قنـــــــــــــاة الكـــادحيــن

  • Home
  • Tunisia
  • Tunis
  • قنـــــــــــــاة الكـــادحيــن
04/09/2026

الى الثوريين العرب ،افرادا ومنظمات واحزاب.
صدر العدد الجديد من مجلة سلاح النقد ، وفيه جملة من المقالات حول قضايا فكرية تهم تونس والوطن العربي والعالم . وتتمنى المجلة ان تجد تلك المقالات تفاعلا ليس من قبل القراء الأفراد وحدهم وانما أيضا من قبل المنظمات والأحزاب الثورية العربية بما من شأنه ان يمكن من توحيد صفوفها في وقت لا تخفى تحدياته.
___ في التعليق الأول العدد للقراءة والتحميل.

غلاف العدد الجديد من مجلة سلاح النقد.
03/09/2026

غلاف العدد الجديد من مجلة سلاح النقد.

بعد حل «قسد»: نهاية نموذج أم بداية مراجعة يسارية للقضية القومية؟القضية الكردية نموذجاً: دعوة إلى دولة المواطنة والعدالة ...
01/09/2026

بعد حل «قسد»: نهاية نموذج أم بداية مراجعة يسارية للقضية القومية؟
القضية الكردية نموذجاً: دعوة إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية بأفق اشتراكي.
رزكار عقراوي
مشهد قصر الشعب، نهاية تجربة وبداية سؤال
في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان بعد العملية العسكرية الواسعة التي شنتها القوات الحكومية في كانون الثاني/يناير 2026، والتي أدت إلى خسارة «قسد» مساحات واسعة من مناطق نفوذها، ومهدت لمسار تفاوضي انتهى باتفاق على دمج قواتها ومؤسساتها ضمن الدولة السورية.
وأرى أن ذلك أمر إيجابي، لأنه يقلل احتمالات اندلاع حروب قومية مدمرة، يكون العمال والكادحون من مختلف القوميات أول ضحاياها. وعلى الرغم من أن الاتفاقات المتتالية، من آذار/مارس 2025 إلى الاتفاق الشامل في كانون الثاني/يناير 2026، وصولاً إلى إعلان الحل، قللت احتمالات الحرب وجنبت جماهير المنطقة مزيداً من الدمار، فإنها لم تتضمن أي بنود بشأن القضايا التي نناضل من أجلها كقوى يسارية وتقدمية، مثل حقوق المرأة، وعلمانية الدولة، ووقف الخصخصة، وحماية القطاع العام، وضمان حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإجراء انتخابات ديمقراطية لجميع المسؤولين.
نموذج «قسد» الذي قدمه جزء واسع من اليسار الكردي والعالمي طوال سنوات بوصفه ثورة يسارية اجتماعية ونسوية وديمقراطية قاعدية، انتهى بقرار فوقي أعلن من قصر رئاسي في دمشق، دون استفتاء شعبي أو قرار معلن من المجالس والكومونات التي قدمتها «قسد» للعالم بوصفها صاحبة السيادة الفعلية فيما سمي بـ«الإدارة الذاتية» المستندة إلى سلطة الجماهير!، والولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأساسي لـ«قسد»، والتي انخرطت في الوقت نفسه في دعم المسار السياسي والعسكري للسلطة الجديدة في دمشق، كانت طرفاً أساسياً في تحديد مسار الحرب ثم مسار الحل، وهذا وحده يكشف أين كان يتموضع القرار طوال الوقت، وحدود الرهان على القوى الإمبريالية الكبرى.
واللافت هو توزيع الأثمان. فقد استوعبت الدولة الجديدة قسماً من النخبة العسكرية والحزبية في «قسد»، رغم طابعها الطبقي والديني والاستبدادي؛ إذ عين العديد من قادتها في مناصب عسكرية، وحصل آخرون على رتب ومواقع إدارية، فأصبحوا جزءاً فاعلاً من المؤسسة العسكرية والسياسية والإدارية والامنية للحكومة السورية، ومن بنيتها الطبقية الرأسمالية. في المقابل، بقيت شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والسريان وسائر المكونات أمام المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذاتها التي سبقت الحرب، والتي تضاعفت حدتها بعد سنوات الصراع والدمار.
وفي موازاة ذلك، صدرت مراسيم اعترفت بالكرد جزءاً أساسياً من الشعب السوري، وباللغة الكردية لغةً وطنية، وبنوروز عيداً وطنياً، وأنهيت آثار إحصاء الحسكة الجائر لعام 1962. وهذه مكاسب حقيقية ناضلت من أجلها أجيال، غير أن الاعتراف جاء بعد حسم موازين القوى لا قبله، والحقوق التي تمنح بمرسوم يمكن أن تسحب بمرسوم مضاد، وبالأخص في ظل حكم غير ديمقراطي مستند إلى تنظيمات إسلامية لها تاريخ في الاستبداد والعنف. المطلوب اليوم هو تحويل هذه المكاسب إلى نصوص دستورية ملزمة، ضمن عملية انتقال سياسي شامل، لا أن تظل هبات من سلطة مستبدة.
وهذا التحذير يتضاعف في ظل طبيعة السلطة الجديدة في دمشق، التي لم تقدم أي ضمانات واضحة وملزمة حول علمانية الدولة أو حقوق المرأة أو الحريات العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن سجلها في القمع والانتهاكات الموثقة يثير مخاوف من استبداد جديد بغطاء ديني، لا يقل خطورة عن سابقتها.
ما يحسب في السجل وما لا يطوى منه
الموضوعية تقتضي تسجيل الجوانب الإيجابية. ففي إقليم كردستان العراق، وثقت التقارير الدولية استضافة أعداد كبيرة من النازحين من مختلف المكونات، وتوفر مستوى من الاستقرار والحريات الاجتماعية والدينية أعلى نسبياً في بعض المجالات مقارنة بمناطق عراقية أخرى، ودوراً في حماية أقليات من خطر الإبادة خلال صعود داعش.
وفي شمال وشرق سوريا، أدت قوات سوريا الديمقراطية دوراً عسكرياً فعالاً في محاربة داعش، ودفعت ثمناً باهظاً من الأرواح، وجرت محاولات لبناء نموذج إداري مدني في ظروف حرب وحصار، وتحقق تقدم نسبي في مشاركة المرأة، وهو أمر نادر في سياق المنطقة.
وفي المقابل، وثقت المنظمات الحقوقية الدولية في الإقليم انتهاكات كبيرة ومنهجية: اعتقال صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وتعذيبهم، وقمع التظاهرات ضد البطالة والفساد وانقطاع الرواتب بالرصاص الحي أحياناً، وثغرات كبيرة في حماية النساء. وفي شمال وشرق سوريا، وثقت انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات سوريا الديمقراطية، شملت تجنيد الأطفال دون الثامنة عشرة، والاعتقال التعسفي والتعذيب، وقمع الاحتجاجات. كما وثقت تقارير حقوقية اتهامات بانتهاكات بحق سكان عرب وعمليات تهجير في بعض المناطق، وإغلاق مكاتب إعلامية ومنظمات مدنية.
التناقض بين الخطاب والممارسة
يواجه اليسار، محلياً كان أم عالمياً، تحدياً معقداً: كيف يدافع عن حقوق الشعب الكردي المشروعة مع الحفاظ على معايير نقدية ثابتة تجاه جميع السلطات دون استثناء؟ هذا التوازن شرط لمصداقية التضامن الأممي نفسه.
التضامن مع الشعب الكردي المضطهد وسائر الشعوب المضطهدة موقف يساري مبدئي أساسي، يستند إلى قيم ترفض القهر القومي والاستغلال الطبقي وكل أشكال التمييز. فالشعب الكردي تعرض لاضطهاد قومي تاريخي ومستمر، شمل الإبادة الجماعية والتهجير القسري ومنع الحقوق الثقافية واللغوية والقمع السياسي.
غير أن هذا التضامن لا يقوم على الاصطفاف غير المشروط، ولا بد أن يميز بوضوح بين دعم حقوق الشعوب المضطهدة في الكرامة والمساواة وحق تقرير المصير، وبين تأييد مطلق لأحزاب قومية بعينها ثبت تورطها في انتهاكات جسيمة وموثقة، مارست عبر تاريخها الاغتيالات السياسية والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب بحق معارضيها، وكثير منهم من صفوف اليسار.
انجذب جزء كبير من اليسار إلى مفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية» ونظريات عبد الله أوجلان التي تبنتها الإدارة الذاتية كبديل عن الدولة الأمة المركزية. لكن الممارسة على الأرض كشفت مفارقة حادة: بينما كان الحديث يدور عن الكومونات والديمقراطية الشعبية القاعدية، تركز القرار العسكري والمالي في يد كوادر حزبية وعسكرية غير منتخبة تتحرك بعقلية مركزية صارمة. أما استخدام مفاهيم البيئة والنسوية واللا دولة كغطاء خطابي أمام الرأي العام الغربي وبالأخص اليساري، لسلطة عسكرية أحادية تتعاون وثيقاً مع المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية وتتلقى تمويلاً منها، فبرأيي أنه لا يخدم الفكر اليساري، وإنما يفرغه من محتواه ويحوله إلى قوة تعمل لصالح تلك المؤسسات.
