مجلس الاجتهاد الفقهي

مجلس الاجتهاد الفقهي مجلس الاجتهاد الفقهي مشكل من عناوين الفتوى في قطاع غزة، من رؤساء لجان الإفتاء، وعمداء كليات الشريعة

بسم الله الرحمن الرحيمقرار مجلس الاجتهاد الفقهي رقم 38 (1/2026م)بشأنِ الموقف الشرعي الأضحية في ظلِّ انعدام الأضاحي في قط...
12/05/2026

بسم الله الرحمن الرحيم
قرار مجلس الاجتهاد الفقهي رقم 38 (1/2026م)
بشأنِ الموقف الشرعي الأضحية في ظلِّ انعدام الأضاحي في قطاع غزة
وصلَ إلَى مجلسِ الاجتهادِ الفقهيِّ عددٌ من الاستفساراتِ المُتعلِّقَةِ بحُكمِ التّبرُّعِ بأثمانِ الأضاحِي، وهل يُجزئُ ذلكَ عَن التَّضحيَةِ في ظلِّ انعدامِ الأضاحِي للعامِ الثَّالثِ علَى التَّوالِي فِي قطاعِ غزةَ المحاصَرِ، ومنعِ الاحتلالِ دخولَ بهيمةِ الأنعامِ إلَى القِطَاعِ، وما يترتَّبُ علَى ذلكَ مِن آثارٍ شرعيّةٍ، وقد توصَّلَ المجلسُ إلَى مَا يلِي:
1. الأضحيَّةُ شعيرةٌ من شعائرِ الإسلامِ الظَّاهرةِ، وقَد أمرتِ الشَّريعةُ بتعظيمِها؛ فقالَ اللهُ تعالَى: {ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: 32]، وهِيَ مِن أفضَلِ القرباتِ يومَ النَّحرِ؛ قالَ تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ} [الكوثر: 2]، وعَن عائشَةَ رضيَ اللهُ عنهَا أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: (مَا عَمِلَ آدَميٌّ من عَملٍ يَوْمَ النَّحْرِ أحَبَّ إلى اللهِ ‌من ‌إهْراقِ ‌الدَّمِ) [الترمذي: 1567، وصححه الحاكم: 7754].
2. لا يجوزُ استبدَالُ شَعِيرَةِ الأضحيَّةِ بأيِّ فعلٍ آخرَ، يُظَنُّ أنّهُ يقومُ مَقامَ الأضحيَّةِ، وبديلاً عنهَا، فقَد قالَ اللهُ تعالَى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ} [الحج: 37]، فالعبادَةُ فِي يومِ العِيدِ بعدَ صلاةِ العيدِ هيَ الذَّبحُ، فمتَى تَمَّ تحقَّقَتِ العِبَادَةُ، وأمَّا الباقِي فَهِي من الفَضَائِلِ؛ كأن يُطعِمَ الأرحامَ والفقراءَ والجِيرانَ.
3. إنَّ يومَ العيدِ مِن الأيَّامِ المُعظَّمَةِ عندَ اللهِ تعالَى، وتعظم فيهِ الطاعَاتُ والقربَاتُ، فإذَا كانتِ الأضحيَّةُ قُربةً خاصَّةً بهذَا اليومِ مُعظَّمةً عِندَ اللهِ؛ فسائِرُ الطَّاعاتِ أيضاً لهَا فضلٌ عظيمٌ، ومِن ذلكَ زيارةُ الأرحامِ، والتّوسعَةُ علَى الفقراءِ؛ لذَا ففِي قطاعِ غزَّةَ الَّذِي يُحرَمُ مِن إدخالِ بهيمةِ الأنعامِ، وأبناؤُه يعانونَ الفقرَ والجوعَ جراء الحربِ والحصارِ؛ فإنَّ الأغنياءَ وأصحابَ السَّعَةِ مأمورونَ بالتقرُّبِ إلَى اللهِ تعالَى بالصَّدقةِ علَى الفقراءِ بكلِّ أشكالِهَا؛ كتقدِيمِ اللحومِ المٌجمَّدَةِ، والسِّلالِ الغذائيَّةِ، وأيِّ قُربَةٍ مِن القُرباتِ مُتَعَدِّيَةِ النَّفعِ؛ فالأزمانُ المُعظَّمَةُ يَعظُمُ فِيهَا الأجرُ.
وإنَّ حقَّ أهلِ غزَّةَ علَى الأمَّةِ كَبِيرٌ، فيجبُ علَى القادرينَ من أبناءِ الأمَّةِ بذلُ وُسعهم فِي مساعدةِ أهلِ غزَّةَ، ليكونوا عوناً لهُم علَى الثَّبَاتِ والعِزَّةِ والكرامَةِ، وأيَّامُ العِيدِ فُرصَةٌ عظيمَةٌ؛ لتقديمِ القُرُبَاتِ فتعظُمُ الدَّرجَاتُ.
والله تعالى أعلمُ، وهو الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
مجلس الاجتهاد الفقهي
التاريخ 19 ذي القعدة 1447ه
الموافق 6 أيار 2026م

25/11/2025

حرمة المغالاة في أثمان الخضروات من أجل تنفيذ المشاريع الإغاثية
يقومُ بعضُ المبَادِرِينَ بالإلحَاحِ علَى التُّجَّارِ فِي طَلَبِ كِمِّيَّاتٍ كَبِيرَةٍ مِن الخَضرَوَاتِ مِن أجلِ تَنفِيذِ مَشَارِيعَ إغاثيَّةٍ، مما يؤدِّي إلَى رَفعِ الأسعارِ بشكلٍ كبيرٍ، ويوافِقُ المبادرونَ علَى ذلكَ مَع علمِهم بأنَّ الأسعارَ المطلوبةَ أعلَى بكثيرٍ مِن السِّعرِ الحقيقيِّ؛ فما حكمُ ذلكَ؟ وهل يجوزُ للمُبَادِرِينَ، أو التُّجَّارِ أو المُزَارِعِينَ، الموافقَةُ علَى هذَا التّصرُّفِ؟

ينتظِمُ الجوابُ في النّقاطِ السِّتِّ التّاليَةِ:
1. إنَ العمل الخيريَّ، وتوفيرَ المالِ لسدِّ حَاجَاتِ الفُقَرَاءِ والمسَاكينِ، وإغاثةِ المُحتاجينَ، ومساعدَةِ المكلومينَ، وإيوَاءِ النّازِحِينَ، مِن الأعمالِ الشّريفةَ الّتِي يباركُ اللهُ جلَّ جلالُهُ فِي القائمينَ عَليهَا، ويُثيبُهم بِها؛ إذَا خَلَصَتْ نوايَاهُم للهِ تعالَى، والْتَزمُوا حُدُودَ مَا شَرَعَهُ سُبحَانَه فِيمَا يَتَعَلَّقُ بكيفيّةِ جَمعهِ مِن مَصَادرِه، وضَوابطِ الحِفَاظِ عليهِ، وصِيَانَتِهِ، وطُرُقِ إنفاقهِ في محلِّهِ، وقد جاءَ فِي الأثرِ: (الخَلْقُ ‌عِيَالُ ‌اللَّهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ).

