ الحروب لتغذية غزو المهاجرين. ويزعم أيضًا أن الممول اليهودي جورج سوروس يشنّ "حربًا سياسية واجتماعية وديموغرافية على الغرب".
ويتابع "برنامج تاكر كارلسون" 25 مليون متابع. وله صلات قوية بالمؤسسة الأمريكية وبالبيت الأبيض. ومشروعه هو إفساح المجال لقوى الفاشية وتفوّق البيض، وجرّ الأرضية السياسية أكثر نحو اليمين.
ولذلك فمن الخطأ الفادح أن يظهر مؤيدون لفلسطين، مثل فرانشيسكا ألبانيزي أو الطبيب ن*ك ماينارد، في برنامج كارلسون. فمثل هذه الظهورات لا تقدّم شيئًا لقضية فلسطين. بل العكس تمامًا: إنها توسّع دائرة وصول كارلسون وتمنحه شرعية.
وإعادة إنتاج سرديات المؤامرة اليهودية العالمية باستخدام كلمة "صهيوني" بدل "يهودي" ليست معاداةً للصهيونية. ليس لفلسطين أصدقاء ولا حلفاء بين العنصريين ودعاة تفوّق البيض والفاشيين والنازيين.
هؤلاء ليسوا "نافعين". وليسوا "يهتدون إلى الحق". إنهم حفّارو قبر حركتنا.
ما السبيل إلى الأمام؟
فهم دور الإمبريالية حيوي لسبب آخر: إنه يدلّنا على القوى القادرة على إسقاطها.
فالإذلال الذي لحق بالولايات المتحدة في مضيق هرمز يأتي بعد هزيمتيها في العراق وأفغانستان.
وتراجع السيطرة الأمريكية عالميًا منذ نهاية الحرب الباردة يعني أنها لم تعد قادرة على فرض هيمنتها ببساطة كما كانت من قبل. وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب على إيران اعتماد إسرائيل على الإمبريالية الأمريكية.
لكن الدولة الصهيونية والنظام الإمبريالي لن ينهارا من تلقاء نفسيهما. ولن تتخلى الولايات المتحدة عن كلب حراستها. والإبادة الجماعية في غزة مستمرة.
لقد أذلّت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن النظام الإيراني ليس قوة مناهضة للإمبريالية عن مبدأ، ولا هو نصير للنضال الفلسطيني.
فلسطين لم تكن يومًا مطروحة على طاولة المفاوضات مثلًا، وقد أحجم النظام الإيراني عن مهاجمة إسرائيل في بداية الإبادة الجماعية. بل إن له طموحاته الإقليمية الخاصة، وهو يأمل في العودة إلى الاندماج في النظام العالمي بشروط أفضل.
والطبقات الحاكمة في الشرق الأوسط جزء من النظام الإمبريالي، وتشترك معه في الخوف من جماهير المنطقة.
لكن ثمة قوة أخرى ممكنة. فأشدّ ما تخشاه القوى الإمبريالية هو فاعلية الطبقة العاملة وفقراء المنطقة — أي، على حدّ تعبير ستورز، ذلك "بحر العروبة المعادية".
وفي قلب البلدان الإمبريالية أيضًا، تخاطب فلسطين الغضب على نظام بأكمله. ومهمتنا هي تحويل هذا الغضب إلى معركة ضد دولتنا نحن على كل الجبهات.
أن تفهم الإمبريالية يعني أن تفهم قوتها وسطوتها. لكنه يعني أيضًا أن تفهم القوة القادرة على هزيمتها.

Address

El `Agûza

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الاشتراكيون الثوريون posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to الاشتراكيون الثوريون:

Shortcuts

Share