فاعتماد حركات تقدم نفسها ثورية أو تحررية على الإمكانيات المالية والعسكرية الأمريكية ليس مسألة تكتيكية عابرة، إذ يعيد تشكيل طبيعتها الداخلية تدريجياً. ومع انتقال مركز الثقل من التعبئة الشعبية إلى التمويل الخارجي، تتحول الحركة من قوة اجتماعية نابعة من حاضنة شعبية إلى قوة عسكرية مدفوعة الثمن، ويصبح بقاؤها مرتبطاً باستمرار الدعم الدولي أكثر من ارتباطه بحاضنتها الجماهيرية، وهي التي ستقرر مستقبلها. وعند تغير أولويات الداعم، تنكشف الهشاشة البنيوية دفعة واحدة. وهذا ما حصل حرفياً، وكما أشرت في مقالات سابقة ومنذ عام 2018.
رفعت واشنطن العقوبات عن دمشق في أيار/مايو 2025، واستقبلت أحمد الشرع في البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، ثم جاءت حملة كانون الثاني/يناير 2026 في ظل تفاهمات أمريكية تركية. وأعلن المبعوث الأمريكي توم براك صراحة أن بلاده لا تؤيد الفيدرالية في سوريا، وأن الغرض الأصلي من تلك القوات انتهى عملياً، فيما رفض مبعوث أمريكي سابق وصف ما جرى بالخيانة، موضحاً أن واشنطن نظرت دائماً إلى هذا التحالف بوصفه مؤقتاً وتكتيكياً وتبادلياً. شهادات صانعي القرار أنفسهم تغني عن أي تحليل إضافي حول الرهان على القوى الرأسمالية الكبرى.
كما انفرطت البنية التي قدمت «قسد» بوصفها تحالفاً بين مكونات المنطقة عند أول اختبار جدي. وقبل ذلك، كانت قيادتها قد قبلت، بحكم الأمر الواقع، دور الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارزاني) مرجعيةً قومية أولى، رغم حكمه العائلي والعشائري وفساده وتوريثه للسلطة، وظهر ذلك عملياً حين انتقل التفاوض إلى أربيل، وتولى مسعود البارزاني دور الوسيط والضامن.
وهذا ليس استنتاجاً أطرحه اليوم بعد انتهاء تجربة «قسد»، فقد كتبت في هذا الاتجاه منذ سنوات.
ففي مقال بعنوان «الدولة القومية؟ أم دولة المواطنة والحقوق؟» نشرته عام 2018، كتبت عن تجربة اليسار القومي الكردي في سوريا:
«وأعتقد أن تجربة اليسار القومي الكردي من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي وتوابعه في سوريا، مهما تطورت، فستكون بمستوى إصلاحات ذات صبغة يسارية ومدنية راديكالية، شبيهة بنظام حكم حزب البعث في العراق وسوريا في سبعينيات القرن المنصرم، والتي كانت أحد أهم التجارب التاريخية لحكم اليسار القومي في الشرق الأوسط، وتحولت جميعها إلى أنظمة دكتاتورية استبدادية فاسدة».
وفي المقال نفسه، حذرت أيضاً من طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة، وكتبت:
«أمريكا كأكبر قوى رأسمالية تدعم معظم الأنظمة الرجعية والعنصرية في العالم، ولم تكن يوماً ما في صف الشعوب المضطهدة والقيم الإنسانية والتحررية، إنها موجودة في سوريا فقط لأجل ضمان مصالحها الإستراتيجية في سوريا والمنطقة ومواجهة النفوذ الروسي. وأعتقد أن تحالف أمريكا مع «قوات سوريا الديمقراطية» هو لسد فراغ ونقص أمريكي في عدم وجود قوات برية كبيرة لها على الأراضي السورية من خلال القوات النظامية أو الشركات الأمنية، وبالتالي تعتمد على القوى العسكرية البشرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في تنفيذ أجندتها داخل سوريا. هذا التحالف مشابه لتحالف بعض أطراف المعارضة العراقية من خلال «المؤتمر الوطني العراقي» مع أمريكا سياسياً وعسكرياً قبيل إسقاط النظام البعثي الدكتاتوري في العراق، وأعتقد أنه تحالف وقتي هش ووفق المصالح الأمريكية، ويضفي الشرعية على التدخل الأمريكي وممارساته في سوريا، إضافة إلى أنه مساهمة في تجميل وجه أمريكا القبيح والكالح محلياً وإقليمياً وعالمياً. أمريكا معروفة بالتخلي عن حلفائها عند انتهاء مهماتهم، أو عندما تتعارض مع أجندتها، ولدينا أمثلة كثيرة أخرى، ومصالحها الإستراتيجية مع تركيا هي الأهم والأساس، والمسألة قضية وقت لا أكثر».
طغم قومية متشابهة بلغات مختلفة، وأسئلة لا تقبل كلمة «لكن»
سبق أن أشرت في نصوص سابقة إلى أنه لا توجد خلافات جوهرية بين الطغم القومية الحاكمة، سواء في إقليم كردستان العراق أو تلك التي كانت تحكم شمال وشرق سوريا، ولا بينها وبين الأنظمة والبرجوازيات القومية الحاكمة في المنطقة، مثلاً في بغداد أو دمشق أو أنقرة. وهناك تشابهات جوهرية في طبيعة السلطة ومصالحها الطبقية، فالخلاف بينها يدور على الحصص والنفوذ والموارد وتقسيم السلطة، لا على طبيعة الحكم ولا على مصالح الطبقات الكادحة، وهي تشترك جميعاً في إفقار الجماهير وقمع الحريات وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبنسب مختلفة، بغض النظر عن منطلقها القومي أو الديني. وأحداث ووقائع إقليم كردستان العراق وسوريا أكدت هذه القراءة بشكل كبير.
من هنا، لا يكفي أن يعلن اليسار تضامنه مع «الشعب الكردي» بشكل مجرد. فالشعوب ليست كتلاً متجانسة، وإنما تشكيلات طبقية تتقاطع فيها التناقضات القومية مع الطبقية، ولا يوجد شعب أو عرق صافٍ خالٍ من الصراع الطبقي الداخلي. على اليسار أن يحسم موقفه: مع أي طبقة من الشعب الكردي يقف؟ مع برجوازية ريعية ونخب حزبية تحتكر السلطة والثروة، أم مع شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والتركمان وسكان تلك المناطق من القوميات الأخرى، الذين يعانون من الاستبداد والفقر والبطالة والتهميش وانهيار الخدمات، وتقيَد حقوقهم في التنظيم النقابي والسياسي المستقل، ويدفعون وحدهم ثمن الحروب القومية بدمائهم ومستقبل أبنائهم؟
في ضوء التقارير الموثقة، على اليسار أن يطرح على نفسه أسئلة حاسمة: هل نرفض الحكم الوراثي ونطالب بانتخابات ديمقراطية حقيقية؟ هل ندين الاعتقال التعسفي والاغتيالات والتعذيب أياً كان مرتكبوها؟ هل ندافع عن حرية الصحفيين والناشطين الكرد وحقوق العرب والتركمان والسريان وغيرهم في المساواة الكاملة؟ هل نرفض تجنيد الأطفال ونطالب بمعاملة إنسانية ومحاكمات عادلة لجميع المحتجزين؟ هل نطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة عن كل الانتهاكات، وتثبيت الحقوق القومية واللغوية والثقافية دستورياً؟ وهل ندافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للجماهير الكادحة، ونطالب بتوفير الخدمات العامة وفرص العمل والأجور العادلة، ومواجهة الفقر والبطالة والفساد ونهب المال العام واحتكار الثروة من قبل النخب الحزبية والعائلية؟ وهل نرفض ارتباط القوى اليسارية والتحررية بالمنظومات العسكرية والأمنية للإمبريالية أو تلقي تمويل منها؟
هذه الأسئلة لا تخص سوريا وحدها، وتنطبق أيضاً على إقليم كردستان العراق، حيث يحتاج جزء من اليسار إلى مراجعة نقدية لمواقفه من السلطة والأحزاب الحاكمة، والدفاع عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والناشطين والناشطات والمساواة بين جميع المكونات، بعيداً عن الحسابات الحزبية أو القومية.
إذا بدأ الجواب بـ«نعم، لكن الظروف استثنائية» أو «التوقيت غير مناسب» أو «يجب مراعاة السياق»، فهنا تبدأ المشكلة. حقوق الإنسان والمبادئ اليسارية لا ينبغي أن تكون انتقائية، لأن تبرير الانتهاكات بالظروف الاستثنائية يقرب الخطاب اليساري من منطق الانتهازية والازدواجية الذي ننتقده لدى الرأسمالية.
وما جرى في سوريا، وما يجري في إقليم كردستان، يجعلان هذه المراجعة أكثر إلحاحاً، وهي لا تخص القوميين الأكراد وحدهم. فقد دافع جزء من اليسار في العالم العربي لسنوات عن أنظمة دكتاتورية، مثل الأنظمة القومية البعثية في العراق وسوريا، كما دافع جزء آخر عن نماذج وأحزاب قومية أخرى. ولذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن التضامن مع الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وإنما إعادة النظر في علاقة اليسار بالأحزاب والأنظمة القومية الاستبدادية، وتحرير هذا التضامن من التبرير غير النقدي للانتهاكات وللسلطات والقوى السياسية، أياً كانت هويتها القومية أو الأيديولوجية.