2. وإنَّ هذا العملَ – مَع علوِّ مَرتبتِه – أمانةٌ عظيمةٌ مِن أخطرِ الأماناتِ؛ لخطورةِ المالِ العامِّ، وعِظَمِ شأنِهِ؛ ذلكَ أنّه مَظِنّةُ زَلَلِ الأقدَامِ، وضَلالِ الأفهامِ، وضَعفِ النُّفوسِ، ولذلكَ حذّرَت الشَّريعةُ أيَّما تحذيرٍ مِن الخَوضِ فيهِ بغيرِ حقٍّ، والتَّصرفِ فيهِ جمعاً وإنفاقاً دونَ ضوابطَ شرعيةٍ؛ فقَد جاءَ فِي حَدِيثِ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ رِجَالًا ‌يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ).

3. إنَّ المُبَادِرِينَ والعامِلَينَ فِي مجالِ العملِ الخيريِّ والإغاثيِّ، وجَمعِ المساعداتِ وتوزيعهَا، مأمُورونَ بِتَعَلُّمِ الأحكَامِ الشَّرعِيَّةِ المُتعلِّقَةِ بالمالِ العامِّ، وأموالِ الزّكواتِ والصَّدقاتِ، وضَوابطِ جَمعِهَا وحِفظِها، ووجوهِ إنفاقِهَا، كمَا أنّهُم مأمورونَ بالْتزامِهَا وتطبِيقِهَا، والرُّجوعِ إلى الرّاسخينَ فِي العِلْمِ؛ للسُّؤالِ عمّا يُشكِلُ عليهِم مِن شأنِها.

4. وبناءً علَى مَا سَبقَ؛ فإنَّ المبَادِرِينَ مَأمُورُونَ بالاحتِيَاطِ لأموالِ المسَاعدَاتِ والصَّدَقَاتِ الَّتِي يَجمَعُونَهَا، وعدمِ التَّصرُّفِ فيهَا إلَّا بِمَا يحقِّقُ المصلحَةَ، ويدفَعُ المفسدَةَ، ولَا يجوزُ لَهُم المغَالَاةُ فِي أثمانِ الخضرَواتِ والبضَائِعِ الَّتِي يشتَرُونَها بِه؛ بدَعوَى حرصِهِم عَلى سُرعَةِ تنفيذِ المشَارِيعِ الإغاثيَّةِ؛ لمَا في ذلكَ مِن مَنَاهٍ شرعيَّةٍ منهَا الاثنَانِ التَّالِيَانِ:

أ‌. إهدارُ أموالِ المسَاعداتِ الّتِي هيَ من حَقِّ المحتَاجِينَ والمجوَّعِينَ، وهُم مؤتمنُونَ عليهَا، وفِي ذلكَ تخوُّضٌ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، وخيانةٌ للأمانةِ، وخيانةُ الأمانةِ من الكبَائِرِ، ومِن صِفَاتِ المنَافِقِينَ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (آيَةُ ‌الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ ‌خَانَ).

ب‌. التَّسبُّبُ برفعِ أسعارِ الخضرواتِ والموادِ الغذائيَّةِ، وفي ذلكَ إضرارٌ بعمومِ النَّاسِ مُقابلَ مَنفعةٍ يُقدِّمُونَها لفئةٍ قليلَةٍ مِنهُم؛ فعَن مَالكِ بنِ قَيسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (‌مَن ‌ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بِهِ، وَمَن شَاقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ)، ومعنَى قولِهِ ﷺ: (‌ضَارَّ) أيْ ألحَقَ ضَرراً بالمسلمينَ بغيرِ سَببٍ مشروعٍ، وقولِهِ ﷺ: (شَاقَّ) أيْ ألْحَقَ بِهِم العَنَتَ والمشقَّةَ( )، ولا شكَّ أنَّ هذِهِ التّصرُّفَاتِ تُلحِقُ الضَّرَرَ والمشَقَّةَ بالنَّاسِ، فتكونُ حَراماً؛ ذَلِكَ أنَّها تَلتَقِي مَع الاحتِكَارِ فِي رَفعِ الأسعَارِ، وتَضيِيقِ المعَايِشِ عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ مِنَ الكبائِرِ الفَاحِشَةِ؛ لعُمومِ ضَرَرِهِ.

5. إنَّ مَا يُقَالُ فِي حقِّ المبَادِرِينَ يُقَالُ فِي حَقِّ التُّجَارِ والمزَارِعِينَ؛ فَلا يجوزُ لَهُم الموافقَةُ عَلى رَفْعِ الأسعَارِ عَلى النَّحوِ الّذِي يؤدِّي إلَى الإضرارِ بالنَّاسِ، وإهدارِ أموالِ المساعداتِ، وإلَّا كانُوا شركاءَ فِي الإثمِ والظُّلمِ، وأكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ؛ فقَد قالَ تعالَى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ) [المائدة: 2]، كَمَا أنَّ أكلَ أموَالِ النَّاسِ بالبَاطِلِ مِن أخلَاقِ اليَهُودِ؛ فكيفَ نَرجُو النَّصرَ عَلَيهِمْ إذَا كُنَّا أمثَالَهُم؟
يجِبُ عَلى الجِهَات المختَصَّةِ بَسْطُ رَقابَتِها على المبادِرِينَ؛ لضَبطِ عَمَلِهم، بما يحقِّقُ المَصلَحَةَ العامَّةَ، ويُحَافظُ علَى المالِ العامِّ، ويضمَنُ وُصُولَ المساعَدَاتِ إلى مُستَحِقِّيهَا، ولها فِي ذَلِكَ وَضعُ اللَّوائِحِ والأنظِمَةِ المنَاسِبَةِ، وإلزامُ العامِليَن فِي مَيدانِ العملِ الإغاثيٍّ بها، ومعاقَبةُ المخالِفِينَ؛ ذلكَ أنَّ اللهَ تعالَى يَزَعُ بالسُّلطَانِ مَا لا يزَعُ بالقرآنِ.
كتبه/ د. محمد سليمان الفرا
نائب رئيس مجلس الاجتهاد الفقهي

26/10/2025

📖 هل المعصية تمنع من أجر الشهادة

بعض الناس كان مداوماً على معصية من المعاصي؛ كشرب الدخان، وغيرها من المعاصي، ومع ذلك قتله الاحتلال في الحرب، فهل تمنعه هذه المعصية من بلوغ مرتبة الشهادة؟

🔹 الجواب:
جوابُ هذا السّؤالِ يتلخَّصُ في النِّقَاطِ الثّلاثِ التّاليةِ:

إنَّ البشرَ يعتَرِيهم عَوامِلُ النَّقصِ، والضَّعفُ أمامَ الشَّهواتِ، والمعصُومُ مَن عَصَمَهُ اللهُ؛ ولذلكَ كانَ المؤمِنُ مأموراً بمجاهَدَةِ نَفسِه، والإكثارِ مِن التَّوبَةِ والاستغفارِ؛ امتثالاً لقولِهِ تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]،

والأمرُ يفيدُ الوُجوبَ، واقتِدَاءً بالنَّبِيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، الّذِي كَانَ يُكثِرُ مِن التّوبِة والاستِغفَار، مَع أنّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تقدَّمَ مِن ذَنبِهِ، ومَا تَأخَّر؛

فعَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ‌وَأَتُوبُ ‌إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [البخاري: 5948].

