أفكار حرة

أفكار حرة Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from أفكار حرة, نينوى, Mosul.

في مثل هذا اليوم قبل 105 أعوام… تُوِّج فيصل الأول ملكًا على العراقفي صباح يوم الثلاثاء 23 آب 1921، قبل 105 أعوام من يومن...
23/08/2026

في مثل هذا اليوم قبل 105 أعوام… تُوِّج فيصل الأول ملكًا على العراق
في صباح يوم الثلاثاء 23 آب 1921، قبل 105 أعوام من يومنا هذا 23 آب 2026، شهدت بغداد واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العراق الحديث. ففي تمام الساعة السادسة صباحًا، وفي ساحة سراي الحكومة داخل القشلة على ضفة دجلة، اعتلى الأمير فيصل بن الحسين بن علي الهاشمي عرش العراق، ليصبح الملك فيصل الأول، أول ملوك المملكة العراقية الهاشمية. حضر المراسم نحو 1,500 شخص من الوزراء والوجهاء ورجال الدين وشيوخ العشائر والوفود القادمة من مختلف أنحاء العراق، إلى جانب المسؤولين البريطانيين.

لم يأتِ يوم 23 آب من فراغ. فقد وصل فيصل إلى البصرة في 23 حزيران 1921، وفي 11 تموز 1921 اتخذ مجلس الوزراء العراقي قرارًا باختياره ملكًا، مقرونًا بنص بالغ الأهمية: أن تكون حكومة العراق «دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون». ثم جرى الاستفتاء على توليه العرش، وأُعلنت نتائجه رسميًا في 19 آب 1921 بنسبة تأييد بلغت نحو 96%. وللدقة التاريخية، لم يكن ذلك استفتاءً بالمعايير الانتخابية المعاصرة؛ فقد كانت هناك اعتراضات وشروط ومقاطعات في بعض المناطق، وهي حقيقة لا ينبغي إخفاؤها عند قراءة ذلك الزمن.

أما صباح التتويج نفسه، فقد أُقيمت منصة في فناء القشلة وفرشت بالسجاد، ووُضع عليها كرسي العرش. وكان إلى جانب فيصل المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، والجنرال أيلمر هالدين، وكيناهان كورنواليس، بينما ضمت الساحة شخصيات عراقية ووفودًا من بغداد والبصرة والعمارة والناصرية والموصل والسماوة وغيرها.

قرأ إعلان تولية الملك، ثم ارتفع العلم العراقي، وانطلقت 21 طلقة مدفعية تحيةً للملك الجديد. ولم يكن للعراق يومها نشيد وطني خاص به بعد، ولذلك عزفت الفرقة الموسيقية God Save the King. وقد كتبت غيرترود بيل إلى والدها بعد خمسة أيام، في 28 آب 1921، واصفةً مشهد اجتماع ممثلي العراق من الشمال إلى الجنوب في ذلك الصباح بأنه حدث غير مسبوق في نظرها.

واللافت كذلك أن 23 آب 1921 وافق 18 ذي الحجة 1339هـ، يوم عيد الغدير. وتذكر مصادر تاريخية عراقية أن فيصل، وهو هاشمي حسني من ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، أراد لهذا التوقيت رمزية خاصة في بلد يشكل الشيعة جزءًا كبيرًا من سكانه، حتى إن بعض الروايات تقول إنه أرجأ التتويج إلى يوم الغدير. وبصرف النظر عن مدى إمكان إثبات القصد بصورة قطعية، فإن تطابق التاريخين ثابت ومثير للاهتمام.

وقد تكون أكثر نقطة تستحق التذكر اليوم أن فيصل الأول لم يتسلم دولة كاملة السيادة جاهزة ومستقرة. كانت بريطانيا حاضرة بقوة، وكان العراق ما يزال مربوطًا بنظام الانتداب وبالنفوذ البريطاني. ولذلك فإن قصة حكمه لا ينبغي أن تُختزل لا بعبارة «صنيعة بريطانية» ولا بصورة مثالية تخلو من المشكلات؛ فالمهم هو ما حدث خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية.

في 21 آذار 1925 صدر القانون الأساسي، أي دستور المملكة العراقية، فنص على أن السيادة في المملكة الدستورية تعود إلى الشعب، وأن البرلمان يتكون من مجلس الأعيان ومجلس النواب، كما نص على المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب اللغة أو العرق أو الدين، وعلى ضمانات للحريات الشخصية وحرمة المساكن والقضاء. كانت تلك محاولة مبكرة لبناء دولة دستورية ومؤسسات دائمة بعد قرون من الحكم العثماني ثم الاحتلال والحكم البريطاني.

ثم استمرت المفاوضات الشاقة بشأن العلاقة مع بريطانيا حتى معاهدة 30 حزيران 1930، التي مهدت الطريق إلى إنهاء الانتداب. وفي 3 تشرين الأول 1932 قُبل العراق عضوًا كاملًا في عصبة الأمم، فانتهى نظام الانتداب رسميًا وأصبح العراق أول دولة خاضعة لنظام الانتداب تخرج منه وتنضم إلى العصبة، وأول دولة عربية تدخل المنظمة الدولية آنذاك. كان الملك فيصل الأول على العرش وهو يرى العراق يحصل أخيرًا على الاعتراف الدولي باستقلاله وسيادته.

ولم يعش فيصل بعد ذلك طويلًا. ففي 8 أيلول 1933 توفي في برن بسويسرا، أي بعد أقل من عام على استقلال العراق، وانتقل العرش إلى ابنه الملك غازي الأول.

لهذا فإن 23 آب ليس مجرد ذكرى تتويج رجل على كرسي ملك. إنه ذكرى بداية العهد الملكي العراقي 1921–1958، وواحدة من أبرز المحطات التأسيسية للدولة العراقية الحديثة.

في هذا اليوم، بعد 105 أعوام، نستذكر الملك فيصل الأول بن الحسين الهاشمي؛ الرجل الذي بدأ حكمه في عراق ما تزال سيادته ناقصة، ورحل وقد أصبح العراق دولة مستقلة معترفًا بها وعضوًا في المجتمع الدولي.

رحم الله الملك فيصل الأول، ورحم ملوك العراق الهاشميين، وحفظ الله العراق وشعبه.

23 آب 1921 — 23 آب 2026
105 أعوام على تتويج الملك فيصل الأول
المملكة العراقية الهاشمية 1921–1958

المصادر

١. أرشيف غيرترود بيل – جامعة نيوكاسل.
٢. مكتبة قطر الرقمية – الوثائق البريطانية الخاصة بالعراق.
٣. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
٤. مجلة الشبكة العراقية – «هكذا جرت مراسم تتويج فيصل الأول ملكًا».
٥. المكتبة الرقمية للأمم المتحدة – القانون الأساسي العراقي لسنة 1925.
٦. أرشيف عصبة الأمم – وثائق استقلال العراق وانضمامه إلى العصبة سنة 1932.
٧. الأرشيف البريطاني – وثائق العراق 1920–1921.
٨. معاهدة التحالف العراقية–البريطانية لسنة 1930

🔴الجوهر و المعنى من لكش إلـى لالـش القياسات السماوية🟠 الكاتب : علو خلف الشرف ليست المعابد في حضارات وادي الرافدين نتاج م...
17/08/2026

🔴الجوهر و المعنى من لكش إلـى لالـش
القياسات السماوية
🟠 الكاتب : علو خلف الشرف

ليست المعابد في حضارات وادي الرافدين نتاج مهارة هندسية بشرية فحسب، بل ثمرة رؤية كونية ترى في البناء فعلاً مقدساً، وفي الحجر لغة تتلقى أوامرها من السماء. ومن بين أعمق الشواهد التي وصلتنا عن هذا الفهم، تبرز اسطوانة كوديا (نحو ۲۱۰۰ ق.م)، بوصفها وثيقة نادرة تكشف لحظة التقاء الإنسان بالمعرفة السماوية، حيث لا يقدّم الحاكم كمهندس مستقل، بل كمتلق لرؤية عليا تمنح له عبر كائن نوراني.