البديل: دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية
مع قناعتي الكاملة بحق تقرير المصير لكافة الشعوب المضطهدة، فإن الظروف المحلية والإقليمية والدولية والوقائع الحالية لا تتيح تشكيل دولة قومية كردية مستقلة في المدى المنظور، ولا يوجد دعم دولي جدي لهذا المسار. وقد قدمت أحداث 2026 برهاناً واضحاً على ذلك، حين انتهى عملياً كيان شبه دولتي، هو الإدارة الذاتية في سوريا، المدعوم من أكبر قوة عسكرية إمبريالية في العالم، خلال أشهر، بمجرد أن تبدلت حسابات مموليه وتغيرت موازين القوى الإقليمية والدولية. ومن الممكن أن تنعكس هذه التطورات أيضاً على إقليم كردستان العراق، وفقاً لتغير المصالح الأمريكية وتحالفاتها وموازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه، أعتقد أن التطور الفكري والحقوقي للبشرية، وسيادة قيم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمواطنة، يفرضان إعادة التفكير في مشاريع الدولة القومية القائمة على الولاءات الإثنية والدينية. لذلك أرى أن النضال الأجدى هو نضال مشترك بين الشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة والجماهير الكادحة من أجل تجاوز الدولة القومية الإقصائية، وتجنب تحويل العمال والكادحين إلى وقود لحروب قومية مدمرة تخدم في النهاية مصالح البرجوازيات والنخب القومية.
أما البديل، في نظري، فلا يتعلق بالقضية الكردية وحدها، وإنما يمثل إطاراً لمعالجة مختلف الإشكالات القومية والدينية في المنطقة: دولة المواطنة الديمقراطية، القائمة على دستور يستند إلى مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وتحييد القومية والدين عن الدولة، وضمان المساواة القومية والثقافية لجميع المكونات، ورفض كل أشكال الهيمنة القومية. وتقوم على نظام فيدرالي لامركزي وديمقراطي بأسس جغرافية وإدارية عادلة، يتيح حكماً ذاتياً واسعاً ضمن دولة موحدة، إلى جانب انتخابات نزيهة، وتعددية حزبية، وفصل للسلطات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة والتنظيم النقابي والسياسي، وقطيعة كاملة مع الاستبداد وتوريث السلطة والحكم العائلي والقبلي.
ولا يمكن أن تكتمل هذه الدولة من دون عدالة اجتماعية تضمن حقوق الجماهير الكادحة من جميع القوميات والأديان، وتحمي القطاع العام، وترفض الخصخصة والنيوليبرالية التي تفقر الجماهير وتثري النخب. وبهذا الإطار يمكن ضمان الحقوق القومية والثقافية لجميع القوميات والأديان والمكونات، دون وضع أي قومية أو جماعة دينية فوق الأخرى.
القضية الكردية قضية عادلة تستحق تضامناً حقيقياً ومبدئياً. لكن التضامن الحقيقي لا يعني منح الأحزاب والنخب القومية حصانة سياسية أو أخلاقية، وإنما دعم نضال الشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة من أجل حقوقها وحرياتها وكرامتها وعدالتها الاجتماعية. كما يعني رفض تحويل القضية القومية إلى أداة لتكريس سلطة النخب وحماية امتيازاتها الطبقية.
ومن هنا، فإن نقد «قسد» ليس نقداً لحقوق الشعب الكردي، ونقد الأحزاب الحاكمة في إقليم كردستان ليس نقداً للقضية الكردية، ورفض الدولة القومية ليس رفضاً للهوية والحقوق القومية. إنه موقف يساري يدعو إلى تحرير التضامن القومي من التبعية للنخب والسلطات، وربط قضية التحرر القومي بالنضال من أجل الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وبوحدة نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر من جميع القوميات والمكونات.
* * *******************
المصادر والمراجع
أولاً: آخر التطورات (2026)
• Syrian Kurdish leader announces SDF dissolution after its integration into army, France 24, 25 August 2026
https://www.france24.com/en/middle-east/20260825-syrian-kurdish-leader-dissolves-force-that-spearheaded-jihadist-fight
• Comprehensive agreement between Syrian government and SDF for full integration, SANA, 30 January 2026
https://sana.sy/en/politics/2293263/
• How Syria's Sharaa captured Kurdish-held areas while keeping the US onside, Reuters, 21 January 2026
https://www.reuters.com/world/middle-east/how-syrias-sharaa-captured-kurdish-held-areas-while-keeping-us-onside-2026-01-21/
• The Humanitarian Response in Aleppo and the Northeast Governorates, Situation Report No. 2, UN OCHA, 3 February 2026
https://www.unocha.org/publications/report/syrian-arab-republic/humanitarian-response-aleppo-and-northeast-governorates-humanitarian-situation-report-no-2-3-february-2026
• Human rights update on Syria: mass graves and enforced disappearances in Al-Hassakeh, UN Human Rights Office (OHCHR), April 2026
https://www.ohchr.org/en/press-briefing-notes/2026/04/human-rights-update-syria
ثانياً: تقارير حول إقليم كردستان العراق
• Freedom of Expression Increasingly Curtailed in the Kurdistan Region of Iraq, UN OHCHR, 2021
https://www.ohchr.org/en/press-briefing-notes/2021/05/freedom-expression-increasingly-curtailed-kurdistan-region-iraq-un
• Iraq: Kurdistan Region's Authorities Failing Survivors of Domestic Violence, Amnesty International, 2024
https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/07/iraq-kurdistan-regions-authorities-failing-survivors-of-domestic-violence/
• GCHR Periodic Report on Human Rights Violations in the Iraqi Kurdistan Region, Gulf Centre for Human Rights, 2025
https://www.gc4hr.org/gchrs-periodic-report-on-human-rights-violations-in-the-iraqi-kurdistan-region/
• 2024 Country Reports on Human Rights Practices: Iraq, US Department of State
https://www.state.gov/reports/2024-country-reports-on-human-rights-practices/iraq
ثالثاً: تقارير حول شمال وشرق سوريا
• World Report 2025: Human Rights Conditions in Syria, Human Rights Watch
https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/syria
• Aftermath: Injustice, Torture and Death in Detention in North-East Syria, United Nations / OHCHR
https://www.un.org/sexualviolenceinconflict/wp-content/uploads/2024/05/Aftermath_ENG.pdf
• Children and Armed Conflict: Report of the Secretary-General, United Nations, 2024
https://docs.un.org/en/S/2024/384
• Syria: Kurdish Forces Violating Ban on Child Soldiers, Human Rights Watch
https://www.hrw.org/news/2015/07/10/syria-kurdish-forces-violating-child-soldier-ban-0
• Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, UN OHCHR, 2025
https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/iici-syria/independent-international-commission
رابعاً: مقالات ذات صلة
• رزكار عقراوي/ عفرين! .... الدولة القومية؟ أم دولة المواطنة والحقوق؟ .... ملاحظات سريعة
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=593808

