01/08/2026
الشعب السوري بحاجة إلى توافق وطني أم إلى تعميق الإنقسام السيا سي والمجتمعي ؟
إن ا نتصار سوريا لايقاس بمن سقط، ولا بمن وصل إلى السلطة بل بمدى قدرة دولتها ان تكون دولة لجميع مواطنيها ، والدولة التي تبنى على التوافق الوطني هي القادرة على ان تكون سياج الهوية الوطنية الجامعة ، وهي الأكثرقدرة على الخروج من الأزمات ، وعلى مواجهة التحديات عبر خطاب يجمع ولايفرق بين السوريين . من هنا الشعب السوري بحاجة إلى خطاب جامع ، لايتكلم بلسان متعصب يريد الإنتصار لفكرة ضد فكرة أخرى بل بلسان تعلم من الحياة أن أعظم انتصار هو ان يبقى إنساناً يسهم في بناء منظومة قيم تؤمن بأن اختلاف المعتقد بين الافراد أو الجماعات السورية يجب أن لا يكون سبباً للنزاع ، والحروب ، بل ان يكون عاملأ داعماً لبناء إطار مشروع أخلاقي وثقافي، يتشكل عبرَ وعيِ الأفراد بانتمائهم إلى مجتمع سياسي واحد، تتكامل فيه الحقوق والواجبات، وتتوازن فيه المصالح الخاصةمع المصالح العامة ، لبناء سورية الجديدة .
ماأحوجنا إلى وعي يدرك أن الأمم لاتقوم على التشابه المطلق بين أفرادها، بل على قدرتها على تحويل تنوعها إلى مصدر قوة، واختلافها إلى إطار للتكامل والإبداع.
لم تكن الوحدة الوطنية في سورية عبر تاريخها الطويل مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات، ولا عبارة إنشائية تُستدعى في أوقات الأزمات، بل كانت على الدوام، معلماً مميزاً للشعب السوري، والسمةَ الأبرز التي حفظته، وأكسبته القدرة على تجاوز المحن، وصون الدولة، وحماية الهُوية الوطنية الجامعة. وقد أثبتت التجاربُ أنَّ الأوطان التي تتماسك شعوبُها حول هُوية وطنية واحدة، ومصالح مشتركة، وقيم جامعة، هي الأكثر قدرة على النهوض بعد الأزمات، مهما بلغت التحديات وتعاظمت التضحيات.
لقد دفعت سورية أثماناً باهظةً نتيجة سنوات الصراع والانقسام، الأمر الذي يجعل إعادةَ بناء الوحدة الوطنية اليوم أولوية تتقدم على سائر الأولويات، لأنها الإطارُ الذي تتولد منه دولةُ المواطنة، والمؤسسات المستقرة، والتنمية المستدامة، والسيادة الوطنية، والأمن المجتمعي.
ومن هنا، فإنَّ الحديث عن الوحدة الوطنية ليس حديثاً عن حالة عاطفية أو رغبة أخلاقية فحسب، وإنما عن مشروع وطني متكامل يُعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة، وسيادة القانون، والشراكة السياسية، والعدالة، واحترام التنوع ضمن إطار الهُوية الوطنية السورية الجامعة.
إنَّ التجارب التاريخية تؤكد أنَّ الشرعية السياسية الحقيقية لا تنبع من امتلاك أدوات القوة وحدها، وإنما من رضا المواطنين ومشاركتهم الفعلية في صناعة القرار العام. ولذلك فإن تغاضيَ أي سلطة عن المشاركة الشعبية في إنتاج الشأن العام، انطلاقاً من المصالح الوطنية العليا للبلاد، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية، ويزيد من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويحول دون بناء الثقة الضرورية لاإستقرار الدولة.
ولا يمكن لأي مشروع سياسي أنْ يحقق الإستقرار الدائم إذا ظلَّ المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حلٍّ سياسي وطني يحقق تطلعات الشعب، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق الوطني، ويحدد بوضوح حقوق المواطنين وواجباتهم، ويرسم العلاقة بين السلطات، ويكفل تداول المسؤولية وفق الأطر الدستورية والقانونية. ويغدو المؤتمر الوطني العام، الذي يمثل مختلف المكونات السياسية والإجتماعية والنخب الإقتصادية والعلمية والثقافية تمثيلاً صحيحاً ، هو الركيزةَ الوحيدةَ المهمةَ لإنتاج هذا العقد الاجتماعي، عندما يقوم على قواعد الشمول والتمثيل الحقيقي والحوار المسؤول، بحيث يكون فضاءً وطنياً لتبادل الرؤى، وصوغِ المستقبل المشترك، بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار.