كوديا؛ الحاكم—الکاهن لم يكن گوديا، حاكم مدينة لكش السومرية ملكاً المعنى العسكري المتغطرس، بل يظهر في نصوصه وتماثيله بوصفه حاكماً زاهداً، كاهناً بنّاءً، يرى نفسه خادماً للنظام الكوني. في تماثيله الشهيرة، يجلس كوديا حاملاً لوحاً حجرياً منقوشاً عليه مخطط معماري، وعلى ركبتيه أداة القياس (المسطرة والجيل)، في إشارة واضحة إلى أن العمارة هنا علم مقدس، لا قراراً اعتباطياً. هذا المشهد وحده يكفي ليخبرنا أن المعمار السومري لم يُبن وفق ذوق بشري، بل وفق مقاييس منزلة. الرؤيا: لقاء الكائن النوراني.

تروي أسطوانة كوديا أن الحاكم رأى في حلمه/رؤياه كائناً مهيباً، مشرقاً، يفوق البشر حجماً ونوراً. هذا الكائن – الذي تذكره النصوص بوصفه رسولاً إلهياً – لم يمنحه أوامر لفظية فقط، بل قدم له مخططاً عمرانياً كاملاً لبناء المعبد، محدداً:

الأبعاد، الاتجاهات، النسب.

"العلاقة بين الأرض والسماء"

هنا لا نتحدث عن "إله أسطوري" بالمعنى السادج، بل عن مفهوم سومري عميق المعرفة لا تُخترع، بل تُمنح.
الهندسة السماوية: قياسات ليست أرضية النص لا يكتفي بالقول إن المعبد بُني بأمر إلهي، بل يشير بوضوح إلى أن القياسات نفسها سماوية.
فالزوايا، والاتجاهات، ونسب الارتفاع إلى القاعدة، كلها مرتبطة بحركة الشمس، القمر، الكواكب والفصول.

المعبد ليس مبنى، بل مرصد كوني متجسّد. وكل حجر فيه هو ترجمة لقانون فلكي. المعبد كنقطة التقاء في فکر گوديا، المعبد هو: نقطة التقاء السماء بالأرض ومكان عبور النور إلى العالم السفلي ومركز توازن بين الإنسان والكون ولهذا لم يكن اختيار موقع المعبد اعتباطياً، بل خاضعاً لعلامات ورموز فلكية، وكان المدينة كلها تبنى حول قلب سماوي ناهض.

من لكش إلى لالش استمرارية الرؤية عند تأمل العمارة الدينية الإيزيدية، وخصوصاً لالش، لا يمكن تجاهل هذا الامتداد العميق

للفكرة نفسها: القبة المخروطية: رمز الشمس والنور الصاعد
الاتجاهات المقدسة: البناء الطبقي الصاعد من الأرض إلى العلو ،القدسية المرتبطة بالمكان لا بالمادة كلها تعكس المفهوم ذاته الذي حمله گوديا البناء طقس كوني، لا فعل دنيوي. الكائن النوراني: قراءة رمزية إن الكائن الذي ظهر في رؤيا گوديا يمكن فهمه بوصفه: عقلاً كونياً وعياً أعلى أو حاملاً لقوانين الكون ليس المهم شكله، بل وظيفة: نقل المعرفة من مستوى غير مرئي إلى الواقع المادي. وهذا المفهوم نجده حياً في الذاكرة الإيزيدية، حيث تنسب المعرفة الأولى دائماً إلى مصدر نوراني سابق على الإنسان. العمارة كذاكرة أسطوانة گوديا ليست نصاً دينياً فقط، بل وثيقة ذاكرة.

ذاكرة تقول إن الإنسان القديم لم يفصل بين العلم والدين لم يعزل الفلك عن الحجر ولم ير نفسه مركز الكون، بل جزءاً من نظامه

ولهذا بقيت آثارهم صامدة، لأنها بنيت وفق قوانين لا تتغير.
خلاصة الفصل تكشف أسطوانة گوديا أن فكرة المعبد بوصفه بناءً سماوي الأصل تعود إلى أعماق الحضارة السومرية، وأن الهندسة لم تكن فناً بشرياً خالصاً، بل لغة كونية تترجم على الأرض.
ومن لكش إلى لالش، تستمر هذه الرؤية، لا كنقل حرفي، بل كوراثة فكرية وروحية، تؤكد أن الذاكرة الرافدينية لم تنقطع، بل تغيرت لغتها وبقي جوهرها.

حافات  المعاني 34 🟠 ثلاثية في تفكيك  البنية الأكاديمية العربية   (1) أكاديميون بلا ثقافة... تحرير العقل الأكاديمي من انغ...
12/08/2026

حافات المعاني 34
🟠 ثلاثية في تفكيك البنية الأكاديمية العربية (1) أكاديميون بلا ثقافة... تحرير العقل الأكاديمي من انغلاقهِ
🔴 سيّار الجميل
1- أين المشكلة ؟
ليست كل شهادة علمية شهادةً على العقل، وليست كل أستاذية دليلًا على الثقافة، وليس كل من عُلّقت على صدره الألقاب قد امتلك شيئًا من الحكمة. ثمة فرق شاسع بين أن تكون أكاديميًا وأن تكون مثقفًا، وبين أن تحفظ المعرفة وأن تمتلك عقلًا قادرًا على إنتاجها، وبين أن تتحدث بلغة التخصص وأن تكون قادرًا على فهم العالم. لقد أنتجت الجامعات، إلى جانب العلماء الحقيقيين، نوعًا آخر من "الأكاديميين": أشخاصًا نجحوا في الحصول على الشهادات، لكنهم فشلوا في بناء الإنسان الذي ينبغي أن يكون وراء الشهادة. يحمل الواحد منهم لقب الأستاذ والدكتور، وربما تتقدم أمام اسمه سلسلة طويلة من الحروف والألقاب، لكنه حين يبدأ الكلام تشعر أنك أمام مكتبة صغيرة مغلقة الأبواب والنوافذ؛ تحفظ بعض الكتب التي في داخلها، لكنها لا تعرف شيئًا عن العالم الموجود خارجها.