نيكولاس مادورو يبعث برساله من سجنه.الرسالة التالية حقيقية والصورة أيضا ، كتب مادورو : أرسل هذه الصور كهدية صغيرة إلى جمي...
30/08/2026

نيكولاس مادورو يبعث برساله من سجنه.

الرسالة التالية حقيقية والصورة أيضا ، كتب مادورو :

أرسل هذه الصور كهدية صغيرة إلى جميع أحفادي وحفيداتي، وإلى الأطفال والطفلات، وإلى كل الناس الكرام الذين يحبوننا. أريدهم أن يعرفوا أننا ثابتون، وقلوبنا مفعمة بحبكم، ذلك الحب الذي يصلنا وقد تحوّل إلى صلاة، وإلى عمل دائم، وإلى تضامن ودعم حقيقي. شكراً لا نهائياً على كل كلمة، وكل لفتة، وكل بركة.

استمتعوا بهذه الهدية الصغيرة بفرح وأمل. سيليا وأنا نعانقكم إلى الأبد، وأرواحنا معلقة بكم، وإيماننا بالله لا يتزعزع. كما يقول الرسول بولس: "ولكن في هذا كله ننتصر انتصاراً عظيماً بالذي أحبنا" (رومية 8: 37). سنبقى أقوياء، هادئين وواثقين: الله معنا. الله سيتكفل. فنزويلا ستُبعث من جديد.

بركات.