ثَبتَ في الكتابِ والسُّنَّةِ أنَّ الشَّهادَة في سبيلِ اللهِ تعالى سببٌ لتكفيرِ الذُّنوبِ صَغِيرِهَا وكبِيرِهَا، ولَو لَم يتُب مِنهَا المُسلِمُ؛ ولذلكَ انعقدَ الإجمَاعُ علَى أنَّ العَاصِيَ مِنَ المُؤمنِينَ، إذَا قتلَهُ الأعداءُ حالَ كونِهِ مُجاهدًا في سبيلِ اللهِ؛ لتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا، مُقبِلاً غَيرَ مُدبرٍ، فإنّهُ شَهِيدٌ لَا محَالةَ، ولَو كانَت لهُ ذنوبٌ أُخرَى لَم يَتُب مِنهَا [بذل الماعون، ابن حجر العسقلاني: 145]، ويشهدُ لذلك الدّلِيلان التّاليان:

أ. قالَ اللهُ تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) [محمد: 4 - 6]، ومعنَى قولِه تعالى: (فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي لَن يُحبِطَ ثوابَ جِهَادِهِم [التفسير المنير، الزحيلي: 26/84]، والآيةُ عامّةٌ في كلِّ مَن قُتِلَ في سبيلِ اللهِ.

ب. عَن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رضي اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ:
"القَتْلَى ‌ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ؛ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ المُمتَحَنُ، فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، وَلَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّاّ بِفَضْلِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، ثُمَّ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ؛ فَتِلْكَ مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ... وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ؛ فَذَلِكَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ" [حديثٌ صحيح، صحيح ابن حبان: 379].

ومعنَى قولِهِ: (الشَّهِيدُ المُمتَحَنُ) أي المَشرُوحُ صَدرُهُ، ومِنه قولُ اللهِ تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) [الحجرات: 3]، وقيلَ: الشّهِيدُ الخَالِصُ، وقيلَ: المُجرَّبُ، وفي رِوَايَةِ: (المُفتَخَرُ) [مسند أحمد: 17657]،
ومعنَى قولِهِ: (قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ) أي اقتَرَفَ المَعاصِيَ، ومعنَى قولِهِ: (فَتِلْكَ مَصْمَصَةٌ) أي مَطْهَرَةٌ لهُ، تَغسِلُهُ مِن دَنَسِ الذُّنوبِ [شرح المشكاة للطيبي: 8/2664].

قامَ الدّليلُ على استثناءِ عَددٍ من المعَاصِي من هذا الأصلِ العامِّ، فلَا تمحوهَا الشّهادَةُ، بَل عدَّهَا العُلمَاءُ من موانِعِ الشَّهادَةِ في سبيلِ اللهِ تعالى [عارضة الأحوذي، ابن العربي: 4/255، فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: 10/203]، وهيَ أربعةٌ؛ إليكُم تعدادَهَا:

أ. الغلولُ: وهوَ الأخذُ مِن الغنائِمِ دونَ إذنٍ، ومِثلُهُ الاستطالةُ في المَالِ العامِّ، وهوَ من الكبائرِ المانعةِ من بلوغِ مَنزِلَةِ الشّهادَةِ، والمُحبِطَةِ لأجرَ الجِهادِ [الأوسط، ابن المنذر: 6/47].

ب. حقوقُ العِبَادِ: لأنها مبنيَّةٌ على المُشاحَّةِ لا على المُسَامَحَةِ، سواءٌ تعلَّقَت بالنَّفسِ؛ كالقَتلِ، أو بالعِرضِ؛ كالغِيبَةِ والقَذفِ، أو بالمَالِ؛ كالدَّينِ؛ لِحديثِ أبي قتادَةَ رضي اللهُ عنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فقالَ: يا رسولَ الله؛ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقالَ: "نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا ‌الدَّيْنَ، فَإِنَّ ‌جِبْرِيلَ قَالَ لِيَ ذَلِكَ" [مسلم: 1885].

ت. اختلالُ نيَّةِ الجِهَادِ: كمَن قاتلَ رياءً أو حَميَّةً أو لغيرِها من المقاصِدِ الفاسدةِ؛ فعن أبي موسى الأشعريِّ رضي اللهُ عنهُ أنَّ أعرابيًّا سألَ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عن الرجلِ يُقاتلُ لِيُذكَرَ أو ليُرى مكانُهُ، مَن في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" [متفقٌ عليه: البخاري: 2958، ومسلم: 1904].

ث. إذا تَعلّقَت المَعصِيَةُ بالجِهَادِ، وقُتِلَ بِسَببِها؛ كعدَمِ السَّمعِ والطَّاعةِ للأمير، ومُخالَفَةِ تعلِيمَاتِ القِيَادةِ؛ فقد روى مُجَاهِدٌ رحمهُ اللهُ أنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى تَبُوك، قالَ: "لَا يَخْرُجَنَّ مَعَنَا إِلَّا مُقْوٍ"، فَخَرَجَ رَجُلٌ عَلَى بَكْرٍ لَهُ صَعْبٍ، فَوُقِصَ بِهِ، فَمَاتَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الشَّهِيدُ الشَّهِيدُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا يُنَادِي: "أَنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَدْخُلُهَا عَاصٍ" [سعيد بن منصور: 1032، وصحَّحه ابن حجر في الفتح: 6/106].

🖋️ د. محمد سليمان الفرا
نائب رئيس مجلس الاجتهاد الفقهي

18/10/2025

هل تأكلُ الأرضُ أجسادَ الشُّهداءِ أم لَا؟ ولمَاذا نجد جثامينَ بعضِ الشُّهداءِ كما هِيَ لَم تتغيّرْ رُغمَ طولِ المدّةِ، ونجدُ كثيراً من الشُّهداء قد تغيّرَت أجسادهم وتحلَّلَتْ؟

الجواب:
بيانُ ذلكَ في البنودِ الأربعةِ التّاليةِ:
1. الثَّابِتُ عندَ أهلِ العِلمِ أنَّ الأرضَ لَا تأكلُ أجسادَ الأنبيَاءِ، وهذَا مَا وردَ بِهِ النّصُّ؛ فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)، قَالُوا: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرِمْتَ؟ فَقَالَ: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ ‌أَجْسَادَ ‌الْأَنْبِيَاءِ) [صحيحٌ، أبو داود: 1047]. ومعنَى (أَرِمْتَ)؛ أيْ بَلِيَ جَسَدُكَ، وصارَ رَمِيماً [غريب الحديث، الحربي: 1/71].

