16/07/2026
رحلة عذاب تنتهي بالخلود وداعاً المناضل الكبير محمد بدران "أبو أسامة"
بقلم/ وسام موسى
مخيمات الشتات لا تنسى رجالها، ولن تطوي الأيام تاريخاً نضالياً كُتب بالدم والعرق والتضحية. اليوم، تودّع فلسطين قامةً وطنيةً شامخة، ويقف مخيم الجليل ببعلبك إجلالاً لروحٍ طالما تنفست فلسطين وعاشت مخلصةً لأهلها وشعبها. رحلتَ جسداً أبا أسامة، لكن أثرك الوطني، ومواقفك الصلبة، ومحبة الناس التي زرعتها عبر عقود من العطاء ستبقى حاضرة في القلوب، شاهدةً حيةً على مسيرةٍ استثنائية من الانتماء والوفاء.
لم يكن عنوان كتابه "رحلة عذاب" مجرد كلمات خطّها الراحل أبو أسامة على غلاف مذكراته، بل كان عنواناً حقيقياً لقصة حياته وحياة شعبه بأكمله. بدأت هذه الرحلة عندما هُجّر طفلاً مع عائلته من بلدته الجميلة "فراضية" قضاء صفد إبان النكبة عام 1948 (حيث ولد في 29 كانون الأول 1936). ومن ألم اللجوء وقسوة الحياة في مخيمات الشتات، صاغ أبو أسامة إرادة صلبة؛ فتسلح بالتعليم وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصاد ليجعل من المعرفة سلاحاً في وجه التجهيل والضياع.
لقد آمن الراحل بضرورة رعاية جيل العودة، فكان صوتاً مدافعاً عن حقوق شعبه عبر أثير إذاعة "صوت العرب" (ركن فلسطين)، وساهم في وضع اللبنات الأولى للعمل الشبابي والثقافي الفلسطيني. فكان من أوائل مؤسسي "الكشاف العربي الفلسطيني" في لبنان لتنمية الروح الوطنية في نفوس الأشبال، كما شكّل "رابطة طلاب فلسطين" في البقاع، وانتُخب لمرتين متتاليتين (1963-1965) عضواً في الهيئة الإدارية لفرع اتحاد طلاب فلسطين بالقاهرة وأسس فيها رابطة الفنانين الفلسطينيين. وفي عام 1969، انتُدب في بعثة تعليمية فلسطينية للتعريب بمدارس الجزائر لنشر لغة الضاد، وتولى أيضاً مسؤولية تحرير "نشرة العاصفة" لتكون صوتاً للثورة ومؤرخة لنضالات فدائييها.
وتُوجت مسيرته بجهود جبارة في العمل العمالي والنقابي؛ إذ يُعتبر من مؤسسي فرع اتحاد عمال فلسطين في لبنان، وتدرج في مواقعه النضالية حتى انتُخب عام 1974 أميناً عاماً مساعداً لاتحاد عمال فلسطين. ولم يقف نشاطه عند حدود المخيمات، بل انتُخب أميناً عاماً مساعداً في عدد من الاتحادات العمالية العربية، وتوّج هذا الدرب بانتخابه أميناً عاماً مساعداً للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب عام 2004، وأُعيد انتخابه عام 2009، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً وبحثياً غنياً يضم مئات الأبحاث والدراسات التي ستبقى مراجع هامة للأجيال.
لم يكن درب النضال مفروشاً بالورود؛ بل تخللته الملاحقات والاعتقالات في غياهب السجون التي دخلها دفاعاً عن نشاطه الوطني وعن كرامة شعبه، لكن القيود لم تزده إلا إصراراً، ليمثّل قضايا أهله وعماله بكل أمانة واقتدار من خلال عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني لدورات متعددة.
تنتهي اليوم "رحلة عذاب" المناضل الكبير محمد بدران على الأرض، لتبدأ رحلة خلوده في صفحات التاريخ الفلسطيني المشرّف، وفي قلوب عائلته المكونة من تسعة أبناء، وفي أزقة مخيم الجليل ببعلبك الذي طالما بادله الحب بالحب والوفاء بالوفاء.
رحم الله أبا أسامة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.