2- ليست مشكلة التشيؤات، وإنما فقر العقل :
الشهادة لا تمنح صاحبها ثقافة عامة
وقد يكون هذا الفقر أخطر من الجهل نفسه؛ لأن الجاهل يعرف، في أحيان كثيرة، أنه لا يعرف، بينما صاحب العقل المغلق يتوهم أنه يعرف كل شيء. إنه لا يقرأ لكي يتغير، بل يقرأ لكي يثبت ما يؤمن به مسبقًا. ولا يحاور لكي يفهم، بل يحاور لكي ينتصر. ولا ينظر إلى الفكرة الجديدة باعتبارها فرصة، بل باعتبارها عدوانًا على حصنه. ولا يرى في الإنسان الأعلم منه إضافة إلى المعرفة، بل تهديدًا لمكانته. وهكذا تتحول الشهادة من وسيلة إلى قلعة، والتخصص من أداة إلى سلاح، والجامعة من فضاء للحرية إلى خندق للدفاع عن الجهل المتعلم. ما أكثر الذين يعرفون شيئًا واحدًا معرفة ضيقة، ثم يتصرفون كما لو أنهم عرفوا العالم كله! قد تجد متخصصًا بارعًا في جزئية من اختصاصه، لكنه لا يعرف شيئًا عن الفلسفة، ولا يقرأ الأدب، ولا يتابع التحولات الاجتماعية، ولا يعرف تاريخ الأفكار، ولا يتصل بثقافات أخرى، ولا يملك فضولًا معرفيًا خارج حدود كرسيه الجامعي. والمصيبة تبدأ حين يتصور أن جهله بما هو خارج تخصصه فضيلة، وأن عدم معرفته بالآخرين دليل على "التمسك بالأصول". أي أصول هذه؟ إن الإنسان الذي لا يقرأ إلا داخل اختصاصه قد يصبح خبيرًا في جزيرة صغيرة، وجاهلًا بالمحيط كله. والثقافة العامة ليست ترفًا للأستاذ الجامعي. إنها ما يمنحه القدرة على وضع تخصصه في سياقه الإنساني والتاريخي والحضاري. فالمؤرخ الذي لا يعرف شيئًا عن الفكر يصبح جامعًا للوقائع. والاقتصادي الذي لا يفهم المجتمع يتحول إلى آلة أرقام. والسياسي الذي لا يقرأ التاريخ يصبح أسير اللحظة. والمفكر الذي لا يعرف الثقافات الأخرى يتحول إلى واعظ داخل غرفة مغلقة. إن المعرفة المتخصصة بلا أفق ثقافي قد تنتج موظفًا ممتازًا في تخصصه، لكنها لا تنتج بالضرورة إنسانًا واسع العقل. وعلينا التمييز بين من يحمل الشهادة ومن يستحقها معنويا ويدرك حافات المعاني .

3- الشهادة مجرد ورقة تأهيل لا علامة تميّز
أما الثقافة فهي طريقة في النظر إلى العالم حين يصبح الحوار معركة ثم يأتي الامتحان الأصعب: الحوار ، وهنا تسقط الأقنعة بسرعة. فكم من "أستاذ" لا يعرف كيف يحاور! إذا اختلفت معه، قاطعك، وإذا ناقشته، اتهمك. وإذا خالفته في رأي، بحث عن نقيصة فيك. وإذا عجز عن الرد على فكرتك، انتقل إلى شخصك. وإذا لم يجد في كلامك ثغرة، فتّش في سيرتك. وإذا لم يجد في سيرتك شيئًا، اخترع لك تهمة أو نعتًا أو تصنيفًا. هذه ليست أكاديمية. هذه عادات شعبوية بدائية ترتدي معطفًا جامعيًا. الحوار العلمي يبدأ من احترام الخصم، لا من احتقاره. يبدأ بالاستماع، لا بالمقاطعة. وبالسؤال، لا بالحكم. وبالحجة، لا بالصوت المرتفع. لكن بعض الأكاديميين لا يدخلون الحوار إلا وفي رؤوسهم نتيجة جاهزة. او انه مبيت على أمر ما ضد هذا مشاكساً أو ضد ذاك تافهاً .. يسكتون الآخرين لكي يتحدثوا، وأن تحدثوا ، فكلامهم مقرف مكرر او متهدج أو مجرد كلام عادي . إنهم لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن انتصار شخصي. وهذا هو الفرق بين العالم والمناظر. العالم يريد أن يعرف. أما المناظر فيريد أن ينتصر. ولعل أشد ما يكشف خواء هذا النوع من البشر أنه لا يستطيع أن يقول جملة بسيطة جدًا: "ربما أكون مخطئًا." إنها، بالنسبة إليه، جملة قاتلة. لأن غروره العلمي أقوى من شجاعته المعرفية وسايكلوجيته غير مريحه تهرب الناس منها.

4- حين تتحوّل الشهادة إلى قناع
ليست الشهادة مشكلة. المشكلة أن تتحول الشهادة إلى قناع يخفي وراءه عجز العقل عن التطور.
قد تجد شخصًا يحمل الدكتوراه منذ ثلاثين سنة، لكنه لم يغير فكرة واحدة في رأسه منذ حصوله عليها. ثلاثون سنة مرت. والعالم تغير ، والمجتمع تغّير ،والمفاهيم تغيرت. والعلوم تطورت. والتكنولوجيا قلبت الحياة. والأجيال تبدلت. وهو ما زال يكرر عباراته الأولى يوم حصل على الدكتوراه. فماذا فعلت به ثلاثون سنة؟ لقد أضافت إلى سيرته سنوات، وإلى مكتبه كتبًا، وإلى اسمه لقبًا، لكنها لم تضف إلى عقله مرونة واحدة. وهنا ينبغي أن نسأل السؤال القاسي: هل كان يتعلم، أم كان يكرر نفسه؟ فالعلم الذي لا يغير صاحبه يتحول إلى عادة. والتخصص الذي لا يتجدّد يتحوّل إلى قوقعة. والشهادة التي لا تفتح العقل تتحوّل إلى بطاقة تعريف اجتماعية.

5- متحف الأفكار الميتة
أخطر ما يفعله الجهل المتعلم أنه يحتفظ بالأفكار القديمة لا باعتبارها موضوعات تاريخية، وإنما باعتبارها حقائق أبدية. يعيش صاحبه وسط أفكار وشعارات ولدت في ظروف معينة، ثم يرفض أن يرى أن الظروف قد تغيرت. إنه لا يفرق بين التاريخ والفكرة. الفكرة التي كانت صالحة لتفسير مرحلة معينة قد تفقد قدرتها على تفسير مرحلة أخرى. لكن العقل الجامد لا يرى الزمن. يرى فقط ما تعلمه ذات يوم. ولهذا تجد بعض المثقفين والأكاديميين يعيشون داخل ما يشبه متحفًا للأفكار الميتة. شعارات انتهى زمنها. مفاهيم تغير معناها. صراعات تجاوزها التاريخ. أسماء لم تعد قادرة على تفسير الواقع. ومع ذلك يعاد إنتاجها كما لو أن الزمن توقف. التاريخ لم يتوقف. لكنهم توقفوا. وهذه هي المأساة.

6- عقل مغلق يخاف من المفهوم الجديد
هناك عقول لا تكره الفكرة الجديدة لأنها خاطئة، وإنما تكرهها لأنها جديدة. وهذا من أكثر أشكال الإفلاس الفكري إثارة للسخرية. يكفي أن يسمع بعضهم مفهومًا لم يقرأ عنه حتى يبدأ بإطلاق الأحكام: "هذا كلام غربي"، "هذه موضة"، "هذا المصطلح لا قيمة له"، "هذا لا يناسب مجتمعنا"، "هذه أفكار مستوردة". لكن السؤال البسيط الذي لا يريد أن يطرحه على نفسه هو: هل قرأت عنها؟ فكيف تحكم على كتاب لم تقرأه؟ وكيف تناقش نظرية لم تدرسها؟ وكيف ترفض مفهومًا لم تفهم جذوره وتطبيقاته وتحولاته؟ إن بعضهم يريد أن يحاكم الجديد قبل أن يتعرف إليه. وهذه ليست صرامة علمية. إنها كسَل معرفي متنكر في هيئة موقف. ان العقل القوي لا يخاف من المفهوم الجديد. يضعه على الطاولة، يفككه، يختبره، يقارنه، ثم يقبله أو يرفضه. أما العقل الهش فيغلق الباب أولًا ثم يعلن أن ما وراء الباب لا يستحق الدخول. والتاريخ كله يقول إن كل نهضة معرفية بدأت ذات يوم بفكرة بدت "جديدة" ومقلقة وغريبة.، بل وحتى متخيلة , ولو أن البشرية احتفظت دائمًا بعقول تخاف الجديد، لما تجاوزنا عصر الكهوف الحجرية..

