30/06/2018
دور إدريس السنوسي في تكوين الهوية الليبية
بقلم يوسف عبدالهاي
-------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد المبعوث رحمة للعالمين وبعد ...
في هذه المقالة المختصرة سأخرج عن سياق البحث التاريخي وأصوله وضوابطه وما يتطلبه من سرد ومقارنة وتعليل وإصدار أحكام وما إلى ذلك , وأقول :
إن حديثي هذا ليس بكاء على ماض أو استعطافا , وإنما هو وقفة للمصالحة مع تاريخنا بهدف ترميم الشرخ البيّن الذي حدث في شخصيتنا الوطنية والخلل الذي أصاب هويتنا.
نشرت مجلة ( الإيكونومست ) مؤخرا مقالة بعنوان : ( من يحكم ليبيا ) تناولت فيها الشأن الليبي جاء فيها : هناك سبب كبير لحالة الجمود السياسي الحاصل الآن في ليبيا وهو أن البرلمان (المؤتمر الوطني) الذي ليست له بشرة واضحة لا تُعرف له هوية سياسية في مجتمع تمزقه النزاعات الإقليمية والقبلية والعائلية .
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال ؟ : إن لم يكن لنا هوية ونحن في دولة مستقلة , واحدة , بحدودها, معترف بها , وممثلة في المحافل الدولية , وشعبنا الآن جلّه على درجة ما من التعليم , وفي وسط هذا الترابط التقني وسهولة المواصلات , فكيف كان الحال في نهاية أربعينيات القرن المنصرم وكل المعطيات والظروف التي لا يسمح المقام بسردها كانت عكس كل ما ذكرنا آنفا ؟.
إن جواب هذا السؤال في نظري والذي لا يمكن تجاهله هو أن ليبيا كان لها ما يسد العجز في كل ذلك . لقد كان هناك "إدريس السنوسي"... كيف ؟
لقد مثّل إدريس السنوسي دائما عنصر الوحدة للنسيج الليبي المفكك وفي الوقت المناسب , فهو في نظري أول من بدأ في رسم صورة الهوية الليبية حين بادر - فور توليه القضية في شتاء 1915 - بالحوار مع الدول العظمى مجتمعة وانتزع اعترافها بتلك الهوية بدون أن تشعر بعد أن كان الليبيون مجرد رعايا في إيالة عثمانية يدعوا الخطباء لسلطانها على المنابر ويحاربون باسمه .
كان " إدريس الحكيم " - وهو الذي لا يتحدث عن نفسه ولا يصرح ببطولاته – دائما فُلك النجاة في الظروف القاسية منذ أن تقلد قضية ليبيا , فقد كان له زمام المبادرة يوم أشرف الناس على الهلاك في 1915 م فَحَلَّ العويصة وأنقذ شعبه من الموت جوعا وافتكَّ أسراه وأعاد منفييه وأمَّنه بعد خوف وأسَّسَ أول حكومة ذات هوية وطنية حقيقية , الأمر الذي أدى إلى ثقة مجاهدي منطقة طرابلس في حكمته فالتفوا حوله وبايعوه لتتجسد الوحدة بين شطري الوطن سنة 1922 في شخص "إدريس السنوسي" .
وحين استمرت الثورة في برقة من عام 1923 إلى 1931 كان ذلك بترتيب "إدريس" المسبق وبأمل وجوده .
ولما أطبقت الدوائر وانصهر الوطن وأهله في الإمبراطورية الرومانية الجديدة كان هو من أوقد شعلة الأمل حين جاء صوته عبر موجات الأثير وسط قعقعة السلاح الأوروبي هاتفا : ( هاهي قواتنا تحارب جنبا إلى جنب مع قوات الحلفاء لتحرير وطنها من الغاصب المحتل ) .
فلما ترنحت سفينة الوطن في أربعينيات القرن الماضي وسط أمواج شديدة الخطورة من التجاذبات السياسية والمصلحية للدول والأفراد , وأشباح فرض الوصاية , والتقسيم كان رمز وحدة الوطن واستقلاله هو " إدريس السنوسي " .
ولما كان شبح عدم وجود مقومات دولة حاضرا يهدد ولادة الوطن كان وجود " إدريس " وقوة شخصيته هو محل الثقة في عيون المراقبين الدوليين والعنصر الباعث على الطمأنينة والساند الفعلي لرجاله المخلصين.
وبالفعل فقد سارت السفينة وبدأت مسيرة البناء وتحقق في ليبيا ما يشبه المعجزة وبالأرقام في ظل ملك شديد الورع كرس حياته لحرية وازدهار شعبه وكان في سلوكه الخاص مثالا للاعتدال والاستقامة الكاملة.
لقد سخَّر اللص القذافي ونظامه آلته الإعلامية , وبذل الأموال , وأنتج الأفلام , وجند أقلاماً أقل ما توصف به هو أنها عالة على التأريخ , واستخدم الترهيب والترغيب من أجل تشويه صورة إدريس السنوسي في ذهن شعبه , آزرته في ذلك سنوات طوال قضاها حاكما مطلقا كانت كفيلة باندثار رجال تلك المرحلة المشرفة قبل أن يتمكنوا من قول كلمة حق في رائدهم وزعيمهم رحمه الله. وللأسف فقد نجح نظام العصابة والى حد كبير في خلق حاجز نفسي بين الشعب الليبي ورمزه الذي نحيي تاريخه اليوم .
والمستغرب بعد هذا هو موقف الذين يحاولون الآن النيل من شخص السيد إدريس ووطنيته ومملكته بحجة التجرد - وبطريقة تجاوزت وجهات النظر- وذلك بنثر كمٍ من التفاصيل كان الزمن والنتيجة قد حكما فيها لصالح إدريس السنوسي .
وأنا أرى أن أي محاولة لتسفيه دور وشخص الملك إدريس إنما هو طعن في شرف الأمة الليبية ونضالها , أليس السيد إدريس هو من ارتضاه وبايعه مجاهدو هذه الأمة وشيوخها وسراتها عبر مراحل ومواقف تاريخهم ؟ .
إن إدريس لم يعد يمثل عائلة ولا طريقة ولا مرحلة حكم ملكي مرت بها ليبيا يوما ما , انه يمثل - وباقتدار - خيار وطن وانبعاث أمة , بل إن الذي لا يمكن تجاهله هو أن جميع المنعطفات التاريخية التي أدت بالوطن نحو الاستقلال وتكوين هويته كانت من صنع إدريس السنوسي .
لقد بذل الإدريس عمره في خدمة بلاده وشعبه ومات منفيا غريبا فقيرا في ضيافة بلد غير بلده وأناس غير أناسه ولم يتفوه قط بكلمة تنال من شرف شعبه .
وفي هذا المقام أقول : أنا لا أستجدي قيمة أو مكانة لإدريس السنوسي .. فإدريس استمد قيمته من ذاته . وإذا قلنا أن أهمية الشئ تبرز بافتراض عدم وجوده , فأقول - وبدون انتقاص لدور أحد - أننا لن نجد شيئا اسمه "دولة ليبيا" إذا افترضنا عدم وجود إدريس السنوسي .
وأقول وكمواطن ليبي : أنني أفتخر أن لي ولوطني رمزا تتجسد وتتجلى فيه المثل العليا.. انه ساكن البقيع " إدريس السنوسي".