27/08/2026
في حواره مع الإعلامية سماح سعيد عبر برنامج "صد رد" خرج علينا الأكاديمي الاقتصادي والمالي حسن الصادي بالعديد من المغالطات السياسية والاقتصادية، مدافعا عن وجهة نظر طبقية متوحشة معادية للفقراء في عمومها، ولا ترتقي لتصبح رؤي اقتصادية أكاديمية تستحق التقييم أو النقاش، وكذلك التهجم بالزيف والمغالطة علي الحقبة الناصرية، في ظل تجاهل تام لحقائق التاريخ.
في هذا التقرير نسرد لكم تصحيحا وافيا عن المغالطات الفجة والتوجهات الطبقية والرؤية القاصرة التي طرحها الضيف.
❌ "الحل في نظام اقتصادي يؤدي إلي زيادة إثراء الأغنياء"
في مشهد يعيدنا بالذاكرة إلي مناقشات وتعليقات طبقة الباشاوات والاقطاعيين لقانون التعليم المجاني بمجلس الأمة، طالعنا السيد حسن الصادي، بحل اقتصادي عبقري يكمن في تجييش وجاهزية وسماح الدولة لزيادة إثراء الأغنياء أكثر من أجل فتح فرص عمل ومصانع للفقراء الغالبية!
وبعيدا عن طبقية المشهد الرأسمالية الموحشة عبر هذا العرض، التي تدفع بغالبية أبناء هذا الوطن إلي مزيد من اليأس في تحقيق طموحاتهم بتحسين جودة الحياة في ظل مجتمع مفكك لا يستشعر ما بهم، ولكنها متسقة تماما مع مصالح الضيف الخبير، إلا أنه وبشكل اقتصادي بحت فإن التسليم بأن إغناء طبقة القمة الأثرياء بمزيد من المال سينزل تلقائياً للقاعدة هو قول عشوائي وغير مثبت تاريخياً أو أكاديمياً.
فرأس المال يذهب حيث العائد الأسرع وأينما كان، في العقار، المضاربة، الاستيراد؛ والدليل علي ذلك هي فترات الانفتاح من 1974 لـ 2011 التي شهدت تراكم ثروات ضخمة، لكن نسبة تصنيع القطاع الخاص في الناتج المحلي لم تتعدي 65%، بسبب عدم وجود سياسة سوق داخلي عادل وقوي للشراء، فالقاعدة الاقتصادية تقول أن استمرارية المصنع مرتبطة بقدرة المستهلك علي الشراء.
كما يتجاهل هذا الطرح أن أي دولة صناعية كبرى بدأت بدور دولة مباشر، مثل أمريكا في إنشاء السكك الحديد، ألمانيا بالصناعات الثقيلة، كوريا الجنوبية بشركات الدولة، والصين بالخطط الخمسية.
أضف إلي ذلك أن هذا الطرح يتناسي أن القطاع الخاص يتحرك فرديًا وراء الربح متسما بالعشوائية وغياب الاستراتيجية التصنيعية العامة والقطاعية، وقد كان القطاع الخاص المصري أسيرا لإشكاليات نشأته من طبقة كبار الملاك في ظل الاحتلال، فاستمر عاجزا عن القيام بالمبادرات الاقتصادية وبناء الاستثمارات الضرورية لتحديث الاقتصاد والمجتمع.
ولأن القطاع الخاص جبان بطبعه الرأسمالي، فلن يريد أبدا أن يدخل كافة الصناعات الوطنية، بسبب ضعف وتأخر أرباحها رغم قيمتها الأمنية القومية، ومن هنا تظهر وظيفة الدولة لتقوم بتخفيض تكلفة الإنتاج لصالح كل أبناء الوطن.
❌ "عبد الناصر أفـقر الأغنياء ولم يُغني الفقراء"
مُسهبا ومستطردا في شرح وجهة نظره الطبقية المعادية للفقراء، والتي لا تعتمد علي أي قراءة اقتصادية أو اجتماعية تاريخية كانت أو أكاديمية، استشهد الضيف بحقبة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، قائلا أن عبد الناصر أفقر الأغنياء ولم يغني الفقراء، وهو قول لا يمت للواقع والتاريخ بصلة.
❌ كيف "أفـقر عبد الناصر الأغنياء" ؟!
بالرغم من أن قوانين يوليو الإشتراكية قد قامت بالتأميم وتحديد الملكية، لكن السؤال الأول: - من كانوا "الأغنياء" ؟
مجتمع 0.5% من الشعب يمتلكون 65% من الأرض الزراعية، وبعض الصناعات، وهذا الاحتكار كان بمثابة مانع قوي ضد أي تنمية.