7- خنادق القرن العشرين : ايديولوجيات كسيحة
وما أكثر الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين بأجسادهم، لكنهم ما زالوا يناضلون في القرن العشرين بعقولهم! لقد تغير العالم من حولهم بصورة هائلة: التكنولوجيا قلبت معنى المعرفة، والاتصال أعاد تشكيل المجتمع، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف العمل والعلم، والعولمة غيرت خرائط الاقتصاد والثقافة، والأجيال الجديدة تعيد صياغة علاقتها بالسلطة والهوية والزمن. لكن هناك من لا يزال يكرر الشعارات نفسها التي وُلدت في ظروف تاريخية انتهت منذ عقود. لقد تغير العالم، ولم تتغير المفردات في رؤوسهم ولا الشعارات من وجدانهم . انهارت أنظمة، وسقطت أو تحولت أيديولوجيات، وتيبّست أحزاب ، وتبدلت مفاهيم السلطة، ورحل طغاة .. وظهرت أسئلة جديدة عن الإنسان والدولة والمجتمع، بينما ظل بعضهم قابضًا على اشلائه وقابعاً في خندقه القديم وكأنه ينتظر عودة التاريخ إلى الوراء. لا بأس أن ندرس أيديولوجيات القرن العشرين. بل يجب أن ندرسها. لكن المشكلة أن يتحول الدارس إلى سجين لما يدرسه. هناك فرق بين أن تعرف الماركسية وأن تكون ماركسيًا، وبين أن تدرس القومية وأن تعيش أسيرًا لشعاراتها، وبين أن تفهم الإسلام السياسي وأن تجعل العالم كله يمر عبر قوالبه، وبين أن تدرس الليبرالية وأن تتحول إلى مقلد لها بلا نقد. ان الفكر الحي يدرس الماضي لكي يفهمه ويتجاوزه. أما الفكر الميت فيدرس الماضي لكي يسكن فيه.

8- يتدخلون في ما لا يعرفون
ومن أكثر المشاهد إثارة للشفقة أن ترى شخصًا لم يقرأ في موضوع ما إلا القليل، ثم يتحدّث فيه كما لو كان قد قضى عمره في مختبراته وأرشيفاته. كمن يتدخل في التاريخ وهو لا يعرف مصادره.
يناقش الفلسفة وهو لم يقرأ نصوصها الأساسية. ويفتي في الاقتصاد دون معرفة بأبسط مفاهيمه.
ويحاكم نظرية اجتماعية دون أن يعرف تاريخها. ثم يصدر حكمًا نهائيًا ! لماذا؟ لأنه تعود على أن لقبه يكفيه. والأخطر أنه لا يقول: "لا أعرف". لقد أصبحت هذه العبارة، في بعض البيئات، جريمة بحق الهيبة الأكاديمية. لكنني أقول العكس تمامًا: إن أجمل ما يمكن أن يقوله الأستاذ أحيانًا هو: لا أعرف، سأقرأ وأعود إليك. هذه ليست هزيمة. هذه هي بداية العلم. أما أن تتحدث في كل شيء، وتفتي في كل شيء، وتحكم على كل شيء، فذلك ليس اتساعًا معرفيًا؛ إنه تضخم في الأنا المعرفية. والإنسان الذي يتدخل في ما لا يعرفه يسيء إلى المعرفة أكثر مما يسيء إلى نفسه. واستغرب من حالة مقرفة حقا اذ ان شبابا من الاكاديميين يطلقون احكاما كبيرة مدحا او قدحا على ظواهر واشخاص وقضايا ومؤسسات لا يعرفوها ولم يقرأوا عنها شيئا ، فكل من هو في بداياته يشعر بأنه ضخما (عريض المنكعين) ..

9- لماذا ينتقص بعضهم من الأعلم بالمعرفة والآشياء ؟
وهنا نصل إلى الجرح الحقيقي. لماذا يسارع بعض الأكاديميين إلى التقليل من شأن من هو أعلم منهم؟ لماذا يشعرون بالحاجة إلى التشكيك في إنجازات الآخرين؟ لماذا يصبح العالم الحقيقي في نظرهم "مبالغًا في تقدير نفسه"، والمفكر الجاد "مدعيًا"، والباحث المختلف "غير متخصص"، وصاحب التجربة الطويلة "قديمًا"؟ لماذا لا يذكرون في مقابلاتهم او حواراتهم اسماء زملائهم ويستشهدون باعمالهم مقارنة بالانوية المسيطرة على هواجسهم؟

10- السلوكيات العقيمة
من أتعس السلوكيات هي النرجسية العالية والحديث عن الذات بحيث هو الانبغ وهو الافضل وهو الشيخ وهو القامة وهو الهامة وهو الوحيد الذي يمتلك مكتبة في بيته ويبقى ينسجم وينتفخ من ايات التعظيم والتمجيد والتعظيم .. مجتمعاتنا تسيطر عليها الذات لا الموضوع ، وأتعس حالة سايكلوجية هو حديث الانسان عن نفسه والتفاخر بها .. وعدم الاعتراف بفضل غيره كونه مهزوزاً ، فالشخص الواثق من نفسه لا يخاف من وجود عقل أكبر منه. بل يفرح به. أما من يشعر بأن قيمته مهدّدة، وتاريخه متلون فإنه يحاول خفض الآخرين حتى يبدو هو أطول منهم وهذا محال . إنها حيلة قديمة جدًا: فإذا لم تستطع أن ترتفع، حاول أن تجعل الآخرين ينخفضون. وأخيرا ، ثمة عناصر اكاديمية رائعة وطيبة ومتواضعة في سلوكياتها وتعاملاتها واخلاقياتها ونبل تصرفاتها ، وهي محترمة لا يمكن تجاهلها ابداً ..
نشرت يوم الاربعاء 12 اغسطس / آب 2026 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل.
انتظروا الحلقة القادمة :
(2) سوفسطائية الأكاديميين واغتيال المعرفة العربية

قالوا لنا الدولة الإسلامية هي الحل، فسألتهم: أي إسلام؟ إسلام أبي بكر وعمر أم إسلام معاوية ويزيد؟ إسلام المعتزلة أم إسلام...
09/08/2026

قالوا لنا الدولة الإسلامية هي الحل، فسألتهم: أي إسلام؟ إسلام أبي بكر وعمر أم إسلام معاوية ويزيد؟ إسلام المعتزلة أم إسلام الأشاعرة؟ إسلام من يرى الخروج على الحاكم كفراً أم من يراه فريضة؟

الدولة الدينية مرفوضة ليس لأنها دينية، بل لأنها كذبة كبرى. لا توجد دولة دينية في التاريخ حكمت باسم الله إلا وانتهت بالحكم باسم الجماعة، وباسم الجماعة ضد الله والناس معاً.

العلمانية هي الحل.

والعلمانية وليست كفراً كما يصورها تجار الدين، وليست ضد الدين، بل هي التي تحمي الدين من أن يتحول إلى أداة حكم، وتحمي الدولة من أن تتحول إلى مذهب.

الدولة المدنية العلمانية لا تعادي المسجد، بل تمنع أن يتحول المسجد إلى مقر حزبي.
لا تحارب الفقيه، بل تمنعه من أن يتحول إلى حاكم بأمر الله.
لا تلغي الشريعة، بل تمنع احتكار تفسيرها من قبل فئة تدعي أنها تملك الحقيقة المطلقة.