2. لَم يثبُتْ دَليلٌ مِن الكتَابِ أو السُّنّةِ علَى أنَّ الأرضَ لَا تأكلُ أجسادَ الشُّهداءِ؛ بَل إنَّ دليلَ الحِسِّ والمشاهدَةِ شاهِدٌ علَى أنَّ الأرضَ تأكلُ أجسادَ غيرِ الأنبياءِ، سواءٌ كانُوا أولياءَ، أو شهدَاءَ، أو غيرَهم، وليسَ فِي ذلكَ انتقاصٌ مِن مكانتِهِم؛ فالثابِتُ لهُم مِن عطاءِ اللهِ كافٍ فِي الدّلالَةِ علَى علُوِّ درجتِهِم، وسمُوِّ مرتبتِهِم.

3. إنَّ عدمَ ثبوتِ دليلٍ علَى أنَّ الأرضَ لا تأكلُ أجسادَ الشُّهداءِ لَا يمنَعُ مِن ثبوتِ هذِه الكرامَةِ لبعضِهم؛ لحكمةٍ يعلمُهَا اللهُ تعالَى، وقَد ثبتَ ذلكَ لبعضِ الشُّهداءِ قديماً وحديثاً؛ فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَت معركةُ أُحُدٍ، كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ، ‌فَاسْتَخْرَجْتُهُ ‌بَعْدَ ‌سِتَّةِ ‌أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً، غَيْرَ أُذُنِهِ) [البخاري: 1286].

4. خلاصَةُ الأمرِ: إنَّ هذَا الأمرَ كرامَةٌ قَد تَثْبُتُ للشَّهيدِ، وقد لَا تثبُتُ، ولا يلزَمُ مِن ذلكَ أنَّ مَن لم تأكُلِ الأرضُ جسدَهُ كانَ شهيداً حقّاً، وأنَّ مَن بَلِيَ جَسَدُهُ ليسَ بشهيدٍ عندَ اللهِ؛ ذلكَ أنَّ هذِه الأجسادِ خُلِقَت مِن الطِّينِ، وتعودُ إليهِ، أمّا أرواحُ الشُّهداءِ فالثّابِتُ أنَّهَا تكونُ فِي حواصِلِ طَيرٍ خُضرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجنَّةِ، وتأكلُ مِن ثِمَارِهَا، وتَأوِي إلَى قنادِيلَ مُعلّقَةٍ فِي ظِلِّ عرشِ الرّحمنِ [مسلم، عن ابن مسعودٍ: 1887].

🖊️ د. محمد سليمان الفرا
نائب رئيس مجلس الاجتهاد الفقهي

28/09/2025

الأحكام المتعلقة بمخطوبة الشهيد

خطبَ أحد الشباب فتاةً، وبعد العقدِ بأسابيعَ استشهدَ؛ فهل يجبُ على خطيبتِه عدّةٌ، وهل تُعامَلُ معاملةَ الزّوجَةِ مِن حيثُ الحقوقُ والرّاتِبُ؟ مع العلمِ أنّه استشهِدَ قبلَ الدّخولِ بها؟

الجواب:
هذَا السّؤالُ ينتظمُ جوابُه فِي بندَينِ، إليكُم بيانَهُما:
1. الخِطبَةُ فِي الاصطلاحِ الشّرعِيِّ تَختلِفُ عَن الإطلاقِ العُرفِيِّ الدّارِجِ بينَ النَّاسِ، فَهِيَ تُطلَقُ فِي الشَّرعِ علَى طَلَبِ الزّواجِ، أو الوَعدِ بِهِ، والخِطبَةُ بهذا المَعنَى قبلَ العَقدِ لَا يترتّبُ عليهَا أحكامٌ شرعيّةٌ؛ لأنّها مُجرّدُ وَعدٍ؛ فإذَا استشهِدَ الخَاطِبُ قبلَ العَقدِ – ولَو بعدَ قراءةِ الفاتِحَةِ – فإنَّ مخطوبتَهُ لَا يَجِبُ لها مَهرٌ ولَا نفقةَ، ولَا عِدَّةَ عليهَا ولَا حِدَادَ؛ لأنَّها ليستَ زوجةً، ولا تَجرِي بينهُما أحكامُ الزّوجَينِ [الأحوال الشخصية، خلاف: 18].

2. أمَّا بعدَ العَقدِ، وهُوَ قَولُ الوَلِيِّ للخاطِبِ: زَوَّجتُكَ، وقَولِ الخَاطِبِ أو وكيلِهِ: قَبِلتُ؛ فقَد أجمَعَ العلماءُ سلفاً وخلفاً علَى أنَّ الوفَاةَ - ومِثْلُهَا الشّهادةُ في سبيلِ اللهِ - كالدُّخولِ فِي جميعِ الأحكامِ الزّوجِيَّةِ تماماً، وعليهِ؛ فتَثبُتُ للزَّوجَةِ الأحكامُ الشّرعيّةُ الأربعةُ التّالِيَةُ [إيضاح المسالك، الونشريسي: 1/295]:

ا. يجِبُ لهَا المَهرُ كامِلاً، ويستوِي فِي ذلكَ المُعجّلُ والمُؤجّلُ، ويُخرَجُ مِن تركَتِه قبلَ توزيعِها علَى الورثَةِ؛ لأنَّهُ مِن جملةِ الديونِ الواجِبِ سَدَادُها، إلَّا إذَا أبرأَته مِنهُ حالَ حياتِه، أو سامحَتهُ فيهِ بعدَ استشهادِه، كمَا ترِثُ مِنهُ ميراثَها الشّرعِيَّ، وتُعامَلُ مُعامَلَةَ الزَّوجَةِ فِيمَا يتعلّقُ باستحقاقِهَا فِي راتِب ذَوِي الشَّهيدِ، إلَى أن تتزوَّجَ بعدَه؛ ذلكَ أنَّ نفقتَها حالئذٍ تُصبِحُ واجبَةً علَى الزَّوجِ الجَدِيدِ.

ب. تجِبُ عليهَا العِدَّةُ، وهِيَ عَدَمُ الزّواجِ مُدَّةَ أربعةِ أشهرٍ قمريَّةٍ وعشرةِ أيامٍ؛ عملَا بقولِه تعالَى: (وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِير) [البقرة: 234]، والآيَةُ عامّةٌ؛ فتشملُ المدخولَ بِهَا، وغيرَ المدخولِ بِهَا [الإفصاح، ابن هبيرة: 2/143].

