05/11/2025
في مبيت جندوبة: تلاميذ بلا تغذية... ومسؤولون بلا ضمير
ديوان الخدمات المدرسية تحت المجهر الغذاء كمؤشر للعدالة الاجتماعية فكرامة التلميذ مقياس الدولة حين تكشف الملاعق هشاشة
في زمن يفترض فيه أن تكون المدرسة فضاء للتعلم والكرامة والعدالة الاجتماعية تطل علينا مشاهد صادمة من بعض المبيتات المدرسية في جندوبة مشاهد تختزل في طبق "مقرونة بالماء مع شوية سلاطة"، كما ورد في تقرير ميداني عقب زيارة فجئية أداها السيد والي جندوبة إلى مبيت المدرسة الإعدادية طريق تونس مشهد صغير في تفاصيله لكنه عميق في دلالاته الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
المدرسة بين الحق في التعليم وحق العيش الكريم لا يمكن فصل جودة الخدمات داخل المؤسسات التربوية عن مبدأ الحق في التعليم فالطفل الذي يبيت جائعا أو يتناول وجبة تفتقد لأبسط مقومات التغذية السليمة لا يمكنه أن يحقق التحصيل العلمي المرجو إن الغذاء هنا ليس مجرد وجبة بل هو عنصر من عناصر العدالة التعليمية.
ديوان الخدمات المدرسية: سؤال المسؤولية قبل المساءلة
يفترض أن يكون ديوان الخدمات المدرسية الذراع التنظيمي الذي يضمن حسن التصرف في موارد المبيتات والمطاعم غير أن الوقائع الميدانية تكشف عن هوة عميقة بين النص القانوني والممارسة الفعلية فهل العطب في الإمكانيات المادية أم في منظومة المراقبة أم في غياب ثقافة المحاسبة؟ إنها أسئلة لا تنتظر ردودا ظرفية بل إصلاحا هيكليا يعيد الثقة إلى مؤسسة عمومية بدأت تفقد مصداقيتها أمام أوليائها وتلاميذها.
الزيارة الفجئية... بين الرمزية والجدوى
زيارة الوالي في حد ذاتها تمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ إذ تعكس يقظة إدارية ومتابعة ميدانية غير أن المشكل لا يحل بالزيارات الفجئية وحدها بل عبر بناء آلية دائمة للمراقبة والشفافية تفعّل فيها الرقابة البعدية والردع الإداري فالإصلاح الحقيقي لا يتم بالتصريحات ولا بالصور الرسمية بل بقرارات تترجم على موائد التلاميذ.
من "مقرونة بالماء" إلى أزمة القيم
حين يتحوّل العشاء المدرسي إلى رمز للرداءة، تصبح القضية أزمة قيم قبل أن تكون أزمة موارد إذ كيف يمكن لمجتمعٍ أن يتحدث عن "المدرسة الجمهورية" و"تكافؤ الفرص"، فيما بعض أبنائه يتناولون وجبة لا تليق حتى بالحيوانات الضالة؟
إنها مفارقة أخلاقية صادمة، تضعنا أمام سؤالٍ مؤلم:
هل ما زلنا نؤمن بأنّ كرامة التلميذ جزء من كرامة الوطن؟
عشاء تلميذ في 2025 ليس مجرد حادثة عابرة، بل مرآة لوضع عام يختزل فشل المنظومة الإدارية والرقابية في ضمان الحد الأدنى من الكرامة إن العمل الميداني الجاد، لا الشعارات، هو المقياس الحقيقي للمسؤولية ولعل ما فعله والي جندوبة من صدمة وغضب هو البداية الواجبة لثورة قيمية في ديوان الخدمات المدرسية...
ثورة تبدأ من طبق الطعام ولا تنتهي إلا حين يصبح التعليم في تونس فعلا كريما في فضاء كريم.
جلال الطويهري
ناشط حقوقي وسياسي