العلمانية مفيدة لأنها تعني المساواة. المسلم والمسيحي أمامها مواطنان، لا مؤمن وكافر. المرأة والرجل أمامها متساويان في الحقوق، لا تابع ومتبوع.

الدين لله والوطن للجميع. هذه ليست جملة إنشائية، هذه هي عقد النجاة الوحيد لهذا الوطن.

🟠يوم 8 /8 والفرح لآخر مرة!🔴فلاح المشعلذلك اليوم البعيد، انفجر الفرح في الشوارع والبيوت، وختم على قيظ آب اللاهب بمطرٍ من ...
08/08/2026

🟠يوم 8 /8 والفرح لآخر مرة!
🔴فلاح المشعل
ذلك اليوم البعيد، انفجر الفرح في الشوارع والبيوت، وختم على قيظ آب اللاهب بمطرٍ من الماء يهطل من الشرفات وسطوح المنازل، ومن كل مترٍ في شوارع بغداد.
كان الأمر أشبه بقرارٍ جماعي لغسل الحزن المتراكم منذ ثماني سنوات، وفرك العيون كي تغيب عنها، مشاهد الجنائز، وأقمشة السواد التي تغطي الجدران، وتعليقات التعازي والمراثي.
انتقل الفرح إلى البنادق، فأطلقت ملايين العياراتٍ في الهواء، بعد أن ضاقت به هلاهل النساء، ونشيج الرجال، وصراخ الشباب والصبايا، الصراخ أحياناً، يمتثل للفرح المجنون ويصعد به نحو النشوة، كأن الجميع يريد أن يصدق أن الحرب انتهت فعلاً، وأن الموت ترك أبواب البيوت أخيراً.
حربٌ طويلة، خاضها نظامان بائسان، بغباءٍ سياسي مفرط، ونزعةٍ مشحونة بالانتقام وكسر إرادة الآخر. بدأت بأسباب تافهة وثانوية، وانتهت بعد أن تجرّع أحدهم كأس السم، بحثاً عن مخرجٍ من هزيمةٍ لم يعد ممكناً تجنبها.
كانت عبوات الماء تُرشَق من نوافذ السيارات، وصبيانٌ يمسكون بخراطيم المياه ويرشون المارة كأنهم يريدون أن يغسلوا عن أجسادهم سنوات الحرب وذكرياتها !
رذاذات الماء تسحبك فجأةً من ذكريات بنجوين، ونهر جاسم، والفاو، والجبهات والخنادق، إلى موسم فرحٍ مباغت.
توقفت الحرب المجنونة، السافلة، التي أكلت أعمار جيل كامل.
لا موت بعد اليوم في جبل ماوت، ولا في الجبهات، ولا بين الخنادق والجبال، ولا شرق البصرة.
هدأت المدافع، واندفع الناس نحو الشوارع، كإعصارٍ بشري يريد أن يحمل الجميع إلى حياةٍ أخرى!
فرحٌ حاول أن يجفف دموع الثكالى والأرامل، "الحمد لله.. لنحافظ على ما تبقى من الشباب الحلوين" ، هكذا كانت تردد الأمهات، ويردد الرجال معهم، وكأنهم كانوا يعرفون في أعماقهم أن هذا الفرح قد يكون آخر ما تبقى لهم.
كان الشعب العراقي يومها مختلفاً عما هو عليه اليوم، كان يشبه نفسه أكثر، بعاداته، ودفء علاقاته، وبساطته، ولطفه، وروحه التي لم تكن قد أنهكتها السنوات بعد.
ثم جاءت الحرب الأخرى.. الكويت لعنة أخرى ضربت العراق في عمقه! @@ثم سقط الوطن تحت براثن الحصار.
ثلاثة عشر عاماً من الجوع والفقر والفاقة، ومن الانتظار الذي لا نهاية له، سنواتٌ طحنَت الناس، ودفعتهم إلى الهجرة من مدنهم الأليفة نحو بلدان الاغتراب واللجوء، أو البحث عن العمل في دول الجوار. وكان الأردن، يومها، عوناً إنسانياً لا يُنسى.
ثلاثة عشر عاماً من الحصار استنزفت العاطفة والقيم، وأهدرت شيئاً عميقاً من كرامة العراقيين، ثم جاءت أسراب الجراد الأصفر، واندفعت نحو البلاد أصناف الأفاعي، حتى جاءت الضربة القاضية التي لا تعوَّض.
لقد خسرنا، شيئاً فشيئاً، الشعب العراقي الذي عرفناه في السبعينيات والثمانينيات.
بقيت المدن بأسمائها، وبقيت الشوارع والأحياء والبيوت، لكن شيئاً من الروح قد غاب.
انهالت الدولارات لتسعف الجوع القديم، وجاءت معها عناوين ووجوه وأشياء كانت ممنوعة في الحقبة الصدامية ـ البعثية السافلة. نعم، توفر كل شيء تقريباً، لكن شيئاً أهم كان قد اختفى: ذلك الشعب القديم بعاداته، وبساطته، ولطفه، ونقاء قلوبه، وترانيم الحب والصدق والبراءة.
سنوات الحروب والحصار، سنوات الجمر والضياع، انتهت بنا إلى كائناتٍ أخرى، وإلى مجتمعٍ فقد شيئاً من روحه، وصار يُعرَّف سياسياً باسم «المكونات»، بعدما كان يُعرَف قبل ذلك باسم العراق.
تلك هي رحلة العراق في أربعين عاماً من البؤس والموت والانكسارات، رحلةٌ بدأت بحرب، ثم حصار، ثم احتلال، ثم فوضى، وما زالت نهاياتها المفتوحة تهدد ما تبقى من الوطن.
لهذا، حين أتذكر 8/8، لا أتذكر الفرح وحده، بل أتذكره بحزنٍ عميق، لأنه كان، ربما، آخر فرحٍ عراقي جماعي عرفناه جميعاً قبل أن تبدأ رحلة أخرى من الانكسار.
في 8/8، فرح العراقيون جميعاً.. ولآخر مرة!

🟠 في الحاجة للفلسفة من أجل الخلاص الإنساني". نُشر في كتاب جماعي، (منصّة البيان: محاضرات في الفلسفة والفكر والثقافة -الكت...
05/08/2026

🟠 في الحاجة للفلسفة من أجل الخلاص الإنساني".
نُشر في كتاب جماعي، (منصّة البيان: محاضرات في الفلسفة والفكر والثقافة -الكتاب الأوّل-).
أستحضره اليوم على خلفية الأصوات التي ترتفع هذه الأيام مُقزّمة دور الفلسفة في حياتنا،،
أقول،، كفى كفى، إنّ تراجع الحضور الفعّال للفلسفة في مجتمعاتنا لهو نذير شؤم.