ويُستثنَى مِن المَدخُولِ بِهنَّ الحَاملُ؛ فإنَّ عدَّتَها تنقضِي بوضَعِ الحَملِ، ولَو ولدَت عَقِبَ استشهادِه مباشرةً [الاستذكار، ابن عبد البر: 6/212]؛ لقولِه تعالَى: (وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ) [الطلاق: 4]، ولِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: (قُتِلَ زَوْجُ ‌سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ، فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ) [البخاري: 4626].

ت. وتَحرُمُ خِطبَتُهَا صراحةً فِي مُدّةِ العِدَّةِ بِلَا خلافٍ، ويجوزُ التّعرِيضُ بخطبتِهَا، وهوَ أن يُذكَرَ أمامَها كَلامٌ يحتَمِلُ الخِطبَةَ وغيرَهَا؛ كأن يُقَالَ لهَا: اصبرِي واحتسبِي، وسيُعوِّضُكِ اللهُ خَيراً، ولَا زِلْتِ فِي مُقتَبَلِ عُمُرِكِ، ونحوِ ذَلِكَ؛ لقولِه تعالَى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا) [البقرة: 235]

ث. يلزَمُهَا الحِدَادُ على زَوجِهَا، وهُوَ تَركُ الطِّيبِ والزِّينَةِ، والمكثُ فِي بيتِهَا، طِيلَةَ مُدّةِ العِدَّةِ، فلَا تخرُجُ مِنَ البَيتِ نهاراً، إلَّا لحاجَةٍ؛ كالعلاجِ، والتّعليمِ، ونحوِهِ، أَو لَيلاً، إلَّا لضرُورَةٍ؛ كالخَوفِ علَى النَّفسِ؛ كمَا فِي حَالَاتِ النُّزوحِ بسبَبِ الخَوفِ مِنَ الاحتِلَالِ، والدَّليلُ علَى ذلكَ الحَديثانِ التّالِيَانِ:

الأوّلُ: حَدِيثُ الفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهَا أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي البحثِ عَن عَبِيدٍ لَه هَرَبُوا، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَتْ فِي دَارٍ بَعِيدَةٍ عن أهلِها، فَجَاءَتْ، وَجَاءَ مَعَهَا أَخَوَاهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا لَهُ ذلكَ، فَقَالَ: (اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ ‌الكِتَابُ ‌أَجَلَهُ) [صحيحٌ، السنن الكبرى، النسائي: 5692]، ومعنَى قولِهِ: (يَبْلُغَ ‌الكِتَابُ ‌أَجَلَهُ) أَي تَنقَضِي العِدّةُ [الكواكب الدراري، الكرماني: 19/93].

الثاني: حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قَالَتْ: (كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، ‌أَرْبَعَةَ ‌أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ، وَلَا نَطَّيَّبَ) [البخاري: 5027]، والنّهيُ المَقصُودُ فِي الحَدِيثِ هُوَ نهيُ النّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فدلَّ علَى وُجُوبِ تَركِ الزِّينَةِ والطِّيبِ فِي عِدَّةِ الوفاةِ.

د. محمد سليمان الفرا
نائب رئيس مجلس الاجتهاد الفقهي

27/09/2025

حكم الإنفاق على النفس من مال المساعدات
قمتُ بالتّواصلِ مع أناسٍ في الخارجِ، وتحصيل أموالٍ لتوزيعها على الفقراءِ والمحتاجينَ؛ فهل يجوزُ لي الاستفادةُ من هذه الأموالِ؟ وما المقدارُ المسموحُ به في ذلكَ إذا كانَ جائزاً؟

الجواب:

يتّضحُ الجوابُّ فِي البنودِ الأربعةِ التَّاليَةِ:
1. إنَ ميدانَ العملِ الخيريِّ، وتوفيرِ المالِ لسدِّ حاجاتِ الفقراء والمساكينِ، وإغاثةِ المحتاجينَ، ومساعدَةِ المكلومينَ، مِن الأعمالِ الشّريفةَ الّتِي يباركُ اللهُ جلَّ جلالُهُ فِي القائمينَ عَليهَا، ويُثيبُهم؛ إذَا التزموا حدودَ مَا شرعَهُ اللهُ تعالَى فيمَا يتعلّقُ بكيفيّةِ جَمعهِ مِن مصادرِه، وضوابطِ الحفاظِ عليهِ وصيانتِهِ، وطرقِ إنفاقهِ في محلِّهِ، وقد جاءَ فِي الأثرِ: (الخَلْقُ ‌عِيَالُ ‌اللَّهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ) [مسند أبي يعلى: 5/110].

2. وإنَّ هذا العملَ – مَع علوِّ مرتبتِه – أمانةٌ عظيمةٌ مِن أخطرِ الأماناتِ؛ لخطورةِ المالِ العامِّ، وعِظَمِ شأنِهِ؛ ذلكَ أنّه مظنّةُ زللِ الأقدَامِ، وضلالِ الأفهامِ، وضَعفِ النُّفوسِ، ولذلكَ حذّرَت الشّريعةُ مِن الخَوضِ فيهِ بغيرِ حقٍّ، والتَّصرفِ فيهِ جمعاً وإنفاقاً دونَ ضوابطَ شرعيةٍ؛ لحديثِ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مَرفوعاً: (إِنَّ رِجَالًا ‌يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) [البخاري: 2950].

3. وعليهِ؛ فإنَّ العامِلَ فِي مجالِ العمل الخيريِّ والإغاثيِّ، وجمعِ المساعداتِ وتوزيعهَا، مأمورٌ بتعلُّمِ الأحكامِ الشّرعيّةِ المُتعلِّقَةِ بالمالِ العامِّ، وأموالِ الزّكواتِ والصدقاتِ، وضوابطِ جمعهَا وحفظِها، ووجوهِ إنفاقِهَا، كما أنّهُ مأمورٌ بالتزامِهَا وتطبِيقِهَا، والرجوعِ إلى الرّاسخينَ مِن أهلِ العلمِ؛ للسؤالِ عمّا يُشكِلُ عليهِ مِن شأنِها.