لقد أثبت التاريخ الإنساني أنَّ القوة قد تفرض السيطرة مؤقتاً، لكنها لا تؤسس شرعيةً دائمةً، ولا تبني يمؤسسات مستقرة، ولا تصنع ولاءً وطنياً راسخاً.
ف إن الواقع السوري بحا جة ماسة إلى بناء مشروع نهضوي سوري بهندسة سياسية وطنية قادرة على استيعاب التنوع السوري، وتحويله إلى مصدر قوة وإبداع. فالدولة الحديثة لا تقوم على إخضاع المجتمع، وإنما على تنظيم اختلافاته ضمن مؤسسات دستورية تحترم الجميع.
وسورية ليست بلداً عادياً في الجغرافيا السياسية؛ فهي تمتلك موقعاً إستراتيجياً فريداً، وكانت عبر التاريخ ملتقى الحضارات والثقافات والتجارة والأفكار. كما أنَّ شعبها عرف السياسةَ والعملَ العام منذ عقود طويلة، وأسهم في بناء الفكر الدستوري ، والبرلماني ، الأمر الذي يجعل الحوارَ السياسي والتوافقَ الوطني أكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع السوري .
إنَّ الهندسة السياسية المطلوبة اليوم هي تلك التي توازن بين قوة الدولة وحقوق المجتمع، وتحفظ وحدة المؤسسات مع صيانة الحريات، وتحقق الاستقرار دون التضحية بالكرامة الإنسانية أو المشاركة الوطنية.
لا يمكن لأي وطن أنْ يؤدي رسالته الحضارية أو الإقليمية إذا تعرضت سيادته للإنتقاص.
إنَّ الاستقرار الوطني، والسيادة الكاملة للوطن، والأمن الشامل للمواطنين، تُشكّلُ الأساس الذي يجلب لسورية دوراً تاريخياً وإستراتيجياً، ويؤهلها لإستثمار موقعها الجغرافي المركزي، الذي جعلها عبرالتاريخ عقدة وصل بين المشرق والمغرب، وبين آسيا وأوروبا، وبين البحر المتوسط وعمق الوطنل العربي.
وعندما تستطيع الدولة بناء قدرتها على حماية حدودها، وصيانة استقلال قرارها الوطني، وترسيخ الأمن وسيادة القانون، يصبح المجتمع أكثر قدرة على البناء والإنتاج، ويستعيد الإقتصاد حيويته، وتمتلك سورية المكانة التي تستحقها
في محيطها الإقليمي ، والدولي.
إنَّ المستقبل الذي يتطلع إليه السوريون لا يمكن أنْ يُبنى على ذاكرة الانقسام، بل على إرادة العيش اللمشترك، واحترام التنوع، والإيمان بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه ، فالوحدة الوطنية ليست إلغاءً للاختلاف، وإنما هي إدارة راشدة له ضمن مؤسسات دستورية وقانونية، بحيث يتحول التنوع إلى مصدر ثراء ثقافي واجتماعي وسياسي.
وكلما توسعت المشاركة الوطنية، وتعززت الثقة بين أفراد المجتمع ، ومؤسسات الدولة، وترسخت قيم العدالة والمواطنة وسيادة القانون، ازدادت قدرة سورية على تجاوز آثار الماضي المؤلم والمضطرب ، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إنَّ بناء الوحدة الوطنية يحتاج إلى منظومة متكاملة من المرتكزات والمبادئ والسياسات، من أهمها:
المواطنة المتساوية واستقلال القضاء ، ثم ثقافة وطنية جامعة ، تحترم التنوع الثقافي ، الديني ، والقومي ، ضمن وحدة الدولة ودون تلك المنظومة لاعدالة انتقالية، ولاتنمية متوازنة ، ولا إزدهار وطني يلبي طموحات السوررين .
فالدولة التي تُبنى على الغَلبَة تَبقى معرضة للإضطراب، أما الدولة التي تُبنى على التوافق الوطني والمواطنة ،والعدالة وسيادة القانون والمشاركة الوطنية ، هذا البناء هو الذي يصون ويشيد دعائم الوحدة الوطنية ، التي هي الثروة الحقيقية التي لا تنضب، والأساس الذي تقوم عليه الدولة القوية والمجتمع المتماسك.
خلاصة القول : فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مشاركة وطنية، ولا مشاركة حقيقية دون احترام إرادة الشعب وكرامة الإنسان وسيادة القانون.
1\8\2026 . يحيى عزيز .