***************************************************
"• عندما تَكون ضدّ الفلسفة فهذا يعني أنّكَ مُعادٍ لقيّم التنوير و ''التحديث'' بمعانيه الكثيرة، لأنّ الفلسفة تَتَوَسَّلُ بالعقل الحُرّ النبيه وتَجعلهُ وسيلة للتحرّر من السياجات الدوجماطيقيّة المغلقة ،،
• عندما تَكون ضدّ الفلسفة فأنتَ ضدّ النقد والحوار والتعايش واستيعاب الاختلاف بجميع أنماطهِ: اللُّغوي والعِرقي والدِيني والمَذْهبي،،
• عندما تكون ضدّ الفلسفة لا يُمكنكَ اسْتيعاب التاريخ والقيم الحضاريّة المختلفة، لأنّ حاسّة النقد لديكَ ستتعطّل فتكون ضدّ كلّ من يُخالفك الرأي، ومواقفك سوف تتحكّم فيها العاطفة والانْفِعالات لا العقل والضمير،،
• عندما تكون ضدّ الفلسفة تكون مُتطرّفا أُصوليا مُنحازا بشكل فاضحٍ لأيديولوجيتك وحسب وغير مبالٍ بالآخر، وتؤمن بالواحد في الفكر والسياسة والمعتقدات، وليس بالمتعدّد ،،،
• عندما تكون ضدّ الفلسفة فأنت تَخْشى من الحريّة وتمظهراتها ومن اتّساع أفقها،،
يا سادة ،، الفلسفة تُواجه الأَوهام وتُولِّد الوعي بالشَقَاء والألم والنقص والعبث، وتَحْرِص على مُناقشة ''اليقينيات'' والأفكار المطلقة. الفلسفة تَنْتَقِد الإيديولوجيات المغلقة التي تُفْرِز الأنظمة الشُموليّة وكذلك تَتَبَرَّمُ من المركزيات والأُصُوليات، فهل ذنبها أنّها تَنْحاز إلى كَرامة الانْسان وحُرِيَّتِهِ؟ لقد وُجِدتْ الفلسفة بالأمس واليوم في كلّ تَمَفْصُلات حياتنا في قضايا الأخلاق والسياسة والاقتصاد والفنّ والأدب، وفي العلوم والتقنيّة التي تُطوّر اليوم مبحثا هامًّا هو ''أخلاقيات العلم والتقنية والطبّ والتواصل والبيئة،'' مُقْتَفِيه أثر العلوم ومناقشة لحدودها من أجل أخلقتها، فالفلسفة تبدأ من حيث تنتهي العلوم والمعارف، و لا روح للحضارة من دون أخلاق ومن غير الفلسفة بإمكانيّاتها النقديّة الرحبة.
عودوا إلى التاريخ! وتأمّلوا معي حجم خسائرنا الفادحة والنكبات التي حلّتْ بنا وتأخّرنا الحضاري عندما حاربنا الفلسفة في شخص المعتزلة وابن رشد وغيرهم،، لقد رَجَعْنا أدراجنا إلى الوراء لمّا تنكّرنا لها وحاصرنا مُفكّرينا وطاردناهم وكِلْنا لهم كلّ أنواع السِباب والشَتائم، واليوم يُطاردنا هذا الشُؤم من لَدُن اليائسين والبائسين وأعداء العقل والحضارة لتبخيس الفلسفة والحطّ من قيمتها. ولا حيلة لنا إلاّ المقاومة المستميتة دفاعا عن حقّنا في التفلسف".
🔴د. خديجة زتيلي

🟠 ظهرت ‏الزرادشتية قبل ٣٥٠٠ سنة في بلاد فارس.– أول من آمن بزرادشت زوجته هافويه وإبن عمه ميتوماه.– من يريد الدخول الى الز...
04/08/2026

🟠 ظهرت ‏الزرادشتية قبل ٣٥٠٠ سنة في بلاد فارس.

– أول من آمن بزرادشت زوجته هافويه وإبن عمه ميتوماه.

– من يريد الدخول الى الزرادشتية يجب أن ينطق الشهادتين ويتغتسل ويتطهر ويقول: "أشهد بأني مؤمن بالله الخير الغني، وأتبع زرداشت رسوله الكريم".

‏– في الزرداشتية ملائكة تسجل أعمال الإنسان منذ بلوغة حتى مماته.

– بعد إعتناق الزرادشتية، يحرم على الزرادشتي الإرتداد (أو تغيير دينه) وإلا يعاقب بالإعدام.

– في الزرادشتية تُقطع يد السارق، كما أن الزرادشتية تحرم الربا وشرب الخمور واللواط والكذب والإنتحار.

‏– قبيل خروج زرادشت من بطن أمه بلحظات، إنبثق نور إلهي شديد اللمعان من بيت بوراشاسب، وفرحت له الطبيعة.

‏– آنطلق زرادشت الى جبل سابلان، وعزم ألا يعود لبيته حتى يكتسب الحكمة، وظل هناك وحيداً يفكر لشهور لعله يجد تفسيراً للخير والشر، وذات مرة وهو واقف على الجبل رأى نوراً يسطع فوقه، وإذا به فاهومانا كبير الملائكة. وقد جاء ليقود زرادشت إلى السماء ليحظى بشرف لقاء الرب، ويستمع إلى تكليفه بأمر النبوة في السماء. بعد أن إرتقى به كبير الملائكة قال: "سأنزل الى الناس، وأقود شعبي بإسم أهورامزدا من الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الشر إلى الخير".

‏– خطفت الملائكة زرادشت، وشقت صدره عندما كان صغيراً، وإستأصلت من صدره النقطة السوداء.

‏– تقام الصلاة في الديانة الزرادشتية خمس /٥/ مرات في اليوم: الأولى قبل الفجر والثانية عند إنتصاف النهار والثالثة قبل غروب الشمس والرابعة عند الغروب والخامسة في الليل. والصلاة مهمه جداً في الزرادشتية، فهي أساس الدين ولها قداستها ومكانها، خاصة صلاة الفجر. فيجب على كل مؤمن أن يبدأ يومه بالصلاة، كما أنه قبل الصلاة وجب على الزرادشتي أن يتوضأ ويتطهر بغسل وجهه ورجليه ويديه. للزرادشتي أيضاً أدعية يرددها قبل خروجه وقبل أكله وشربه ونومه وفي العديد من المناسبات كالزواج والوفاة والختان.

‏– الزكاة في الزرادشتية هي من المقتدرين، وبموجبها يؤخذ منهم الثلث.

– في الزرادشتية يحق للزرادشتي الزواج بأكثر من زوجة، وألزمت الزرادشتية مكوث الزوجة في بيتها ولا تخرج الا للضرورة، كما وألزمتها لبس الحجاب، ولا يحق لها الإختلاط بغير محارمها.

‏– قال زرادشت: أيها الناس، إنني رسول الله إليكم لهدايتكم، بعثني الإله في آخر الزمان، أراد أن يختتم بي هذه الحياة الدنيا فجئت إلى الحق هاديا ولأزيل ما علق بالدين من شوائب، بشيراً ونذيراً"، فدعا زرادشت إلى التوحيد ونبذ كل الآلهة الأخرى" "فلا إله سوى أهورامزدا".

المراجع:

• قصة الديانات، تأليف: سليمان مظهر.

• المعتقدات الدينية لدى الشعوب، جيفري بارندر.

• موسوعة الأديان.

حافات المعاني  33 🟠الأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنةالشهادات العليا لا تصنع المواهب...
03/08/2026

حافات المعاني 33
🟠الأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة
الشهادات العليا لا تصنع المواهب والملكات
غدت الشهادات العليا في مجتمعاتنا كالحلوى التي تفرح بها الأطفال!
🔴سيّار الجميل

1- بقايا مؤدلجة، ومصالح بنتهامية، وعلاقات جهوية، ومراكز قوى تتحكّم بالمشهد الثقافي
لا يكتمل مشهد الاختلال هذا من دون الإشارة إلى تلك الشبكات الخفية التي تُدير الثقافة من وراء ستار. فثمة جماعات لا ترى في الإبداع إلا صدى لأيديولوجيتها، تقيس النصوص بمدى خضوعها لا بعمقها، وتمنح الشرعية على أساس الولاء لا الكفاءة. وبموازاتها، تنشط جماعات أخرى لا يحكمها فكر بقدر ما تحكمها علاقات بنتهامية نفعية ضيقة، حيث تتحول الثقافة إلى شبكة مصالح ، هذا يروّج لذاك، وذاك يفتح المنبر لهذا، في تبادلٍ مريب للأدوار والمنافع، تُقصى فيه كلّ قيمة لا تدخل ضمن “حلقة الثقة”. وتزداد الصورة قتامة حين تتدخل رؤوس الأموال، لا بوصفها راعية للثقافة، بل موجِّهة لها، تفرض الأسماء، وتدفع باتجاه ما يخدم حضورها ونفوذها، حتى لو كان ذلك على حساب المعنى ذاته. وهكذا، لا يعود غريبًا أن نرى بعض هذه الوجوه وقد تسلّلت إلى مراكز قوى، تمسك بالإعلام، وتؤثر في القرار الثقافي، بل وتمتد أذرعها أحيانًا إلى المجال السياسي، في تواطؤٍ يجعل من الثقافة أداة، لا رسالة؛ وسوقًا، لا قيمة.