الفـــلاّحون والأرض في تــونس     * بقلم سميح نقّـــاشتمهيد:   تمثّل مساحة الأراضي الفلاحية 62٪ من المساحة الجمليّة للبل...
29/08/2026

الفـــلاّحون والأرض في تــونس * بقلم سميح نقّـــاش
تمهيد:

تمثّل مساحة الأراضي الفلاحية 62٪ من المساحة الجمليّة للبلاد التونسيّة (16.4 مليون هكتار) أي ما يفوق 10 مليون هكتار موزّعة على النحو التالي:
- المراعي الطبيعية والمروج 4.8 مليون هكتار،
- الغابات حوالي 1.6 مليون هكتار،
- المساحة المزروعة 5.25 مليون هكتارا أي ما نسبته 32٪ من المساحة الجمليّة للبلاد وأقلّ من نصف مساحة الأراضي الفلاحيّة(1) وهي مساحة محدودة جدّا، ويبدو أنّها تراجعت مقارنة بالقرن الماضي حيث كانت في أواخر الثمانينيات تقدّر بـ 5.5 مليون هكتار. في الوقت الذي شهد فيه عدد السكان تزايدا وبالتالي تزايد الطلب على الغذاء.

ويساهم القطاع الفلاحي بنسبة لا تزيد عن 9% في الناتج الداخلي الخام ويشغّل حوالي 15% فقط من مجموع النشيطين حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2020 وهو ما جعل هذا البلد الزّراعي بالأساس عاجزا عن توفير الغذاء الكافي لسكّانه الذين يقدّر عددهم بحوالي 12 مليون نسمة حسب التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وهذه المعطيات تعني وجود أزمة مستفحلة في هذا القطاع.

وإذ تتنوّع العوامل المفسّرة لأزمة القطاع الفلاحي، بين عوامل طبيعيّة مرتبطة بالتضاريس والمناخ والموارد المائيّة وظاهرة التصحّر وأخرى تاريخيّة واجتماعية وبشريّة مثل الزّحف العمراني وتوسّع المجال الحضري على حساب المجال الرّيفي وهيمنة النشاط الرّعوي وزراعات الحبوب منذ القدم(2)، فإنّ هنالك عوامل أخرى المسؤول الأوّل عنها هو الدّولة التي تحمّلت مسؤوليّة إدارة شؤون البلاد منذ 1956. فقد كان للسياسة الفلاحية التي اتّبعتها الدّولة منذ 1956، رغم ما تخلّلها من تغيير في العناوين والشعارات الكبرى حسب المخططات التي كانت ترسمها وتعمل على إنجازها، دورها الرّئيسي في استمرار هذه الأزمة. فبتلك السياسات حافظت الدولة التونسية على العوامل الهيكلية المولّدة لأزمة هذا القطاع بينما حاولت إيجاد بعض الحلول الظرفية والمحدودة دون أن تمسّ تلك العوامل العميقة وبالتالي لم تمتلك الإرادة لتحارب جوهر الأزمة الهيكليّة للقطاع الفلاحي.

وترتبط العوامل الهيكليّة التي تفسّر أزمة الفلاحة في تونس بوضعيّة الأرض في الرّيف التونسي، وتحديدا بملكيّتها وبعلاقة الفلاّحين بمختلف فئاتهم بالأرض وكيفيّة تطوّرها منذ ما قبل فترة الاستعمار المباشر وكيفيّة تعامل الدّولة مع هذه المسألة.

1- ملكيّة عقاريّة معقّدة ومعرقلة للاستغلال الزّراعي

تنتشر في تونس أصناف متنوّعة من الملكيّة، وهي أصناف تعود إلى ما قبل حقبة الاستعمار المباشر. حيث كانت الأراضي في الرّيف التونسي تتوزّع بين:
- الملكية العقارية الفردية (الخاصّة)، كان هذا الصنف ينتشر في مناطق الاستقرار السكّاني القديمة وهي أساسا الواجهة السّاحليّة الشّرقية وواحات الجنوب، وكذلك المساحات التي استحوذت عليها المدن من الأرياف المحيطة بها. أمّا في المناطق الدّاخلية، فقد غزت الملكية الفردية تلك الربوع مع استحواذ عناصر من المخزن (إدارة وجيش) وتجّـــار كبـــــار وعـــدول على مساحــــــات واسعـــــة ( الهنـــــــاشيــــــر) خاصة في المناطق الخصبة، مثل سهول مجردة الوسطى وباجة وماطر، إضافة إلى توسّــع تملّك العــائلة الحــاكمــــــــــــــة (البــايـــات) والإقطاعات التي كانت تُمنح لكبار موظفي المخزن)3). ومجموع مساحة هذا الصّنف من الملكية كانت تتراوح بين ثلث وربع المساحة الجمليّة الصالحة للزراعة(4).
- أراضي البايليك، وأصبح اسمها لاحقا الأراضي الدّولية حسب قانون 22 جويلية 1922 الذي قدّر مساحتها بـ 415 ألف هكتار بعد ضمّ المجال الغابي إليها منذ 1890(5).
- أراضي الأحباس، وهي تصنّف الى أحباس عمومية وأحباس الزوايا وتنتشر على مساحات واسعة في الوسط والجنوب خاصّة والشمال أيضا.
- أراضي العروش، وكان هذا الصنف الأخير يمثّل أوسع المساحات من الأراضي الفلاحيّة، إذ كانت تقدّرُ بأكثر من 3 ملايين هكتار. وقد كان أغلبها مخصصا بدرجة أولى للرّعي. تختصّ بصعوبة تدقيق مساحاتها قانونيا بسبب تداخلها مع أراضي البايليك والأحباس. وتنتشر خاصة بالوسط التونسي ثم بالشمال.

من بين كلّ هذه الأصناف، كانت الملكيات العقارية الخاصّة واضحة قانونيا، ثمّ تليها أراضي البايليك. أمّا بقيّة الأصناف فكانت تسمّى الأراضي "العربي" في تناقض مع أراضي "المِلك" للدّلالة على أنّ صبغتها القانونيّة غير واضحة، وقد سهّل هذا على الإمبرياليين الأوروبيين الشّروع في الاستعمار الزراعي للإيالة التونسية حتى قبل انفراد الإمبريالية الفرنسية بها عام 1881. فقد اشترت شركة مرسيليا للقرض ضيعة بسيدي ثابت مساحتها حوالي 5000 هك وهنشير النفيضة ومساحته 100000 هك(6) كما اشترت ضيعة بوادي الزرقاء تمسح 9000 هك.

