09/07/2026
المفلس في القافلة… أمين!
في كل مرحلة يمر بها الوطن يبرز رجال يحملون هم الإصلاح ويقابلهم آخرون لا يحملون سوى هم المحافظة على امتيازاتهم. والغريب أن أكثر من يرفع شعار النزاهة قد يكون أول من يرتبك عندما تفتح ملفات الفساد وكأن الحقيقة أصبحت تهديدا لمن اعتاد العيش في الظل.
المؤسف أن بعض النواب وبعض المدراء العامين وبعض الوكلاء لم يعودوا ينظرون إلى المنصب على أنه تكليف بل غنيمة يجب الدفاع عنها بكل الوسائل. فإذا اقتربت يد القانون من ملفاتهم علت الأصوات وبدأت حملات التشويه والتسقيط وتحولت شعارات الإصلاح إلى ستار يخفون خلفه خوفهم من المحاسبة.
ومن أبلغ ما يقال في هذا المشهد: المفلس في القافلة أمين. فالمفلس الحقيقي ليس من خلت جيوبه من المال بل من خلت ذمته من الأمانة ومن أفلس في الأخلاق والمبادئ حتى أصبح لا يملك سوى الكذب والتضليل وشراء الذمم. أما الأمين، فلا يخشى تحقيقا ولا لجنة ولا رقابة لأن سجله هو من يتحدث عنه.
إن العراق لا تنقصه الثروات ولا العقول بل ينقصه أن يشعر المسؤول بأن المال العام أمانة وأن المنصب خدمة لا تجارة وأن كرسي الدولة لا يمنح صاحبه حصانة من الحساب. فالأوطان لا تنهض بالخطب الرنانة وإنما تنهض عندما يكون القانون فوق الجميع بلا استثناء ولا وساطة ولا نفوذ.
لقد تعب المواطن من الوعود ومن رؤية الوجوه نفسها تتبادل المواقع بينما تبقى الخدمات متعثرة والبطالة مرتفعة والفساد يلتهم فرص الأجيال. وما لم تبدأ محاسبة حقيقية تطال كل من عبث بالمال العام فلن يكون هناك إصلاح مهما كثرت المؤتمرات والتصريحات.
سيأتي يوم تفتح فيه كل الملفات وتسقط فيه الأقنعة ويعرف من كان يخدم العراق ومن كان يخدم مصالحه الخاصة. وعندها لن تنفع المناصب ولن تحمي العلاقات ولن يبقى إلا تاريخ يكتبه الناس وقضاء يقول كلمته ووطن يستحق أن يدار بأيد أمينة لا بأصحاب المصالح.
فالعراق أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب وأكرم من أن يبقى رهينة لفاسد يتخفى خلف لقب أو حصانة. والتاريخ لا يرحم والشعوب قد تصبر طويلا لكنها لا تنسى