31/07/2026
الواقع المائي العراقي: من أزمة الموارد إلى بناء الأمن المائي المستدام.؟
يشهد العراق اليوم مرحلة مفصلية في إدارة موارده المائية، إذ أصبحت قضية المياه تتجاوز كونها مسألة خدمية أو قطاعية لتتحول إلى قضية أمن وطني وتنمية مستدامة واستقرار اجتماعي واقتصادي. ولم يعد التحدي مقتصرًا على انخفاض الإيرادات المائية، بل أصبح يتمثل في كيفية إدارة المياه المتاحة بكفاءة وعدالة واستدامة.
لقد أدت التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار، إلى جانب تراجع الإيرادات المائية العابرة للحدود، إلى زيادة الضغوط على الموارد السطحية والجوفية، وانخفاض حصة الفرد من المياه، واتساع فجوة العرض والطلب. كما تواجه الخزانات والسدود تحديات تتعلق بالترسبات والطمي، في حين تتعرض المياه الجوفية للاستنزاف نتيجة الحفر العشوائي وضعف الرقابة.
ورغم امتلاك العراق بنية تحتية مائية كبيرة تضم السدود والخزانات وشبكات الري، فإن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الكميات إلى الإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما يحقق أعلى قيمة لكل متر مكعب من المياه، ويربط تشغيل السدود والتخزين والإطلاقات المائية بالتنبؤات المناخية والاحتياجات الزراعية والبيئية.
كما يبرز تحديث الإطار القانوني والمؤسسي بوصفه أحد المتطلبات الأساسية، من خلال تطوير التشريعات المائية، وتعزيز صلاحيات المؤسسات المختصة، وتفعيل الرقابة على التجاوزات، وتنظيم استخدام المياه الجوفية، مع اعتماد حوكمة مائية تقوم على الشفافية وتكامل البيانات واتخاذ القرار المبني على الأدلة العلمية.
وفي الجانب الفني، تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر المياه عبر التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وحصاد مياه الأمطار والسيول، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تقليل الفواقد وتحسين كفاءة الري، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد في إدارة الموارد المائية والتنبؤ بالأزمات.
كما أن تحقيق الأمن المائي في العراق يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بثقافة ترشيد الاستهلاك، وإشراك الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص في تطوير الحلول الابتكارية، وربط السياسات المائية بالأمن الغذائي والطاقة والبيئة ضمن إطار تكاملي يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.
إن مستقبل العراق المائي لن يعتمد فقط على حجم المياه المتاحة، بل على قدرة الدولة على بناء منظومة وطنية حديثة لإدارة المياه، تتسم بالمرونة والابتكار والاستباقية، وتحول التحديات الحالية إلى فرصة لإعادة صياغة سياسة مائية وطنية تحقق الأمن المائي وتدعم التنمية المستدامة حتى عام 2050.