17/09/2026
يغيب "موقف اليوم" بحلّته الحالية عن الصدور ابتداءً من اليوم، على أن يعود بحلّة جديدة واسم جديد.
موقف اليوم
17-9-2026
تجديد الثقة بالحكومة هو تجديد للثقة بالقرارات السيادية التي اتخذتها بنزع سلاح "الحزب الإيراني" وحل تنظيمه العسكري والأمني. وتجديد الثقة يعني دعوتها إلى الانتقال من إقرار القرارات إلى تنفيذها. وتجديد الثقة يعني حصولها على دعم نيابي جديد لمواصلة مسارها. وتجديد الثقة يعني أن الحكومة ستواصل العمل الذي بدأته، وستذهب باتجاه مزيد من القرارات السيادية، وستقرّ ما لم تقرّه بعد، والأهم أنها ستنفّذ ما أقرّته.
ومجرد انتهاء جلسة مناقشة عمل الحكومة بتجديد الثقة بها يعني اكتسابها مزيدًا من الدعم والقوة لمواصلة عملها. والمفارقة أن الحكومة نالت 68 صوتًا، فيما كانت قد نالت 69 صوتًا في تموز 2025. أي إنها حافظت عمليًا على رقمها النيابي، رغم أن المشهد السياسي الذي أحاط بالتصويت تغيّر.
ففي تموز الماضي، صوّت نواب كتلة "الحزب الإيراني" إلى جانب الحكومة، فيما اختار الحزب هذه المرة حجب الثقة عنها عبر عدم المشاركة في التصويت. وبالتالي، فإن موقف الحكومة اليوم أصبح، من الناحية السياسية، أكثر أهمية مما كان عليه في السنة الماضية، لأن هذا الحزب كان يعتقد يومها أن من خلال منح الحكومة الثقة يستطيع أن يضمن حيادها أو التأثير في مسارها.
لكن الوقائع، بعد أسابيع قليلة، ذهبت في اتجاه آخر. ففي 5 و7 آب 2025 اتخذت الحكومة قرارات باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وصولًا إلى قرار 2 آذار 2026 المتعلق بحظر النشاطات العسكرية والأمنية لهذا الحزب وحصر عمله في المجال السياسي. إن حجب "الحزب الإيراني" الثقة عن الحكومة اليوم هو نتيجة مباشرة لمسار حكومي اتخذ قرارات تمس جوهر وجوده العسكري والأمني.
ومن المفارقات أيضًا أن كتلة الرئيس نبيه بري منحت الحكومة الثقة، فيما حجب شريكه في الثنائية الشيعية الثقة عنها، وغادر نواب الحزب الجلسة قبل التصويت. وهذا يؤكد وجود تمايز واضح في السياسة، وفي البرلمان، وفي الحكومة، بين طرفي الثنائية."لكن هذا التمايز لم ينتقل بعد إلى الأرض، ولا إلى الموقف الواضح من ضرورة أن يسلّم "الحزب الإيراني" سلاحه للدولة. وما لم ينتقل هذا التمايز إلى هذا الموقف تحديدًا، سيبقى هذا الحزب مستفيدًا من الغطاء الذي يحظى به من الرئيس بري لسلاحه.
أما أن يقول "الحزب الإيراني" إنه لا يريد الخروج من الحكومة لأن ذلك يحقق ما يريده الإسرائيلي والأميركي، فهذا موقف يكشف حجم التناقض في مقاربته. فمن يخوّن الحكومة، ويتهمها بالعمالة، ويشنّ عليها هذا النوع من الحملات، ثم يتمسّك في الوقت نفسه بالبقاء داخلها، يقدّم صورة عن حالة تناقض واضحة في موقفه، كما حالة إرباك وضعف وخوف.