مع الاستعمار الفرنسي، تحوّل جزء هام من أراضي كبار الملاكين التونسيين، خاصّة المقيمين منهم في الحواضر، إلى كبار الملاكين الأوروبيين الذين اشتروا أكثر من 440 ألف هكتار من الأراضي الخاصّة للعائلات الأرستقراطية، قبل الشروع في الاستعمار الزراعي بطريقة رسميّة حيث شرّعت سلطات الاحتلال عمليّة الاستحواذ على أراضي البايليك وجزء كبير من أراضي الأحباس وأراضي العروش بالاعتماد على مجموعة من القوانين والأوامر، من ذلك، أمر 4 أفريل 1890 يخصّ الاستحواذ على المجال الغابي، أمر 13 أفريل 1896 الذي خوّل الاستحواذ على جزء كبير من أراضي العروش، أمر 13 نوفمبر 1898 الذي يفرض الاستحواذ على 2000 هك سنويّا من أراضي الأحباس، الخ...

وقد تعمّقت سياسة الاستعمار الزراعي بعد الحرب العالمية الأولى لتفوق مساحة الأراضي التي تمّ لاستحواذ عليها مليون هكتار، أي أكثر من ربع (1/4) المساحات المزروعة المقدّرة آنذاك بـ 3.8 مليون هكتار. وشملت هذه السياسة الاستعماريّة الأراضي الخصبة حيث امتدّت شمال الظهرية التونسية وسهول الوطن القبلي وسهول سوق الخميس والسهول المجاورة لمدينة تونس وسهل مجاز الباب والتل العلوي وسهل النفيضة وظهير مدينة صفاقس وضيعات وواحات بالجنوب الشرقي. وهي أراضي ذات مردوديّة عالية للزراعات الموجّهة للتصدير مثل الحبوب والقوارص والكروم والزياتين والنخيل.

لقد عطّل الاستعمار الأوروبي عمليّة التحوّل الطبيعي في تونس، كما في باقي الأقطار العربية التي وقعت تحت التوسّع الاستعماري الإمبريالي، "لأنّ التدخل الإمبريالي أجهض عمليّـــة النُمــــوّ الدّاخليّــــة وثبّــــت عــلاقــــات الإنتــــــــــــــــاج الإقطاعية"(7)، لكنّه أدخل تغييرا على مستوى علاقات الإنتاج في الريف التونسي في الأراضي التي سيطر عليها. وهكذا، ظهرت علاقات الإنتاج الرّأسمالية وشبه الرأسمالية، إلى جانب العلاقات الإقطاعية، التي استجابت لمتطلبات الاقتصاد التبادلي. وبالتالي، فقد زاد الاستعمار في تنويع أصناف الملكيات العقارية وتعقيدها وفي إدخال أنماط وعلاقات إنتاجية جديدة زادت في تعميق أزمة الفلاحة والغالبيّة العظمى من الفلاّحين التونسيين.

هذا الخليط من أنماط الإنتاج وهذا التنوّع في الملكيات وترسانة القوانين التي سنّها الاستعمار خدمة لمصالحه سترثها الدّولة التونسيّة إثر اتّفاقيات 1956 ممّا جعلها غير قادرة على حلّ أغلبها، مع العلم أنّ الاستعمار الزراعي الأوروبي للأراضي التونسيّة استمرّ إلى ما بعد 1956.

بعد 1956، وفي ظلّ غياب سياسة إصلاح زراعيّ من قبل الدّولة، تمّ إصدار مجموعة من التشريعات كان الهدف منها تصفية بعض أصناف الملكيات العقاريّة. فتمّ إصدار أمر 31 ماي 1956 المتعلّق بتصفية جمعيّة الأوقاف وحلّ أراضي الأحباس العمومية وإلحاقها بأملاك الدّولة، وفي 18 جويلية 1957 تمّ إصدار أمر لحلّ الأحباس الخاصة وتوزيع أراضيها على مستحقّيها ثمّ قانون عدد 53 لسنة 1957 المؤرخ في 02/11/1957 الذي يتعلق بإلغاء نظام الأحباس الخاصة والمشتركة. لكن هذه الأوامر اصطدمت بمشكلة السكان المستقرّين على تلك الأراضي فتمّ إصدار قانون الإنزال في مارس 1974 الذي وضع شروط إثبات السكان المستغلّين وتحوّلهم إلى ملاّكين ممّا سمح بتصفية أغلبيّة هذه الأراضي.

أمّا بالنسبة لأراضي العروش، فقد اعترف قانون 4 جوان 1964 بالمجموعة (العرش) كشخصية مدنية تنطبق عليها أحكام الملكيّة مع بقاء الدّولة طرفا رئيسيّا في هياكل التصرّف تنظر في قرارات التفويت لفائدة أفراد المجموعة. لكنّ التفويت في ملكيات العروش اعترضته عديد العراقيل ارتبطت أغلبها بتجربة التعاضد (السياسة الاشتراكية الدستورية) (61-1969)، فإلى نهاية 1969 لم يفوّت منها سوى 22 ألف هك. وانطلاقا من 1971، أي إثر التخلّي عن سياسة التعاضد واعتماد سياسة اقتصادية ليبرالية مفضوحة، وقع التفويت في 817 ألف هك إلى حدود 1981، أمّا المساحة المتبقية والمقدّرة بـ 2.1 مليون هك فقد بقيت وضعيتها العقارية معقّدة جدّا رغم صدور عدد من الأوامر الرئاسيّة والقوانين ومازالت مساحات واسعة منها لم تجد طريقها إلى الحلّ إلى اليوم.

ورغم هذه الإجراءات التشريعيّة، بقي جزء كبير من المساحات الزراعيّة غير مسجّل عقاريّا، فقد بلغت المساحة المسجّلة 2.5 مليون هك سنة 1964 من مساحة جملية تقدّر بـ 7 ملايين هك، وأكثر من نصف تلك المساحة المسجّلة هو تابع للدّولة، وإلى حدود 1986 وصلت مساحة الأراضي المسجّلة 3627272 هك وهو ما يمثل 51 % فقط من المساحة الجمليّة الصّالحة للتسجيل. وتشكّل هذه الوضعية العقارية عائقا كبيرا أمام استغلال جزء مهمّ من الأراضي وعدم الانتفاع به على الوجه المطلوب بسبب ضبابيّة وضعها القانوني ويحدّ بالتالي من إمكانيات تطوير مردود تلك الأراضي خاصّة أمام صعوبة الحصول على قروض فلاحية من قبل مستغلّيها وكذلك عدم قدرة الدولة على وضع مخططات فلاحيّة دقيقة نظرا لعدم إلمامها بواقع تلك الأراضي الفلاحية وخصوصيّاتها.

يضاف إلى هذه العراقيل المرتبطة بالوضع القانوني للأراضي واختلاط أصناف الملكيات العقارية وفشل سياسات حلّ هذه الأوضاع، الانعكاسات السلبية -على الفلاّح والفلاحة- المنجرّة عن كيفيّة التعامل مع أراضي المعمّرين بعد استرجاعها ومع أراضي الدّولة وطرق التفويت فيها.

