05/08/2026
(الجزء الثاني) أرتين الخياط.. قصة آخر أرمن جرابلس _
"سيرون رفيقة سكنه: سبعينية تعيش مع أرتين بنفس البيت، وعلى كرسي متحرك نتيجة مرضها ورضّ عظمي في وركها، وزيادة كبيرة في وزنها، يعلو بياض الشيب رأسها.
سيرون وبلهجتها المصرية تقول إنها غادرت جرابلس مع أهلها وعمرها 12 عاماً، وسكنت معهم بحلب بحي الميدان، وتزوجت من أحد أقاربها ورزقت منه ببنتها الوحيدة التي تعيش في أرمينيا حسب قولها.
وأضافت أنها بعد سنوات قليلة من زواجها، حصل انفصال بينها وبين زوجها، وتركت بنتها عنده وذهبت للبنان، وهناك تعرفت من خلال أحد أقاربها على أمين الجميل وتطوعت بحزب الكتائب كممرضة.
وتقول إنها شهدت أحداث الحرب الأهلية اللبنانية كاملة، حتى وفاة الجميل، ومن ثم غادرت لمصر وهناك حسب قولها، درست علوم الطب البديل وعملت بمشفى القصر العيني في القاهرة كممرضة، ودامت معيشتها في مصر حوالي 35 عاماً.
وتسرد قائلةً: إنها عادت لسوريا عام 2009 قادمة من مصر، ولم تفصح لنا عن سبب مغادرتها مصر رغم الإلحاح بسؤالنا، وتقول قدمت لحلب ومنها لجرابلس التي ولدت فيها، واستضافني هلال القبضاي من أبناء جرابلس في بيته ومع عائلته لمدة ثلاثة شهور وقدموا لي المسكن والمأكل وكل ما أحتاج، ومن ثم استأجرت بيتاً بالقرب منهم وعملت بالطب البديل والعلاج الشعبي ومعالجة العقم عند النساء.
وفي غرفتها التي تسكنها والتي تقول عنها عيادة/ ما زال في زاوية منها الكثير من الأعشاب الطبية المعبأة بعلب بلاستيكية، فوقهم شهادة في تجارة الأعشاب الطبية صادرة وزارة الاقتصاد السورية عام 2010.
وعندما سمع أرتين أنها تعيش لوحدها، أحضر عدداً من أصدقائه وطلب منها السكن معه بغرفة خاصة بها، وقال لأصدقائه اشهدوا أن سيرون بمثابة أختي، وهي لا تزال تناديه بلكنتها المصرية جدو.
سيرون سكنت مع أرتين وكانت تقدم له كل ما يحتاجه من طعام ورعاية، وخدمة البيت ونظافته، ولكن منذ سنوات أصبحت تعاني من آلام في الظهر وزيادة في الوزن ولم تعد تستطيع الحركة إلا على كرسي متحرك، وأصبح أرتين الذي يكبرها بسنوات يخرجها لساحة البيت التي تفصل بين غرفه ومساعدتها في قضاء حاجتها ومساعدتها في النوم على سريرها الذي يبعد عن سريره أمتاراً قليلة، وتمتلك سيرون هاتفاً وتتواصل مع ابنتها الوحيدة التي تقيم في أرمينيا حسب قولها.
داعش وأرتين وسيرون: بقي أرتين في جرابلس مع سيرون برغم كل الظروف وتبدل حاله وحال البلاد وخروج جرابلس عن سيطرة الأسد، ومن ثم سيطرة تنظيم داعش عليها عام 2014 أجبر مكرهاً على اعتناق الإسلام من قبل تنظيم داعش، ونفى نفياً قاطعاً ما تناقلته بعض المواقع الإعلامية عن إرغامه على الإسلام من قبل الجيش الحر، أو سلطات المعارضة السورية التي دخلت لتحرير جرابلس عام 2016.
وتدخلت سيرون قائلة إن عناصر تنظيم داعش طلبوا منهما الإسلام والزواج منها أو تنفيذ أحكامهم بحقهم، وقاموا بتسمية أرتين "علي يعقوب" وسيرون "فاطمة الزهراء".