2- السلوكيات والاخلاقيات المدمّرة
على امتداد عقود طويلة، وقع جزء من المثقفين العرب في تناقضٍ مؤلم بين الخطاب والممارسة؛ يرفعون شعار العروبة في المنابر والكتابات، لكنهم عند أول اختبار يقدّمون الولاء القطري الضيق على أي انتماءٍ أوسع، حتى تبدو العروبة عند بعضهم مجرد زينةٍ خطابية لا مشروعًا فكريًا أو أخلاقيًا. حتى وصل الأمر ان تكون معبودته، وعندما رحلت موديلاتها غدا يمّثل دور الاسلامي بتصرفاته وعباراته ومنهم من يحيط نفسه بهالةٍ من التفوق، فينظر إلى أقرانه باستعلاء، ويعامل الاختلاف الفكري بوصفه نقصًا في الآخرين لا مساحةً للحوار أبداً ، فتغدو الثقافة عنده وسيلةً لتكريس المكانة الشخصية بدل أن تكون جسرًا للمعرفة والتنوير. بل ويصل الأمر عند البعض أنه يرى نفسه أعلم من في الوجود .. ويزبد ويرعد في اول مواجهة مع الآخرين . ان العلاقات بين المثقفين العرب خصوصا من أسوأ ما يمكن مع ثمة استثناءات رائعة ان جمعت صداقات عميقة بين المثقفين والاكاديميين . وفي المقابل، برزت نماذج أخرى أسهمت في تعميق الانقسام؛ مثقف يتعصب ضد القوميات الأخرى التي تشاركه الوطن، فيستبدل رسالة الثقافة الجامعة بخطاب الإقصاء والكراهية، وآخر يرهن مواقفه لمصالحه المعيشية، فإذا استقر في بلدٍ ثري خشي على رزقه، فآثر التملق والتزلف على قول الحقيقة، حتى غدا صوته صدىً لما يرضي أصحاب النفوذ لا لما يمليه الضمير. وبين الاستعلاء، والتعصب، والانتهازية، فقدت الثقافة عند هذه النماذج كثيرًا من رسالتها النقدية، وتحوّل المثقف من شاهدٍ على الحقيقة إلى أسيرٍ للمصلحة أو الهوى أو الخوف.

3- كيف تستعيد الثقافة العربية أخلاقياتها؟
استعادة الأخلاقيات في الثقافة ليست شعارًا يُرفع، بل معركة تُخاض. تبدأ أولًا بإعادة الاعتبار للمعيار، لا للشخص؛ للنص، لا للاسم؛ وللمعرفة، لا للانتماء. لا بد من كسر حلقات التواطؤ الصامت، وفضح شبكات المجاملة التي تحوّلت إلى نظام مهترئ غير معلن يُدير المشهد.
كما أن تحرير المنصات الثقافية من سطوة رأس المال والأيديولوجيا شرطٌ لا غنى عنه، لأن الثقافة التي تُدار بالتمويل المشروط أو الولاء الفكري والسياسي والايديولوجي ليست ثقافة، بل دعاية مقنّعة. ثم يأتي الدور الحاسم للمؤسسات التعليمية والإعلامية: إعادة الاعتبار للغة، مع تدريب الأجيال على القراءة العميقة، وتعليمهم أن الثقافة ليست “ظهورًا”، بل مسؤولية. ولا يقلّ أهمية عن ذلك، إعادة الاعتبار للمثقفين الحقيقيين، أولئك الذين أُقصوا لأنهم لا يُجيدون التصفيق، ولا يدخلون في شبكات المصالح ولا المحاصصات. من دون ذلك ، ستظل الساحة ممتلئة بالمهرجين … وخاوية في آنٍ واحد من المبدعين . ان ترسيخ أخلاقيات صارمة في نسب الأفكار، وتجريم الاستلابات الفكرية معنويًا ومهنيًا، لأن الثقافة التي لا تحمي أصحابها، لا تستحق أن تُسمّى ثقافة.

4- حين تصبح الشهادة العليا أداة للتنطّع وغطاءً للعجز الثقافي والعلمي معا
اعتقد ان العلماء المخلصين يشاركونني في نقد ظاهرة أخذت تتسع في عدد من جامعاتنا العربية: التوسع الهائل في منح الشهادات العليا من دون أن يوازيه توسع مماثل في المعرفة والبحث والموهبة والخلق الأكاديمي. ولست هنا ضد التعليم العالي، ولا ضد إتاحة الدراسات العليا أمام أوسع عدد ممكن من أبناء المجتمع؛ بل إنني أرى التعليم حقًا وضرورة. لكنني أميز بوضوح بين إتاحة فرصة التعلم وبين منح لقب علمي لا يستند إلى استحقاق علمي حقيقي. لكن لندرك ان الجامعات في العالم هي ليست مجالات تعليم حسب ، بل ميادين بحوث علمية حقيقية تشارك في تطور الأمم.
فالدكتوراه، في أصل معناها، ليست شهادة مدرسية أكبر من الماجستير، وليست مرحلة إضافية في السلم الوظيفي، وليست وسيلة للحصول على لقب اجتماعي يسبق الاسم. إنها، قبل كل شيء، شهادة على قدرة صاحبها على إنتاج معرفة جديدة، وعلى امتلاك عقل نقدي مستقل، وعلى الدخول في حوار جاد مع المعرفة الإنسانية. ولذلك فإن من يحصل عليها من دون أن يمتلك أدواتها الفكرية إنما يحمل ورقة، لا يحمل قيمة علمية. المشكلة الأكثر خطورة أن بعض جامعاتنا بدأت تتعامل مع الدراسات العليا بمنطق الأعداد: عدد المقبولين، وعدد الخريجين، وعدد الأطروحات، وعدد الألقاب العلمية. وهكذا أصبح النجاح يُقاس أحيانًا بكمية الشهادات التي تُمنح، لا بنوعية العقول التي تُنتجها الجامعة.

5- الانفصال الكبير بين الشهادة العليا والثقافة.العامة والحيز التخصصي
قد تجد شخصًا يحمل الدكتوراه، لكنه لا يستطيع بناء سؤال معرفي حقيقي؛ وقد تجد آخر يكتب عشرات الصفحات دون أن ينتج فكرة واحدة؛ وثالثًا يكرر ما قاله السابقون بلغة ثقيلة ومترهلة؛ ورابعًا يتعامل مع الأستاذية بوصفها سلطة اجتماعية لا مسؤولية معرفية. وقد يحمل أحدهم أعلى الألقاب الجامعية، ولكنه يفتقر إلى القراءة الواسعة، واللغة السليمة، والذائقة الفكرية، والاستقلال في الحكم، بل وربما يفتقر إلى أبسط شروط النزاهة العلمية. وهنا يجب أن نقولها بوضوح: ليست كل شهادة عليا شهادةَ استحقاق معرفي. فقد تكون الشهادة صحيحة من الناحية الإدارية، مستوفية الإجراءات واللوائح، لكنها فقيرة من الناحية العلمية. والفرق بين الأمرين كبير. إن الجامعة تستطيع أن تمنح الورقة، لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبها الموهبة بالقانون، ولا العمق بالتعليمات، ولا الخيال العلمي بقرار إداري، ولا النزاهة بمرسوم. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجامعة هو أن تتحول الشهادة إلى بديل عن الموهبة.