2- التناقض بين تركّز شديد وتشتت كبير للمُستغلاّت الزراعيّة هو التّناقض بين كبار الملاّكين العقاريين والفــلاّحين الكــادحين

قبل حقبة الاستعمار الفرنسي، كانت الملكيات العقارية الخاصّة بيد قلّة من كبار الملاّكين الإقطاعيين، إلى جانب أراضي الأحباس وأراضي البايليك وأراضي العروش، بينما لم يكن لعامّة الشعب ملكيّات خاصّة وإنّما كانوا يتصرّفون في الأراضي الجماعية دون امتلاكها. وبالتالي كان الملاّكون الكبار يحتكرون مساحات زراعيّة واسعة.

وخلال الحقبة الاستعمارية، أصبحت الملكيات ذات المساحات الواسعة موزعة بين كبار الملاكين التونسيين والاستعماريين الأوروبيين، بينما انحصرت المساحة التي يستغلها بقية الفلاحين التونسيين وعددهم آنذاك يقدّر بـ 480 ألف فلاّح في أقلّ من 3 ملايين هكتار، أي بمعدّل 6 هك للفلاّح الواحد، هذا مع أنّ عددا غير قليل من الفلاّحين اضطرّ إلى الاشتغال في ضيعات كبار الملاكين الاستعماريين وعدد آخر لجأ إلى التلال وإلى سفوح الجبال فيما نزح عدد آخر إلى الحواضر بسبب توسّع الاستعمار الزراعي. ومن بين الفلاحين التونسيين، كان 88% يتصرّفون في مستغلاّت لا تتجاوز مساحاتها 20 هك وهي مستغلاّت ضعيفة الخصوبة(8). ومقابل ذلك، كان متوسّط مساحة المستغلات يقدّر بـ 258 هك بالنسبة للضيعات التي أصبحت على ملك الاستعماريين الأوروبيين، وقد كانت مساحة العديد من الضّيعات تمسح أكثر من 10 آلاف هكتار.

يتمثّل التناقض الرّئيسي الذي كان يشقّ الرّيف التونسي خلال حقبة الاستعمار المباشر في التناقض بين أقليّة ثريّة من الإقطاعيين والبرجوازيين تحتكر مساحات واسعة من الأراضي الخصبة وأغلبيّة مفقّرة تتصرّف في مساحات صغيرة أو تشتغل بطرق مختلفة في ضيعات تلك الأقليّة (خماسة، ربّاعة، بالأجر، بالكراء...)، وقد زاد هذا التناقض بين التركّز الشديد للمستغلاّت الكبيرة بيد كبار الملاكين الاستعماريين والتونسيين من جهة وبين التشتت الشديد للمستغلاّت الصغيرة التي يستغلّها الفلاّحون الفقراء، زاد في استثراء طبقة كبار الملاكين الإقطاعيين والبرجوازيين وفي تفقير وإفلاس صغار الفلاحين التونسيين والدّفع بعدد كبير منهم إلى البطالة والنّزوح والتسوّل والخضوع للاستغلال من قبل كبار الملاّكين.

هذا التناقض الرّئيسي لم يتغيّر لا بعد 1956 ولا بعد 1964، بل إنّه سيحافظ على سماته الرّئيسيّة، وعوض أن تسير الدّولة التونسيّة في طريق القضاء عليه فقد واصلت السّير في طريق تجذيره تكريسا لهيمنة الطبقات الاجتماعيّة السّائدة ليس في الريف فحسب وإنّما في المدن أيضا، ولعلّ التغيير الوحيد الذي حصل هو استبدال طبقة الملاكين الاستعماريين بشريحة أخرى من الملاكين التونسيين الذين استفادوا من الإقطاعات والهبات العقـــــــــــــاريّـــة والتّفويـــــت في أراضـــي الاستعمـــــــاريين و الأراضـــــــي الدَّوْلية بأسعار رمزيّة منتهزين علاقات القرابة التي تربطهم بالعائلات الحاكمة منذ 1956 أو ولاءهم لحزب الدستور وهو ما أدّى إلى تعزيز رصيد هذه الطبقة. وهذا التفاوت يبرزه التطور اللاّمتكافئ في متوسّط مساحة كلّ صنف من الضيعات(9)، فقد تنامى متوسط مساحة الضيعات التي تفوق مساحاتها 100 هك من 284 الى 297 هك بين 1961 و1980، بينما انخفض متوسط مساحة الضيعات الصغيرة (أقل من 20 هك) من 6.4 الى 6.1 هك وكذلك بالنسبة للضيعات المتوسطة (بين 20 و50 هك) من 31 إلى 28.8 هك في نفس الفترة.

لقد بدأت عملية بيع الأراضي الدولية للخواص منذ 1962، وقد بيع منها 165933 هك الى حدود سنة 1980 من جملة 300 ألف معدّة للبيع مع تحديد المستفيدين من بين العمّال القارّين والمتعاضدين الصّغار والفنّيين والمهندسين الفلاحيين. وبسبب فشل هذه السياسة وقع منذ 1976 إعطاء الأولويّة لخريجي المدارس الفلاحية ثم أبناء الفلاّحــــين ثم العمال الفلاحيّــــين مع شرط الاستغـــــلال المباشر لمدة عَشرِ سنوات متتــــــالية. لكن ما لوحظ هو أنّ الضيعات الكبيرة التي بيعت استفادت منها عناصر من كبار الملاكين وخاصة من المستقرّين في المدن وهم الذين يملكون رؤوس أموال كافية وآلات عصرية لاستغلال تلك المساحات. وما حدث لأراضي الدولة حدث أيضا للأراضي الاستعمارية، حيث استفادت البرجوازية الكبيرة والإقطاعيون وخاصة التغيبيون منهم من التفويت في جزء من هذه الأراضي سواءً عن طريق الشّراء أو الكراء (222 ألف هك سنة 1985). كما وقع تخصيص 90 ألف هك للكراء على مدى طويل لفائدة شركات تنموية تونسية عربية تموّلها بنوك عربية بينما حافظت الدولة على بقية المساحات.

وبهذه السياسات، فقد كرّست الدّولة ظاهرة التركّز الشديد للمستغلات الكبيرة بيد أقليّة من الملاكين العقاريين أغلبهم لا علاقة لهم بالرّيف وبالأرض بينما حافظت على جمهور واسع من الرّيفيين يملكون مساحات ضيّقة أو لا يملكون أكثر من مساحات مساكنهم البسيطة، وزادت سياساتها الليبرالية في تفقيرهم وتفليسهم نظرا لعدم قدرتهم على منافسة كبار الملاكين خاصة في تعصير فلاحتهم بسبب ضعف إمكانياتهم وغياب دور الدّولة في هذا القطاع ممّا جعلهم ضحايا لتلك السياسات الفلاحية والاجتماعية المتعاقبة التي حافظت على ملكيات كبار الملاكين ووفّرت لهم تسهيلات مالية وإداريّة بتمكينهم من الحصول على قروض كبيرة ومنح ممّا مكّنهم من توسيع ملكياتهم بالزّحف على مساحات صغار الفلاحين ومتوسّطيهم مستغلّين عدم قدرتهم على استغلال أراضيهم نظرا لارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي.

