23/08/2026
في مثل هذا اليوم قبل 105 أعوام… تُوِّج فيصل الأول ملكًا على العراق
في صباح يوم الثلاثاء 23 آب 1921، قبل 105 أعوام من يومنا هذا 23 آب 2026، شهدت بغداد واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العراق الحديث. ففي تمام الساعة السادسة صباحًا، وفي ساحة سراي الحكومة داخل القشلة على ضفة دجلة، اعتلى الأمير فيصل بن الحسين بن علي الهاشمي عرش العراق، ليصبح الملك فيصل الأول، أول ملوك المملكة العراقية الهاشمية. حضر المراسم نحو 1,500 شخص من الوزراء والوجهاء ورجال الدين وشيوخ العشائر والوفود القادمة من مختلف أنحاء العراق، إلى جانب المسؤولين البريطانيين.
لم يأتِ يوم 23 آب من فراغ. فقد وصل فيصل إلى البصرة في 23 حزيران 1921، وفي 11 تموز 1921 اتخذ مجلس الوزراء العراقي قرارًا باختياره ملكًا، مقرونًا بنص بالغ الأهمية: أن تكون حكومة العراق «دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون». ثم جرى الاستفتاء على توليه العرش، وأُعلنت نتائجه رسميًا في 19 آب 1921 بنسبة تأييد بلغت نحو 96%. وللدقة التاريخية، لم يكن ذلك استفتاءً بالمعايير الانتخابية المعاصرة؛ فقد كانت هناك اعتراضات وشروط ومقاطعات في بعض المناطق، وهي حقيقة لا ينبغي إخفاؤها عند قراءة ذلك الزمن.
أما صباح التتويج نفسه، فقد أُقيمت منصة في فناء القشلة وفرشت بالسجاد، ووُضع عليها كرسي العرش. وكان إلى جانب فيصل المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، والجنرال أيلمر هالدين، وكيناهان كورنواليس، بينما ضمت الساحة شخصيات عراقية ووفودًا من بغداد والبصرة والعمارة والناصرية والموصل والسماوة وغيرها.
قرأ إعلان تولية الملك، ثم ارتفع العلم العراقي، وانطلقت 21 طلقة مدفعية تحيةً للملك الجديد. ولم يكن للعراق يومها نشيد وطني خاص به بعد، ولذلك عزفت الفرقة الموسيقية God Save the King. وقد كتبت غيرترود بيل إلى والدها بعد خمسة أيام، في 28 آب 1921، واصفةً مشهد اجتماع ممثلي العراق من الشمال إلى الجنوب في ذلك الصباح بأنه حدث غير مسبوق في نظرها.
واللافت كذلك أن 23 آب 1921 وافق 18 ذي الحجة 1339هـ، يوم عيد الغدير. وتذكر مصادر تاريخية عراقية أن فيصل، وهو هاشمي حسني من ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، أراد لهذا التوقيت رمزية خاصة في بلد يشكل الشيعة جزءًا كبيرًا من سكانه، حتى إن بعض الروايات تقول إنه أرجأ التتويج إلى يوم الغدير. وبصرف النظر عن مدى إمكان إثبات القصد بصورة قطعية، فإن تطابق التاريخين ثابت ومثير للاهتمام.
وقد تكون أكثر نقطة تستحق التذكر اليوم أن فيصل الأول لم يتسلم دولة كاملة السيادة جاهزة ومستقرة. كانت بريطانيا حاضرة بقوة، وكان العراق ما يزال مربوطًا بنظام الانتداب وبالنفوذ البريطاني. ولذلك فإن قصة حكمه لا ينبغي أن تُختزل لا بعبارة «صنيعة بريطانية» ولا بصورة مثالية تخلو من المشكلات؛ فالمهم هو ما حدث خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية.
في 21 آذار 1925 صدر القانون الأساسي، أي دستور المملكة العراقية، فنص على أن السيادة في المملكة الدستورية تعود إلى الشعب، وأن البرلمان يتكون من مجلس الأعيان ومجلس النواب، كما نص على المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب اللغة أو العرق أو الدين، وعلى ضمانات للحريات الشخصية وحرمة المساكن والقضاء. كانت تلك محاولة مبكرة لبناء دولة دستورية ومؤسسات دائمة بعد قرون من الحكم العثماني ثم الاحتلال والحكم البريطاني.
ثم استمرت المفاوضات الشاقة بشأن العلاقة مع بريطانيا حتى معاهدة 30 حزيران 1930، التي مهدت الطريق إلى إنهاء الانتداب. وفي 3 تشرين الأول 1932 قُبل العراق عضوًا كاملًا في عصبة الأمم، فانتهى نظام الانتداب رسميًا وأصبح العراق أول دولة خاضعة لنظام الانتداب تخرج منه وتنضم إلى العصبة، وأول دولة عربية تدخل المنظمة الدولية آنذاك. كان الملك فيصل الأول على العرش وهو يرى العراق يحصل أخيرًا على الاعتراف الدولي باستقلاله وسيادته.
ولم يعش فيصل بعد ذلك طويلًا. ففي 8 أيلول 1933 توفي في برن بسويسرا، أي بعد أقل من عام على استقلال العراق، وانتقل العرش إلى ابنه الملك غازي الأول.
لهذا فإن 23 آب ليس مجرد ذكرى تتويج رجل على كرسي ملك. إنه ذكرى بداية العهد الملكي العراقي 1921–1958، وواحدة من أبرز المحطات التأسيسية للدولة العراقية الحديثة.
في هذا اليوم، بعد 105 أعوام، نستذكر الملك فيصل الأول بن الحسين الهاشمي؛ الرجل الذي بدأ حكمه في عراق ما تزال سيادته ناقصة، ورحل وقد أصبح العراق دولة مستقلة معترفًا بها وعضوًا في المجتمع الدولي.
رحم الله الملك فيصل الأول، ورحم ملوك العراق الهاشميين، وحفظ الله العراق وشعبه.
23 آب 1921 — 23 آب 2026
105 أعوام على تتويج الملك فيصل الأول
المملكة العراقية الهاشمية 1921–1958
المصادر
١. أرشيف غيرترود بيل – جامعة نيوكاسل.
٢. مكتبة قطر الرقمية – الوثائق البريطانية الخاصة بالعراق.
٣. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
٤. مجلة الشبكة العراقية – «هكذا جرت مراسم تتويج فيصل الأول ملكًا».
٥. المكتبة الرقمية للأمم المتحدة – القانون الأساسي العراقي لسنة 1925.
٦. أرشيف عصبة الأمم – وثائق استقلال العراق وانضمامه إلى العصبة سنة 1932.
٧. الأرشيف البريطاني – وثائق العراق 1920–1921.
٨. معاهدة التحالف العراقية–البريطانية لسنة 1930