23/05/2025
فتحي باشاغا: بين فشل الإدارة و"الاستربتيز السياسي"... وجه معقد في مشهد ليبيا الراهن
في خضم التوترات السياسية المتشابكة التي تعصف بليبيا، يظلّ اسم فتحي باشاغا بارزًا، ليس فقط بوصفه أحد الفاعلين الأساسيين على الساحة، بل كمثال حي على التناقضات التي تميز المشهد السياسي الليبي. إذ يعكس باشاغا في شخصه صراعًا بين ضعف الأداء الإداري، وأسلوب سياسي يلتزم في جوهره بلعبة معقدة من التنازلات، توازي في حدتها ما يمكن تسميته بـ"الاستربتيز السياسي" أو ما يشبه رقصة التعري السياسي أمام الضغوط الغربية.
الإخفاق الإداري في وزارة الداخلية: تفاقم الأزمات وضعف الأداء
لم تكن تجربة باشاغا في وزارة الداخلية ناجحة أو حتى مرضية، بل على العكس، فإنها شهدت خلال فترة ولايته تدهورًا ملحوظًا في الأداء المالي والإداري. فقد ظلت الوزارة تعاني من أزمات متكررة في صرف الرواتب، وهو ما ضرب معنويات القوى الأمنية في مقتل، وفتح الباب على مصراعيه لانتشار الفساد وسوء الإدارة. وعندما يتعلق الأمر بوزارة داخلية تمثل العمود الفقري للأمن والاستقرار في بلد يشهد هشاشة أمنية خانقة، يصبح هذا الفشل أكثر خطورة وتبعاته أوسع مدى.
هذا الضعف الإداري لم يكن نتاجًا لظروف استثنائية فقط، بل كان نتيجة تراكمات إدارية جعلت من الوزارة مؤسسة غير قادرة على مجاراة تطورات المشهد الأمني، مما أدى إلى فقدان الثقة بها داخليًا وخارجيًا.
تراكب المناصب: عبء يتجاوز الطاقات وإعاقة حقيقية للحكم الرشيد
لم يكتفِ باشاغا بقيادة وزارة الداخلية، بل جمع بين عدة مناصب تنفيذية ونيابية في آنٍ واحد، مما شكل عبئًا مضاعفًا على قدراته واستنزف طاقاته. في بلد كالبلاد الليبية، حيث تتطلب الأوضاع السياسية حساسية ودقة في اتخاذ القرار، مثل هذا التداخل في المناصب لا يفتح سوى ثغرات عديدة أمام سوء التنسيق والتشتت، وربما تضارب المصالح. وبالتالي، لم يكن بالإمكان منهجية عمل واضحة أو تنفيذ فعال للسياسات التي يحتاجها البلد.
خلفيته العسكرية: إرث يثقل كاهل السياسة المدنية
إضافة إلى كل ما سبق، فإن خلفية باشاغا العسكرية تضيف بُعدًا آخر لفهم أسباب قصوره السياسي. لقد تربى باشاغا في مناخ عسكري، حيث السيطرة والانضباط هما القاعدة، لا الاستماع والحوار. هذا الأسلوب يتناقض مع جوهر العمل السياسي المدني الذي يعتمد على الحوار، التوافق، والمرونة. وخلال توليه المناصب السياسية، بدا واضحًا أن هذا الإرث العسكري يقيده في التعامل مع أطراف سياسية متنوعة، ويفقده القدرة على بناء تحالفات استراتيجية مستدامة.
كما أن ميله إلى الاعتماد على دعم ميليشيات مسلحة، أو استخدام القوة كوسيلة للتأثير السياسي، يزيد من تعقيد الأزمة الليبية ويحد من فرص الحل السلمي.
"الاستربتيز السياسي": كيف يؤدي باشاغا رقصة التعري السياسية أمام الغرب؟
على الرغم من هذه الإخفاقات الواضحة على الصعيد الداخلي، لا يزال فتحي باشاغا يحظى بدعم خارجي بارز، لا سيما من الدول الغربية وبعض الأطراف الإقليمية. وهذا الدعم لا ينبع من قدراته السياسية أو الإدارية، وإنما من استعداده لتقديم "رقصة تعري سياسية" أو ما يمكن تسميته بـ"الاستربتيز السياسي" – أي تنازلات متكررة تخدم المصالح الغربية، وتضعه في موقع مقبول لديهم كبديل يمكن التعامل معه بسهولة.
هذا التعري السياسي، الذي يعني عمليًا خضوعه للضغوط الدولية وعدم استقلاليته في صنع القرار، هو الذي يمنحه شرعية خارجية، رغم الضعف الكبير الذي يعانيه داخليًا. هو خيار عملي من منظور القوى الدولية، يضمن استمرار نفوذهم وتحقيق مصالحهم في بلد تكثر فيه التعقيدات.
خاتمة: بين الفشل الداخلي والدعم الخارجي، ماذا ينتظر ليبيا؟
فتحي باشاغا نموذج مصغر لصراع أكبر في ليبيا، حيث تتقاطع مصالح القوى المحلية مع الضغوط الدولية، ويصبح الفشل الإداري والسياسي لا يعوق استمرار بعض الشخصيات طالما أنها تلعب الدور المطلوب منها خارجيًا.
فشله في وزارة الداخلية، وتراكب المناصب، وخلفيته العسكرية التي تفتقر للمرونة السياسية، كلها عوامل تضعف من إمكاناته القيادية. إلا أن استمرار دعمه الخارجي، الذي يعتمد على "رقصة التعري السياسية" أمام الغرب، يحول دون سقوطه الكامل ويجعله لاعبًا لا يمكن تجاهله في المشهد السياسي الليبي.
في النهاية، يبقى السؤال: هل ستتمكن ليبيا من تجاوز هذه المرحلة التي تعج بالأشخاص الذين يخدمون أجندات خارجية أكثر مما يخدمون تطلعات شعبها؟ أم أن المشهد سيظل أسيرًا لصراعات مصالح تعرقل بناء دولة حقيقية ذات سيادة؟