06/09/2026
وجع الفراق لا يعرف الحدود.. السفير الحبيب بن فرح وأمٌّ انتظرته طويلًا
ليست كل حكايات الفراق تُروى، فبعضها يبقى عالقًا في القلب، يحمل الإنسان تفاصيله بصمت، ويمضي في حياته وهو يعرف أن هناك وداعًا لم يحدث، ولقاءً لم يكتمل.
من بين هذه الحكايات، قصة السفير التونسي الحبيب بن فرح، الذي ارتبطت مسيرته الدبلوماسية بفلسطين لأكثر من ربع قرن، وكانت غزة إحدى أهم محطاتها، قبل أن يواصل مهمته سفيرًا للجمهورية التونسية لدى دولة فلسطين.
بدأت رحلة بن فرح في فلسطين مستشارًا أول لدى سفارة الجمهورية التونسية في قطاع غزة، ثم واصل عمله الدبلوماسي بعد انتقال السفارة إلى رام الله، ليصبح سفيرًا لبلاده لدى فلسطين.
لكن خلف هذه المسيرة الدبلوماسية قصة إنسانية لا يعرفها كثيرون.
في تونس، كانت هناك أم تنتظر ابنها.
انتظرته سنوات طويلة، وكانت المسافة بينهما أكبر من مجرد حدود بين بلدين. فظروف العمل والقيود المفروضة على الحركة جعلت عودته إلى تونس أمرًا بالغ الصعوبة، وحين مرضت والدته لم يتمكن من مغادرة فلسطين للاطمئنان عليها كما يتمنى أي ابن.
كان يستطيع أن يحمل مسؤولياته الدبلوماسية، وأن يتابع واجباته ومهامه، لكنه لم يكن يستطيع أن يختصر المسافة بينه وبين أمه.
ومضت السنوات.
عشر سنوات تقريبًا من الانتظار، كانت الأم خلالها تنتظر أن يعود ابنها، بينما كان هو يعيش بين مسؤولياته في فلسطين وقلق قلبه على والدته في تونس.
ثم جاء الخبر الذي لا يشبه أي خبر آخر...
رحلت الأم.
رحلت قبل أن يعود ابنها، وقبل أن يلتقي بها، وقبل أن يحصل على تلك اللحظة التي لا يعوضها شيء: لحظة الوداع.
بقيت في قلبه حسرة لم تكن بسبب الفقد وحده، وإنما بسبب أنه لم يتمكن من أن يكون إلى جانبها في آخر لحظاتها.
وهنا يصبح الفراق حكاية إنسانية لا علاقة لها بالجنسية ولا بالحدود.
فالأم التي انتظرت ابنها في تونس تشبه في وجعها أمهات كثيرات في فلسطين، وأمهات غزة اللواتي ينتظرن أبناءهن، وأبناء فرقتهم الحروب والحواجز والمسافات عن أحبائهم.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو قصة السفير الحبيب بن فرح مختلفة؛ لأنه عاش الفراق من جهتين: فراق أمٍ في تونس، ووجع شعبٍ وأسرٍ في فلسطين.
طوال سنوات وجوده في فلسطين، لم يكن حضوره مقتصرًا على عمله الدبلوماسي، بل ارتبط أيضًا بمتابعة أوضاع أبناء الجالية التونسية في قطاع غزة، والوقوف إلى جانبهم في الظروف الصعبة، ومتابعة شؤونهم في ظل الحروب والقيود التي جعلت الحياة أكثر قسوة وتعقيدًا.
لم تكن فلسطين بالنسبة إليه مجرد مكان عمل، بل مساحة من العمر تركت أثرها في وجدانه.
وفي الوقت الذي كان فيه يحمل وجع فقد والدته، كان يرى حوله وجع أمهات فلسطين، وأسرًا تنتظر أبناءها، وأطفالًا كبروا في ظل الحرب، وعائلات فرقتها الظروف القاسية.
قد لا يعرف الناس دائمًا الثمن الإنساني الذي يدفعه أصحاب المسؤوليات، لأن الدبلوماسي يظهر في الصورة الرسمية، خلف مكتبه أو في اللقاءات والمناسبات، لكن خلف تلك الصورة إنسان له أم تنتظر، وعائلة تشتاق، وقلب يتألم.
قصة السفير الحبيب بن فرح تذكرنا بأن بعض المسؤوليات لا تُقاس فقط بالمنصب، وإنما بما يقدمه الإنسان من سنوات عمره، وما يتحمله من غياب، وما يخسره من لحظات لا يمكن استعادتها.
رحلت الأم، وبقيت صورتها في قلب ابنها.
وبقيت معها حكاية فراق طويلة، لم تكن يومًا اختيارًا، لكنها أصبحت جزءًا من مسيرة رجل اختار أن يؤدي مهمته في فلسطين، وأن يبقى قريبًا من أبناء الجالية التونسية، وأن يحمل مسؤولياته حتى في أصعب الظروف.
إنها حكاية أم انتظرت طويلًا، وابن لم يتمكن من العودة، وفراق يؤكد أن الألم الإنساني لا يعرف حدودًا ولا جنسيات.
رحم الله والدة السفير الحبيب بن فرح، وجبر قلبه، وحفظ لكل أم أبناءها، ولكل ابن أمه.