10/06/2026
الأمن المائي في العراق: بين الحنين إلى الماضي وإدارة الواقع الجديد.؟
اعتاد العراقيون النظر إلى دجلة والفرات بوصفهما نهرين خالدين شكّلا عبر آلاف السنين أساس الحضارة والزراعة والاستقرار. غير أن العقود الأربعة الأخيرة شهدت تحولات جذرية في النظام المائي العراقي نتيجة الحروب، والتغير المناخي، والتوسع الكبير في مشاريع السدود والمنشآت المائية في دول المنبع، فضلاً عن النمو السكاني والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.
في ظل هذه التحولات، ما زالت الكثير من الخطط والسياسات المائية تنطلق من افتراض ضمني مفاده إمكانية استعادة الظروف المائية التي كانت سائدة في سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي. إلا أن هذا الافتراض يواجه اليوم تحدياً علمياً وواقعياً كبيراً، لأن النظام المائي الذي عرفه العراق سابقاً لم يعد قائماً بالخصائص نفسها، سواء من حيث الإيرادات المائية أو نوعية المياه أو طبيعة الأهوار والأنظمة البيئية المرتبطة بها.
علينا كخبراء أن ينطرح رؤى جديدة ومختلفة تقوم على الانتقال من محاولة استعادة الماضي إلى إدارة الواقع الجديد. فبدلاً من اعتماد خطط تستند إلى معدلات الجريان التاريخية، ينبغي تطوير سياسات تعتمد على الموارد المتاحة فعلياً، وعلى القدرة على التكيف مع ظروف الشح المائي والتقلبات المناخية المتزايدة.
ويقتضي ذلك إعادة تصميم منظومة الرصد والتقييم البيئي والمائي في العراق من خلال بناء قواعد بيانات حديثة تعتمد على الاستشعار عن بعد، ومراقبة المياه الجوفية، وقياس الملوحة، وتحليل التغيرات البيئية بشكل مستمر. كما يتطلب اعتماد مؤشرات جديدة لقياس النجاح، لا تقوم على حجم المياه المستلمة فقط، بل على كفاءة استخدامها، وقدرة المجتمعات على التكيف، واستدامة النظم البيئية المتبقية.
ومن الضروري أيضاً الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المرونة المائية عبر تنويع مصادر المياه، وتطوير مشاريع الحصاد المائي، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتعزيز التغذية الاصطناعية للمياه الجوفية، وتحسين كفاءة الري والزراعة. فالمعيار الحقيقي للنجاح لم يعد استعادة الماضي، بل ضمان استدامة الحياة والإنتاج ضمن الظروف الجديدة.
كما أن إشراك المجتمعات المحلية والجامعات ومراكز البحث في عمليات الرصد واتخاذ القرار يمثل عنصراً أساسياً في بناء حوكمة مائية أكثر فاعلية وشفافية، قادرة على التعامل مع حالة عدم اليقين التي أصبحت سمة دائمة لمستقبل المياه في العراق.
إن التحدي الأكبر أمام العراق اليوم ليس فقط نقص المياه، بل القدرة على التحرر من "فخ الحنين المائي" الذي يفترض إمكانية العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً. فالإدارة الرشيدة تقتضي الاعتراف بأن النظام المائي قد تغير بالفعل، وأن المستقبل يتطلب بناء نموذج جديد للتكيف والمرونة والاستدامة، يستند إلى الحقائق الحالية لا إلى ذكريات الماضي.
وبهذا المعنى، فإن الأمن المائي العراقي لم يعد مشروع استعادة للماضي، بل مشروع إدارة ذكية لمستقبل مختلف، تكون فيه القدرة على التكيف والابتكار أكثر أهمية من محاولة إعادة إنتاج ظروف لم تعد موجودة.