4. إنَّ الورعَ المَحمودَ، والتزامَ كلمةِ التقوى، يقتضِي أن يترفّعَ العاملُ فِي ميدانِ العملِ الخيريِّ عَن الاستفادَةِ مِن هذا المالِ، ولو كانَ مِن جُملَةِ المُحتاجِين إليهِ؛ لأنَّ ذلكَ أحفظُ لدينِه مِنَ الإثمِ، وأسلمُ لعرضِهِ مِن كلامِ الناسِ، وأدلُّ علَى مِصداقيّتِه عندَ المتبرعينَ والجِهات المانحَةِ، ورحمَ اللهُ امْرَأً جَبَّ الغِيبَةَ عَن نَفسِهِ.
فإذَا لَم يجِد بُدّاً مِن ذلكَ؛ بأن يكونَ مُحتاجاً، وينطبقَ عليهِ وصفٌ مِن أوصافِ الاستحقاقِ فِي هذا المالِ؛ كالفقرِ والحاجَةِ، فإنه يُرخَّصُ له في هذه الحالَةِ أن يأخذ مِن هذَا المالِ بالمَعرُوفِ، ويكونُ تقديرِ ما يأخذ بأن يجعلَ مَا يخصُّ به نفسَه أقلَّ - ولَو بشيءٍ يسيرٍ - مِمَّا يُعطِيه لِمَن هُوَ مِثلُهُ فِي الحاجَةِ والفاقةِ، ولا يجوزُ له شرعاً أن يزيدَ فِيما يخصُّ به نفسَهُ عمَّن هُم مثلُه، أو يزيدَهم عن المعتادِ ليعطي نفسَه زيادةً مثلَهم، وإذَا استطاعَ استئذانَ المُتبرعِينَ فِي ذلكَ كانَ أولَى وأسلَم، والله تعالَى أعلَم.
🖋️د. محمد سليمان الفرا

23/09/2025

بسم الله الرحمن الرحيم
قرار مجلس الاجتهاد الفقهي رقم 37 (7/2025م)
بشأنِ الأحكام المتعلقة برواتب ذوي الشهداء، وسداد ديونهم

وصلَ إلَى مجلسِ الاجتهادِ الفقهيِّ عددٌ من الأسئلةِ المُتعلِّقَةِ برواتب ذوِي الشُّهداءِ التي تصرفها الجهاتُ غيرُ الحكوميةُ؛ كالفصائل والتنظيماتِ، وحكم سداد ديونهم منها، وخاصة في ظل كثرةِ الشهداءِ؛ بسبب حربِ الإبادةِ المُستمرّةِ التي يتعرَّض لهَا أهلُ غزّةَ، وبعدَ الاطّلاعِ علَى الأسئلةِ، ودراستِها؛ توصَّلَ المجلسُ إلَى القراراتِ والتّوصيَاتِ التّاليَةِ:

1. راتِبُ ذوي الشّهيدِ هُوَ التزامٌ مالِيٌّ مِن الجِهَةِ الّتِي تقومُ بِصرفِهِ، تجاهَ أُسرَةِ الشَّهيدِ، وذَويهِ الّذِينَ كانَ يُعيلُهُم حَالَ حياتِهِ، وهوَ يحمِلُ معنَى الإعالَةِ والإعاشَةِ، ومعنَى الإكرَامِ، وخلافَةِ المُجاهِدِ فِي أهلِه بخَيرٍ؛ امتثالاً لحدِيثِ زَيدِ بنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ ‌خَلَفَ ‌غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا) [متفقٌ عليه: البخاري: 2688، مسلم: 1895].

2. الرّاجِحُ فِي راتِبِ ذوي الشَّهيدِ أنَّهُ ليسَ ميراثاً، ولَا يخضَعُ لقواعِدِ الميراثِ؛ مِن حيثُ الاستحقاقُ، والتّقدِيرُ، والتَّقدِيمُ، والتَّأخِيرُ، وإنّما هُوَ عَطيّةٌ وهِبَةٌ الْتَزَمَتْهَا الجِهَةُ الَّتِي تقومُ بِصَرفِهِ تِجاهَ أُسرَةِ الشّهيدِ، والقاعِدَةُ الّتِي تَحكمُ توزيعَه هِيَ أنَّ الهِبَةَ علَى شرطِ الواهَبِ؛ فَيُراعَى فِيهَا قَصدُها وتعليماتُهَا.

3. يجِبُ علَى الجهاتِ التي تصرفُ رواتِبَ ذوِي الشهداءِ أن تَضَعَ نِظاماً ماليّاً مُفَصَّلاً، يوضِّحُ قواعدَ الاستحقاقِ، ونَصِيبَ كُلِّ مُستفيدٍ مِن الرَّاتِب، وشروطَ هذِه الاستفادَةِ، بمَا يُلبِّي احتياجَ المُستحقِّينَ؛ فَيُزَادُ فِي نصِيبِ الأحوجِ علَى غَيرهِ، ولَا مَحظورَ مِن إيقافِ نصيبِ مَن تُوفِّيَ مِن المُستفيدينَ، أَو استغنَى؛ كأَن تتزوَّجَ زَوجَتُهُ مِن بعدِهِ، أو يبلُغَ أولادُهُ سنّاً مُعيّنَة، ويخضَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ للاجتِهَادِ والتَّقدِيرِ، ولا مانعَ مِن اعتِمَادِ أنظمةِ التّأمِينِ والمعاشَاتِ السَّاريةِ فِي بلادِنَا إذا كانَت مُلائمَةً؛ أسوةً بِشُهدَاءِ الأجهزةِ الحكوميَّةِ.

4. لمَّا كانَ راتبُ الشّهيدِ لَا يأخُذُ حُكمَ المِيراثِ؛ فلَا تُسَدَّدُ مِنهُ دُيونُهُ؛ لأنَّ الدُّيونَ تُسدَّدُ مِن تَرِكَةِ الشّهيدِ إذَا تركَ مالاً، وإلَّا فَمِن بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ، ومِن سَهمِ الغارِمِينَ؛ لِحَدِيثِ أبِي هُريرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟)، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ للمُسلِمِينَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ ﷺ: (مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَتَرَكَ دَيْنًا؛ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) [متفقٌ عليه: البخاري: 5056، ومسلم: 1619].
وعليهِ؛ فيُفهَمُ أنَّ سدادَ دُيونِ الشَّهِيدِ تكونُ مِن بَيتِ المَالِ بثلاثةِ شروطٍ:

أ‌. ألَّا يكونَ قَد تركَ وفاءً؛ لأنَّهُ يكونُ فِي هَذهِ الحَالةِ في معنَى الغَارِم، والغَارِمُونَ لهُم نَصِيبٌ فِي الزَّكَاةِ، وإلَّا فُيُسدَّدُ الدَّينُ مِن التّرِكَةِ وُجوباً قبلَ توزيعِهَا علَى الورثَةِ، ويؤكدُ ذلكَ قولُه تعالَى: (مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ) [النساء: 11]، فَقِسمَةُ التّركَةِ تكونُ بعدَ قَضَاءِ الدُّيونِ، وإنفاذِ الوصَايَا بِشُروطِهَا.

ب‌. أن يكونَ فِي بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ كفايَةٌ لِذَلِكَ؛ ذلكَ أنَّ النّبيَّ ﷺ لم يتكفَّل بسدَادِ دُيونِ الأمواتِ مِنَ المُؤمِنينَ إلَّا بعدَ أَن فتحَ اللهُ عليهِ الفُتوحَ، أي كَثُرَت الغنائِمُ.
ت‌. أن يكونَ دَينُهُ فِي حاجَةِ نفسِه وعيالِه، وفِي أمورٍ مَشروعَةٍ، وقَد استدانَ دُونَ سرفٍ أو تبذيرٍ، ولَم يَستَطِع الوَفاءَ بِدَينِهِ حَالَ حَياتِه؛ حتَّى لَا يُعَانَ النَّاسُ علَى المَعَاصِي.