- وهل تم إفقارهم ؟!
رغم تطبيق قوانين تحديد الملكية والتأميم فإن دولة يوليو تركت لهذه الطبقة ما يكفي ويفيض لتظل علي القمة، حيث أن ما تم توزيعه علي الفلاحين لم يتجاوز 15% من إجمالي مساحة الأراضي المنزرعة، وهو ما سمح ببناء طبقة جديدة، لكنه حافظ علي قمة طبقة الأغنياء باستحواذها علي غالب الأراضي المنزرعة.
كما أن الدولة لم "تصادر" تلك النسبة وترمي في البحر، بل حولت الأصل غير المنتج "الإقطاع" إلى أصل منتج "فلاح مالك"، كما منحت الحماية لمستأجري الأرض عبر تثبيت نظام إيجار الأرض الزراعية عند مستويات منخفضة، ووضع قواعد ثابتة لتحديد الإيجار النقدي ونظام المشاركة في المحصول، وهذه سياسة إعادة هيكلة، وليست إفقار. .
❌ وكيف "لم يُغنِ عبد الناصر الفقراء" ؟!
لعل أربع تجارب علي أرض الواقع تنسف هذا الادعاء بشكل تام ..
1- الإصلاح الزراعي: بعد إصدار قوانين الإصلاح الزراعي أصبحت 360 ألف أسرة أصبحت مالكة للأرض، فقبل ثورة 52 كان الفلاح أجير، وبعد 52 أصبح عنده دخل وملكية، إذا لم يكن هذا إغناء مباشر .. فما هو الإغناء؟!
2- التعليم المجاني: بعد إقرار مجانية التعليم بالجامعات، التحق ابن العامل والبواب وعامل النظافة والفلاح بكليات الطب والهندسة والحقوق والتربية، وتخرج ملايين المهندسين والمدرسين والأطباء والمحامين من أبناء الطبقة التي كانت فقيرة، عبر أكبر مصنع للطبقة المتوسطة، فكانت بداية الإغناء عن طريق الشهادات العليا لأبناء الفقراء.
3- التوظيف الصناعي: التحق قرابة اثنين مليون عامل بمصانع القطاع العام، بعدما أنشأت الحكومة مئات المصانع الكبرى مثل مصانع الحديد والصلب وشركات الأسمدة والغزل والنسيج، ونتيجة التوسع الصناعي الحكومي السريع في العهد الناصري، زاد عدد العاملين في الصناعات التحويلية المصرية قرابة 190%، مما أسهم في إغناء الطبقة الفقيرة، وصناعة طبقة متوسطة جديدة، وقد أصبح لهؤلاء العمال مرتب ثابت وتأمين صحي واجتماعي ومعاش، بعدما كانوا بين عواطلية وعمال تراحيل، فانتقلوا من الهامش لقلب عملية الإنتاج.
4- السد العالي: بعد إنشاء السد العالي دخلت الكهرباء للريف، وسمحت بمضاعفة الإنتاج الزراعي، كما أسهمت في توسيع وزيادة تشغيل المصانع، وأصبح الفلاح الذي كان يزرع أرضه مرة في السنة يزرعها ثلاث مرات، وانتشرت أفرع المصانع الكبري بكافة الأقاليم، مما ساهم في مضاعفة الدخول، وإغناء وتنمية طبقة الفقراء، وصناعة طبقة وسطي إجتماعية قوية ومتماسكة.
إن تقديم هذا الطرح بهذا الشكل من جانب الضيف الذي من المفترض معرفته بثوابت التحليل والطرح فهي محاولة بائسة للفصل بين أمرين متلازمين، أولهما أن التنمية ليست عملية خيرية، فالتنمية عقد، وعلي الدولة توفير بيئتها دوما، والمستثمر (الغني) والمواطن (الفقير) شركاء في العلاقة.
كما أن التجربة الناصرية كان جوهرها بناء دولة، دولة لها صناعة وتعليم وكرامة، - أخطأت؟ نعم، لكنها نقلت مصر من دولة مفككة مستعمرة إلى دولة مؤسسسات.
إن ما نحتاجه اليوم في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطن أن نستعيد من التجربة الناصرية منطق الدولة المنتجة الحاكمة، ونضيف عليه ضرورة كفاءة القطاع الخاص وعدالة السوق.
فمصر لا تحتاج أبدا مصانع "ولي النعمة"، لأن أبناء مصر شركاء في مصنع كبير له قواعد وثوابت وأصول وتاريخ اسمه الوطن.