6- المعرفة : مناهج وابداع : فهل من اعادة تعريف لقيمة الدكتوراه في مجتمعاتنا ؟
فالموهبة هي الأصل، والتدريب يصقلها، والجامعة توسعها، والبحث يختبرها، والمناقشة العلمية تكشف قوتها وضعفها. أما أن نتصور أن مجرد المرور في برنامج دراسات عليا يكفي لصناعة عالم أو مفكر أو باحث، فذلك وهم تربوي وثقافي. ولا يعني هذا أن الموهبة وحدها تكفي. فالعالم يحتاج إلى المعرفة المنهجية، وإلى التدريب، وإلى الصبر، وإلى المؤسسات، وإلى التراكم. لكن التدريب لا يصنع دائمًا موهبة من العدم. يستطيع أن يطور الباحث الجيد، ولكنه لا يستطيع أن يحول العجز الفكري إلى عبقرية بمجرد منحه شهادة. ان الدكتوراه الحقيقية ليست «لقبًا» قبل الاسم، وإنما مسؤولية بعد الاسم. إنها تعني أن صاحبها قادر على أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويعرف يتكلم قبل ان يهذي بشعبويته ، وأن يشك فيما يقرأ، وأن يختبر ما يعتقد، وأن يميز بين الحقيقة والرأي، وأن يعرف حدود معرفته قبل أن يدعي امتلاكها. وتعني كذلك أن يكون قادرًا على الاعتراف بخطئه، لأن الباحث الذي لا يستطيع الاعتراف بالخطأ يتحول عاجلًا أو آجلًا إلى موظف يدافع عن أفكاره، لا إلى عالم يبحث عن الحقيقة.

7- الازمة في التيبس الحضاري
ومن هنا فإن أزمة الشهادات العليا ليست أزمة جامعية فقط؛ إنها أزمة ثقافية وأخلاقية. فحين يصبح اللقب أهم من المعرفة، يتحول الأستاذ إلى صاحب امتياز. وحين يصبح المنصب أهم من البحث، يتحول البحث إلى وسيلة للترقية. وحين تصبح العلاقات أقوى من المعايير، وتوحش الاجلاف بقلة الذوق يسبق الاخلاقيات تصبح المناقشة الأكاديمية إجراءً شكليًا. وحين تغيب النزاهة، يمكن أن تنتج المؤسسة عشرات الأطروحات من دون أن تنتج عقلًا واحدًا قادرًا على تغيير المعرفة. وهذا هو التيبس الثقافي الذي ينبغي أن نخاف منه. فالجامعة التي تكثر فيها الشهادات ولا تتسع فيها الأسئلة ليست جامعةً حية، وإنما مؤسسة لإعادة إنتاج الألقاب. والجامعة التي يزداد فيها عدد حملة الدكتوراه بينما ينخفض مستوى اللغة والقراءة والنقد والإبداع واتساع الرؤية وتقبل النقد ، لا ينبغي أن تتباهى بكثرة خريجيها، بل ينبغي أن تسأل نفسها: ماذا أنتجنا فعلًا؟

8- العالم لا يعترف بكم كما كان بسبب فوضى المعايير
إن معيار الجامعة ليس عدد من منحتهم الدكتوراه، وإنما عدد الأفكار الجديدة التي خرجت منها، وعدد الأسئلة التي فتحتها، وعدد الأبحاث التي غيرت فهمنا للإنسان والمجتمع والتاريخ والطبيعة، وعدد الباحثين الذين استطاعوا أن يقفوا على أقدامهم الفكرية بعيدًا عن سلطة الأستاذ والجامعة والوظيفة. والاعتزاز بمن هو افضل ومنحه مكانته لا عزله وتهميشه من قبل الاخرين . وان الدولة التي تحترم نفسها ينبغي ان تختار وزراء تعليم عالي وعمداء ورؤساء مجامع علمية من ذوي الخبرة والمكانة العلمية بعيدا عن سياسيين تافهين . ان وزراء التعليم العالي والبحث العلمي ورؤساء الجامعات الفارغين دمّروا من خلال محسوبياتهم على هذا الحزب وتلك المشيخة وذاك الفصيل اغلب مرافق التعليم العالي والبحث العلمي العربي منذ أكثر من خمسين عاما .

9- الخصال والمواهب وقوة الشخصية وقياس الابداع
ولهذا أقول إن الشهادة العليا ينبغي أن تكون امتيازًا معرفيًا لا حقًا آليًا. ليس المقصود أن نجعلها امتيازًا طبقيًا أو أن نغلق أبواب الدراسات العليا أمام الناس، وإنما أن نجعل الوصول إليها مرتبطًا باستحقاق حقيقي: موهبة، وقدرة، ومعرفة، ومنهج، ونزاهة، وإنتاج علمي يمكن الدفاع عنه أمام النقد. أما أن يصبح الحصول على الدكتوراه هدفًا في ذاته، وأن تتحول الجامعات إلى خطوط إنتاج للشهادات، وأن يتساوى صاحب العقل الخلاق مع صاحب الأطروحة الضعيفة لمجرد أن كليهما يحمل اللقب نفسه، فهذه ليست ديمقراطية في التعليم؛ إنها تسطيح لمفهوم العلم نفسه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم دكتورًا لدينا؟ بل: كم واحدًا منهم يستطيع أن يضيف شيئًا إلى المعرفة؟ ويبرز ليكون علامة فارقة في بلده ومنطقته والعالم أجمع . فبين الدكتوراه بوصفها شهادة، والدكتوراه بوصفها استحقاقًا معرفيًا، مسافة شاسعة. وبين ذوي رتب الاستاذية بلا استحقاق وبين العلماء الحقيقيين مسافات ضوئية ! وقد يكون أخطر ما فعلناه في ثقافتنا الجامعية الحديثة أننا ملأنا هذه المسافة بالألقاب، وتركناها فارغة من المعرفة.

10- الخاتمة:
في النهاية، ليست المشكلة في أن الثقافة العربية تمرّ بأزمة، فكل ثقافة تعرف لحظات ضعفها، بل في أن كثيرين ممن يتصدّرونها ( من اساتذة جامعات ) لا يعترفون بوجود هذه الأزمة أصلًا. يتصرفون كأن كل شيء على ما يرام وعال العال ، بينما السفينة تمتلئ بالماء. لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: لا يمكن لثقافةٍ أن تستعيد عافيتها ما دامت تكافئ الرداءة، وتُقصي الجدارة، وتُجمّل الفشل. وتدافع باللسان السيئ ، وما لم يُرفع هذا الغطاء السميك من المجاملات أو السفاهات قليلة الأدب ، وما لم يُفتح الباب على مصراعيه لنقدٍ صريحٍ لا يخشى الأسماء ولا المناصب ولا السلطات سياسية كانت ام اجتماعية مسؤولين كانوا ام رجال دين أم ( اساتذة جامعات) ، فإن ما نراه اليوم ليس سوى بداية الانحدار… لا نهايته.

نشرت يوم الاثنين 3 آب / اغسطس 2026 على الموقع الرسمي للدكتور سيّار الجميل.

Address

نينوى
Mosul

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when أفكار حرة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share