5. إذَا تركَ المُتوفَّى أو الشّهيدُ عقاراً، وكانَ ورثتُهُ القاصِرُونَ فِي حاجةٍ ماسَّةٍ إليهِ، ولَا يُمكِنُ بَيعُهُ لسدادِ ديونِهِ؛ كمَا لَو تركَ بيتاً لَا يَجِدُ أبناؤه مَسكناً يُؤوِيهم غيرُهُ؛ فإنّهُ يجِبُ علَى وليِّهِم أو وصيِّهِم أن يُسَدِّدَ مِن ديونِه مقدارَ ثمنِ البيتِ دونَ زيادةٍ، وذلكَ مِمَّا يزيدُ مِن رواتِبهِم وأموالهِم، ويؤولُ البيتُ مِلكاً لَهُم شراءً لَا مِيراثاً.

6. إذَا قدَّمَت جِهَةٌ مِن الجِهَاتِ المُتبرِّعَةِ مبلغاً مقطوعاً لِذَوي الشَّهيدِ مرَّةً واحدةً، ولَم تُحَدِّد لَه مَصرِفاً، ولَم يُمكِن التّواصُلُ معَهَا لمَعرفَةِ جِهَةِ الاستِحقَاقِ، وكيفيَّةِ التّوزيعِ؛ فإنَّ هذَا المبلغَ المَقطوعَ يأخذُ حُكمَ المِيراثِ؛ لأنّهم استحقُّوهُ بسبَبِ استشهادِه، فهو أقربُ مَا يكونُ إلَى الدِّيَةِ؛ فيأخذُ حكمَها من حيثُ اعتبارُها ميراثاً.

7. يُستَحَبُّ لقرابةِ الشهيدِ، وأحبابِهِ، وأهلِ الخَيرِ، أن يبادِرُوا إلى المُشاركةِ فِي سَدادِ ديونِهِ، إذا لَم يترُكْ مالاً يُسدَّدُ مِنهُ، وينبغِي للمُستحِقِّينَ في راتِبِهِ المشاركةُ في ذَلكَ، إذا كانُوا أغنيَاءَ؛ بشرطِ أن يكونُوا بَالِغِينَ رَاشِدِينَ.
كمَا ينبغي للعاملينَ فِي العمَلِ الخَيرِيِّ أن يَسعَوا لإيجادِ مصادرَ ماليَّةٍ خاصَةٍ لسدادِ دُيونِ الشُّهداءِ الفُقراءِ مِنَ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ لَم يتركُوا وفاءً لديونِهِم؛ إبراءً لذَّمتهِم أمامَ اللهِ، وتخليصاً لهُم مِن هذِه الحُقوقِ؛ ذلكَ أنَّ الشَّهِيدَ يُغفَرُ لَهُ كلُّ ذنبٍ إلَّا الدَّينَ، ونفسُ المُؤمِنِ مُعلّقَةٌ بِدَينِهِ حتَّى يقضَى عنهُ.
واللهُ تعالَى أعلَمُ، وهُوَ المُوَفِّقُ، والهادِي إلَى سواءِ السّبيلِ.