وأما من أطلق على نفسه لقب "زعيم المعارضة"، فلم يحصد أكثر من 12 صوتًا، وخرج من الجلسة بهذه النتيجة الهزيلة، فيما أظهرت الوقائع، قبل الجلسة وخلالها وبعدها، مدى العزلة السياسية التي يعيشها هذا الشخص وتياره. فاللجوء إلى توزيع الألقاب الفضفاضة على النفس لا يصنع معارضة، ولا يغيّر في الوقائع السياسية، ولا يمكنه أن يحجب حقيقة أن المعارضة الفعلية تحتاج إلى مشروع واضح، وإلى موقف مفهوم، وإلى قدرة على إقناع اللبنانيين، فيما مواقف هذا الفريق خبط عشواء نتيجة خسارة حليفه في ورقة التفاهم والحرب.
ومن المفارقات أيضًا أن الثقة الجديدة بالحكومة تختلف عن الثقة التي نالتها في تموز 2025. فالثقة هذه المرة تأتي ضمن خريطة طريق واضحة: هي الثقة بما أقرّته الحكومة من قرارات سيادية، وهي الثقة بحصر السلاح بيد الدولة، وهي الثقة بحل التنظيم العسكري والأمني لـ"الحزب الإيراني"، وهي الثقة بالمفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب مع إسرائيل.
ومن المفارقات غير المعروفة أن تكتل "الجمهورية القوية" وضع، عشية الجلسة، استراتيجية واضحة لكيفية مقاربة جلسة المناقشة. وأكد الدكتور سمير جعجع ضرورة "أن تتحول الجلسة، وعن حق، من مساءلة الحكومة، التي لـ"القوات اللبنانية" مآخذ كثيرة عليها، إلى محاسبة الحزب الإيراني"، لأنه لا يجوز إغفال أن هذه الحكومة اتخذت، للمرة الأولى منذ عام 1990، قرارًا واضحًا بحل التنظيم العسكري والأمني الذي يشكل أحد أبرز العوائق أمام قيام دولة فعلية في لبنان، وهذا ما حصل وتحقّق، لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح لا يقتصر على أداء الحكومة، بل يتصل أيضًا بالجهة التي تسببت، على مدى سنوات، في تعطيل قيام الدولة وإبقاء لبنان ساحة مفتوحة للحروب.
فكل المشكلات في لبنان، بدءًا من الكبرى وصولًا إلى الصغرى وما بينهما، من المشكلات السيادية إلى الأزمات الحياتية، ومن الحصار المالي إلى الضغط الاقتصادي، مرتبطة بصورة أو بأخرى بالحروب التي أقامها "الحزب الإيراني" وجرّ لبنان إليها، والمدخل إلى معالجة كل هذه الأزمات هو واحد: تسليم السلاح للدولة، لكي تستعيد الدولة دورها الفعلي وقرارها وسيادتها، وتتمكن بعدها من معالجة الملفات الأخرى.
وتجديد الثقة بالحكومة لا يجب أن تعتبره الحكومة نهاية الامتحان، بل فرصة جديدة للعمل والتنفيذ. والمطلوب ألا تتوقف القرارات عند حدود مجلس الوزراء، بل أن تتحول القرارات السيادية إلى واقع على الأرض، وأن تُستخدم الثقة كقوة دفع إضافية لتنفيذ ما أقرّته: حصرية السلاح، وحل البنية العسكرية والأمنية لـ"الحزب الإيراني"، واستكمال بسط سلطة الدولة، والمضي في المسار التفاوضي الذي يهدف إلى إنهاء الحرب وتثبيت سيادة لبنان.
وتدرك الحكومة، طبعًا، أن اللبنانيين لن يقيسوا نتيجة جلسة الأمس بعدد الأصوات التي نالتها، بل بما ستفعله بهذه الأصوات في المرحلة المقبلة.
ملاحظة:
يغيب "موقف اليوم" بحلّته الحالية عن الصدور ابتداءً من اليوم، على أن يعود بحلّة جديدة واسم جديد.