وجاء عناصر داعش بشهود على إشهار إسلامهم وزواجهم، ولكن الزواج حسب قول سيرون، بقي فقط على الورق ولم يحصل أي علاقة زوجية بينها وبين أرتين.
وقال أرتين إنه أصبح يرتاد المسجد في أوقات الصلاة، وكذلك قال أصدقاؤه إنه بقي يذهب للمسجد حتى تحرير مدينة جرابلس من تنظيم داعش، مضيفاً أنه منذ سنوات لم يعد قادراً على الخروج من البيت، ولم تعد حالته الصحية يسعفه وبقي إعلان إسلامه قابعاً في نفسه.
وقال بالحرف الواحد: الدين حسن معاملة وصدق ولن أزيد أكثر.
وبالرغم من إجبار داعش أرتين على الإسلام، يعترف أرتين والمشهود له بالصدق من أبناء جرابلس، إلا أن تنظيم داعش قدم له المساعدة المالية والعينية من خلال ما يسمى ديوان الزكاة، وأظهر لنا تلك البطاقة التي كان يمنح من خلالها مبالغ مالية وعينية.
ختم أرتين وسيرون، حديثهما بالشكوى والتذمر من مسؤولي السلطات المحلية والدينية في جرابلس على اختلافها، وأنه لم يبادر أي أحد منهم لزيارتهم وتفقد حالهم وعدم تقديم لهم سوى القليل من المساعدات العينية، ومنحة مالية بسيطة من إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في المدينة، يصرفون جزءاً منه على فواتير الكهرباء التي يشكون من ارتفاع سعرها.
ويقول أرتين إن أكثر ما يقدّم لهما يأتي من أصدقائه وأهل الخير وجيرانه من أهل المدينة، فمازال صديقه شوكت الخياط الذي علّمه أرتين الخياطة يجلب لهم الخبز كل يوم، وما يحتاجون، ويرفض أرتين طلب المساعدة من أحد، وقد تعرض البيت الذي يسكنه للسرقة مرتين إحداها قبل أسبوع حيث سرق منهم ما يملكونه من مال، وقبل شهور سُرقت أدوات طبخهم.
ويصر رغم حاله وفقره على إكرام ضيوفه وتقديم الضيافة المتوفرة عنده. ويحتاج البيت الذي يسكنونه الآن لترميم بعد أن تعرض جزء كبير منه للزلزال وسقط الكثير من حجارته، وكذلك يحتاج لصيانة ونظافة شاملة بجميع أركانه وكل محتوياته التي يظهر عليها بشكل واضح الوسخ الإهمال وعدم النظافة وتفوح منها رائحة العفن.
أرتين وسيرون عاجزان وبحاجة قصوى لمن يهتم بهما، فهما بأمس الحاجة لمن يهتم بنظافتهما الشخصية وقضاء حوائجهما وتقديم الطعام لهما، ولا يوجد في مدينة جرابلس دار للعجزة ترعاهما.
وأثناء بحثنا عن أصدقائهم، قال أحد أبناء المدينة لم يود ذكر اسمه، إنه مستعد للتبرع بأرض مجاناً لإقامة دار عجزة في جرابلس من قبل السلطات المحلية لتحتوي أرتين وسيرون وغيرهما من الحالات المشابهة.
قبل مغادرتي بيته، قام أرتين وجلس خلف ماكينة الخياطة من نوع "سنجر" والتي قد يوازي تاريخ صنعها سنوات عمره، ووضع كفه فوقها ونقر على خشبها مدندناً بكلمات لم أفهمها، وجال نظره في المكان، الذي لوى جسمه عبر سنين الزمان، ويوحي لناظره أنه رجل عملٍ حازم وتستطيع أن تمازحه دون أن تمس كرامته، فهو حساس لدرجة الغضب. فيما بقيت سيرون غائصة في كرسيها ويدها على خدها ويدها الأخرى تلوح لنا مودعة."
سيرة آرتين ليونس العيسى Ywns Alyssaa
18-6-2026