08/06/2026
مرة جديدة تدخل بجه في نفق الاحزان الناتج عن وفاة احد ابرز شبابها انيس الخوري او "انيس امين" كما يعرفه جميع ابناء البلدة..
لم يكن انيس شخصا عاديا في البلدة،كان ذلك الرجل المقدام الذي كلما تواجد في اي مكان في البلدة تشعر بشخصيته الطاغية وبحضوره الآثر..
كان الرجل الذي تتجسد فيه معاني :القبضاي " في البلدة،فلا زند يوازي زنده ولا حضور يوازي حضوره..
كان انيس الرجل الذي يحرث ارض بجه الزراعية بجراره،هو الذي يتصل بك او تتصل به من اجل حراثة اراضي مواسم الزيتون التي ينتظرها اهالي البلدة من موسم الى آخر،كان يُعطيك نظرياته متى الحراثة ومتى عدم الدخول إلى الارض من اجل عدم ازعاج أشجار الزيتون في فترة الزهر،علما انه اغلب الأحيان يتعامل مع مهندسين زراعيين..لكن الفرق انه كان يتكلم مع الارض،ويعرف كل ارض متى اوانها،يعلم حدود الاراضي اكثر من اصحابها ...كان حارس اراضي بجه عندما يغيب اصحاب تلك الاراضي..
انيس اهتم بنظافة وببيئة البلدة اكثر من ١٥ عاما،كان ذلك الشخص الذي سيشكل غيابه فراغا ليس لعائلته فحسب بل لمجتمع بكامله كان يعتمد عليه..انيس كان علامة من علامات بجه الفارقة وسيبقى...
ان رحيل اي شخص من مجتمعنا الى عالم الخلود يشكل صدمة ووجعا،اما رحيل انيس فهو بالنسبة للبلدة زلزال،فأنيس صورة نموذجية عن رجل إهتم بابقاء اراضي البلدة تنبض حياة ،كان الرجل الذي يمشي بين الحقول يعرفها عن ظهر قلب ،يعرف زوايا فيها قلة ممن عاشوا ورحلوا من ابناء البلدة يعرفونها او حتى راووها..كانت كل بجه مسرحه من الأحياء الى الحقول وكان بطل ذلك المسرح،يعلمك بتفاصيله وكأنه لا ينتمي الى بجه بل بجه تنتمي إليه...
"انيس امين" رحيله ليس كرحيل اي شخص،إنها بداية مرحلة جديدة من مراحل الحياة في بلدتنا الحبيبة،كل فترة نخسر اشخاصا استثنائيين من البلدة كل في مجاله،من كليم الى انيس وكأن صفحة من صفحات بجه تطوى. في كتاب الحياة القراءة السريعة لا تلبي حاجات القُراء الأحياء وبدل استيعابهم للاحداث تتشكل عندهم صدمة من انتهاء حقبة من دون فرصة التقاط الانفاس...وهذا ما يحصل لنا في بلدتنا التي نعشق...
وداعا انيس،لن نتواصل بعد اليوم لكي تعلمني بموعد حراثة الارض ،سأصلي لك من اجل راحتك في سلام الآب، بغيابك اليوم تركت فراغا لن يستطيع احد ملئه بسهولة...جملة واحدة تحضر في ذهني تُذكرني بها دائما والدتي قالها جدي لحظات قبل وفاته عند شعوره باقتراب شبح الموت:
سكابا يا دموع العين سكابا...حرام الموت يا شيخ الشبابا ..
انيس امين" حرام الموت"،ارقد بسلام....