مجلس الاجتهاد الفقهي
الاثنين 30 ربيع الأول 1447هـ
الموافق 22 سبتمبر 2025م

21/09/2025

*أحكام المقايضة بين الأمتعة والأطعمة*

هناك مسائل تتعلق بالمقايضة بين الأمتعةِ والأغراضِ يسألُ عنها الناس، بسبب عدم وجود النقودِ، وحاجةِ الشخص وأهلِه للطّعامِ ونحوِه؛ فما الذي يجوزُ مِنها؟ ومَا أحكامُها؟
الجواب:
المُقايضَةُ هِيَ صُورةٌ مِن صُوَرِ عقودِ المُعاوضَاتِ المَشروعَةِ فِي الأصلِ، وهِيَ قائِمَةٌ علَى مُبادلَةِ سِلعَةٍ مُعيّنةٍ بسلعَةٍ مُعينّةٍ، فإذَا تمَّت مبادلَةُ السِّلعَةِ بالنُّقودِ فِهَي بَيعٌ، وإذَا تمَّت مُبادلَةُ النُّقودِ بالنُّقودِ فِهَي صَرفٌ، والسِّلَعُ الّتِي تَتِمُّ المُقايضَةُ بينَها؛ إمَّا أن تكونَ مِنَ المطعُومَاتِ؛ كالأرزِّ، والعدَسِ، والملحِ، والخَضروَاتِ، وإمَّا أَن تكونَ مِن غَيرِ المَطعومَاتِ؛ كالملابِسِ، والحطَبِ، والورَقِ، والأقلامِ، ونَحوِ ذَلِكَ.
والمقايضةُ لهَا صورٌ وأحكامٌ، يُمكِنُ بيانُها مُختصرةً فِي الحَالاتِ الأربعِ التّالِيَةِ:
الأولَى: مُبادلةُ مطعومٍ بمطعومٍ مِن جنسِهِ:
ومثالُها مبادلَةُ الأرزِّ بالأرزِّ، أو العدَسِ بالعدَسِ؛ كمَن يُرِيدُ مُقايضَةَ أرزٍّ طويلِ الحبَّةِ بأرزٍّ قصيرِ الحبَّةِ، أو عدسٍ حبٍّ بعدسٍ مجروشٍ، ونحوِ ذَلِكَ، ويشترطُ لجوازَ المُقايضَةِ فيهِ شَرطانِ:
1. الحُلولُ والتّقابُضُ فِي مَجلِسِ العَقدِ (المُبادلةِ)، فَلا يجوزُ تأخيرُ تَسليمِ إحدى السِّلعتينِ أو بعضِها إلى ما بعدَ تَفرُّقِ المُتقايِضَينِ مِن مَجلِسِ العَقدِ، فإن وقعَ تأخيرٌ فِي تسليمِ إحدى السِّلعتينِ أو بعضِها، ولو كانَ ذلكَ برضَا الطّرفَينِ، كانَ ذلكَ مِن رِبَا النّسيئَةِ (أي التَّأخِيرِ)، وهوَ حرامٌ شرعاً باتفاقِ العُلَماءِ.
2. التّماثلُ بين السِّلعتَينِ، فلا تجوزُ الزيادَةُ فِي أحدِ العِوضَينِ لأيِّ سببٍ كانَ، ولو برضَا الطّرفَينِ، فَلا تجوزُ مبادلةٌ رطلٍ مِنَ الأرزِّ الفَاخرِ برطلينِ مِنَ الأرزِّ الرّدِيءِ مثلاً، كمَا لَا تجوزُ مبادلَةُ العدَسِ الحَبِّ بالعدَسِ المَجروشِ مُطلَقاً؛ لانتفاءِ شَرطِ التَّماثُلِ بينَ العِوَضَينِ؛ وذلكَ بسببِ الجَرشِ والتَّقشِيرِ فِي العدسِ المجروشِ، وإلّا كانَ ذلكَ مِن رِبَا الفضلِ (أي الزِّيادَةِ)، وهوَ حرامٌ شرعاً بلا خلافٍ.
والمخرَجُ مِن ذلكَ بَيعُ الأرزِّ الرّدِيءِ بالنُّقودِ، ثم شِرَاءُ الأرزِّ الفاخِرِ، أو بيعُ العدسِ المَجروشِ أوّلاً، ثمَّ شراءِ العدسِ الحَبِّ أو العكسُ، ويدلُّ لذلكَ الحديثانِ التّاليانِ:
الأوّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ: (التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، ‌مِثْلًا ‌بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، إِلَّا مَا اختَلَفَتْ ألوَانُهُ) [مسلم: 1588]، وقَولُه: (‌مِثْلًا ‌بِمِثْلٍ) دليلٌ علَى اشتراطِ التّماثُلِ، وقولُه: (يَدًا بِيَدٍ) دليلٌ علَى اشتراطِ التّقابُضِ، ومعنَى: (مَا اختَلَفَتْ ألوَانُهُ) أي اختلفَ الجِنسَانِ؛ كالأرزِّ بالعدَسِ، وسيأتِي فِي الصُّورةِ الثانِيَةِ.
الثّانِي: عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهَ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: (مِنْ أَيْنَ هَذَا؟)، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ عِنْدَ ذَلِكَ: (أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ) [البخاري: 2188]، وفِي الحَديثِ إشارةٌ للمخرجِ عندَ إرادَةِ بيعِ الجيِّدِ بالرديءِ مِن الجنسِ الواحِدِ مِنَ المَطعومِ، والتَّمرُ (البَرنيُّ) هوَ نوعٌ مِن أنواعِ التّمرِ الفاخِرِ، وقولُهُ: (أَوَّهْ، أَوَّهْ) كلمةٌ تُقالُ عندَ الشِّكايَةِ والحُزنِ والتّوَجُّعِ.
الثّانيةُ: مًبادلةُ مطعومٍ بمطعومٍ مِن غَيرِ جنسِهِ:
ومِثالُها مُبادَلَةُ الأرزِّ بالعَدَسِ، أو المِلحِ بالدَّقيقِ، أو زيتِ الطّهيِ بالحمّصِ، ونحوِ ذَلِكَ، ويشترطُ لجوازَ المُقايضَةِ في هذه الحَالَةِ شَرطٌ واحِدٌ وهوَ الحُلولُ والتّقابُضُ فِي مَجلِسِ العَقدِ (المبادلةِ)، فَلا يجوزُ تأخيرُ تَسليمِ إحدى السِّلعتينِ أو بعضِها إلى ما بعدَ تَفرُّقِ المُتقايِضَينِ مِن مَجلِسِ العَقدِ، ولو برضَا الطّرفَينِ، وإلا كانَ ذلكَ مِن رِبَا النّسيئَةِ (أي التَّأخِيرِ)، وهوَ حَرامٌ شرعاً، ولا يُشترطُ فِي هذهِ الحَالَةِ تَماثُلُ العِوَضَينِ بِلَا خِلَافٍ.
ويدلُّ لذلكَ حديثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ: (التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى.. بِيعُوا البُرَّ بِالتَّمْرِ ‌كَيْفَ ‌شِئْتُمْ ‌يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ ‌كَيْفَ ‌شِئْتُمْ ‌يَدًا بِيَدٍ) [الترمذي: 1240، وأصله في مسلم برقم: 1587]، وفِي قولِه: (بِيعُوا البُرَّ بِالتَّمْرِ ‌كَيْفَ ‌شِئْتُمْ ‌يَدًا بِيَدٍ) دليلٌ على اشتراطِ التّقابُض فقط عندَ مُبادلَةِ الطَّعَامِ بطعامٍ آخرَ مِن غَيرِ جِنسِهِ.
الثّالثةُ: مُبادلةُ مطعومٍ بغيرِ مطعومٍ:
ومِثالُها مُبادَلَةُ الأرزِّ بالثيابِ، أو زيتِ الطَّهيِ بالحَطَبِ، أو البهاراتِ بمسحوقِ الغسيلِ، وهذهِ جائزةٌ مًطلقاً؛ فَلا يُشتَرَطُ فِيهَا الحُلولُ، ولَا التّقابضُ، ولا التَّماثُلُ، فيجوزُ تأخيرُ تسليمِ أحدِ العِوضَينِ أو بَعضِهِ عَن مجلسِ المبادلَةِ بلا خلافٍ، كما تجوزُ مبادلةُ أوقيَّةِ بهاراتٍ برطلٍ مِن مسحوقِ الغسيلِ، ويجوزُ مبادلةُ الحَطبِ بالخبزِ مع تأخيرَ تَسليمِ الخبزِ، أو الحطبِ، أو بعضِهِما عَن مجلسِ العَقدِ.
الرّابعةُ: مُبادلةُ سلعةٍ غيرِ مطعومةٍ بسلعةٍ غيرِ مطعومةٍ:
سواءٌ كانَت السلعتانِ مِن جِنسٍ واحدٍ؛ كمُبَادَلَةِ الملابِسِ بالملابِسِ، والحَطبِ بالحَطَبِ والصَّابُونِ بالصَّابُونِ، أو ليستَا مِن جنسٍ واحدٍ؛ كمُبَادَلَةِ الحَطبِ بمسحوقِ الغَسيلِ، أو مُبادلَةِ الملابسِ بالأحذيَةِ، أو مُبادلةِ مَروحةٍ بهاتفٍ محمولٍ، فتصِحُّ المُبادلةُ مطلقاً، دونَ أيّ شرطٍ مِن الشَّروطِ السّابقةِ، فَلا يُشترطُ تماثلٌ، ولا حلولٌ، ولا تقابضٌ، وتكونُ المُبادلةُ جائزةً وصَحيحةً، سواءٌ كانَ البدلانِ مُتماثِلَينِ أو مُتفاضِلَينِ، وسواءُ كانَ البيعُ حالّاً أو مُؤجّلاً، وسواءٌ كانَ البدلانِ مِن جنسٍ واحدٍ، أو مِن جِنسَينِ مُختلفَينِ، بشرطِ أن تكونَ تلكَ السِّلَعُ مِمُّا يباحُ اقتنَاؤهُ، ويجوزُ التَّعامُلُ فيهَا، مَع التَّراضِي، والبُعدِ عَن استغلالِ حاجَةِ النَّاسِ.

🖋️ *د. محمد سليمان الفرا*
*نائب رئيس مجلس الاجتهاد الفقهي*
الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ
21 سبتمبر 2025م

Address

Gaza

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مجلس الاجتهاد الفقهي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share