هذه السّمات العامّة لتوزّع الضّيعات الفلاحيّة حسب المساحة بين أصناف الفلاّحين والمالكين لم تتغيّر في جوهرها، وهي نتيجة طبيعيّة لتواصل اتّباع نفس السياسات.

وما يلاحظ أنّ الفلاّحين الفقراء الذين يمثّلون أغلبيّة سكّان الرّيف التونسي لا يملكون إلاّ نسبة ضعيفة جدّا من المساحة الجمليّة للأراضي، ذلك أنّ 54% من مجموع الفلاحين لا تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 5 هك في سنة 2004–2005 والمساحة الجمليّة لهذه المستغلاّت لا تمثّل سوى 11% من المساحة الجمليّة للأراضي الزراعية. وفي المقابل يحتكر كبار الملاّكين، الذين تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 100 هك، 22% من المساحة الزراعية الجمليّة بالبلاد بينما لا يمثّل هذا الصّنف سوى 1% من العدد الجملي للفلاحين(10).

ولا شكّ أنّ ملكيّة الأرض تتاثّر مع مرّ السنين بعامل الوراثة، حيث تقسّم تلك المساحات بين ورثة الفلاّح، وهذا العامل يؤدّي إلى الزيادة في عدد المستغلاّت، لكنّه في نفس الوقت يؤدّي إلى تقلّص متوسّط/معدّل مساحات تلك المستغلاّت. فبين سنتي 1962 و1995، ساهم هذا العامل إلى جانب عوامل أخرى (التفويت في أراضي الدولة وأراضي العروش وحلّ الأحباس) في ارتفاع عدد المستغلاّت من 326 ألف إلى 471 ألف وهو ما جعل متوسّط مساحة المستغلّة يتراجع من 16 هك إلى 11.2 هك(11). ومن البديهي أنّ هذا التراجع سيكون ملحوظا بشكل كبير في مساحات صغار ومتوسّطي الفلاّحين.

3- كيف نحــــلُّ مطلب "الأرض" ؟

لقد حافظت المسألة الفلاحيّة في تونس، إلى اليوم، على سماتها القديمة منذ عهد ما قبل الاستعمار، وأبرز هذه السّمات هو التناقض بين جماهير الفلاحين الفقراء الذين لا يملكون أرضا أو يملكون مساحات صغيرة غير قادرة على توفير الحدّ الأدنى من ضروريات عيشهم وبين قلّة من كبار الملاّكين العقاريين الذين يستحوذون على مساحــات كبيرة يشغّلون فيها أولئك المزارعين الفقراء. ولعلّ التطوّريْن الوحيديْن اللّـــذيْن حصلا طيـــلة هذه القـــرون همـــا تحــــــــــــوّل جزء من كبار الإقطاعيين إلى كبار برجوازيين من جهة وتحويل جزء من جماهير الفلاحين الفقراء من أقنــــــــــــان إلى أجراء، وبالتالي فقد حافظ هذا التناقض على جوهره ليظلّ جوهر الصّراع في الريف قائما بين هاتين الطّبقتين، فعلاقات التناقض هذه "تولّد نضال الفلاّحين من أجل الأرض. وتلك هي نقطة الانطلاق لنضال الفلاحين... ضد أكبر الملاكين العقاريين"(12).

وما قامت به الدّولة التونسيّة، منذ 1956، كان تسهيل استحواذ كبـــار الملاكين العقاريّـــين على الأرض سواءً الأراضي الدَّوْلية أو أراضي المستعمرين التي وقع استرجاعها أو أراضي الأحباس أو أراضي العروش التي وقع حلّها. وطبعا، لم يكن منتظرًا من هذه الدّولة غير هذه الإجراءات التي تحافظ على مصالح الطبقات الاجتماعية السّائدة، البرجوازية الكمبرادوريّة وكبار الملاكين العقاريين، أمّا كلّ من كان ينتظر منها إصلاحا زراعيا أو ثورة زراعيّة فهو واهم لانّ هذه الإجراءات ليست من مهامّ هكذا أنظمة.

لقد تنكّرت "دولة الاستقلال" لجماهير الفلاحين رغم الدّور الذي اضطلعوا به في معركة الكفاح الوطني ضدّ الاحتلال المباشر منذ 1881، وكان دورهم بارزا خاصّة في مختلف محطّات الكفاح المسلّح. فقد كانت جبال البلاد ميدانا لمعارك المقاومة الوطنية ومثّل الفلاحون الفقراء والمُعدمون أهمّ مصدر للمقاومين. وتعتبر حركة الفلاحين في القصرين(13) من أهمّ الحركات الفلاحية في تاريخ تونس المعاصر حيث انتفض الفلاحون سنة 1906 في هذه المنطقة ضدّ الملاكين الاستعماريين الذين استولوا على أراضيهم حتّى حلّ بهم البؤس والمجاعة، وتعرف هذه الانتفاضة بـ"انتفاضة الفراشيش".

إنّ الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية هما مهمّتان لا يمكن أن تضطلع بهما دولة الكمبرادور وكبار الملاكين، سواءً في تونس أو في الوطن العربي بأكمله كما هو الشّأن بالنسبة لمختلف البلدان في المستعمرات وأشباه المستعمرات، تماما مثل ما هو الشأن بالنسبة للعالم الرّأسمالي حيث لا يمكن للأنظمة البرجوازية السّائدة أن تحقّق مطلب "الأرض لمن يفلحها". فالشرط الضروري والأساسي لتحقيق مطلب جماهير الفلاحين الكادحة في الميدان الاقتصادي والميدان الاجتماعي هو قيام ثورة سياسيّة واجتماعية تطيح بالطبقات الحاكمة وتستولي من خلالها الطبقات المضطهَدة على السلطة حتى يمكنها تحقيق هذا المطلب. فــــلا البرجوازيون الكمبرادوريون ولا البرجوازيون البيروقراطيّون ولا كبار الملاّكين ولا هذه الدّولة "القديمة" القــــــــــائمــــــة ستحـــــــرّرهم من بؤســــــــهم ومن الاضطهــــــــاد الــــــذي يرزحون تحت نيره، وإنّما تحرّرهم هو بأيديهم مثلهم مثل بقيّة الطّبقات الاجتماعية المضطهدة في المجتمع. وقد أوضح لينين في الفقرة التالية هذه الحقيقة بقوله:
"ينجم ممّا سبق أنّ الملايين وعشرات الملايين من الناس هم فريسة البؤس والجوع، وسيظلّون دائما فريسة البؤس والجوع طالما أنّ بضعة آلاف من كبار الأثرياء يملكون مثل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي. ومفهوم أنّ سلطة الدولة بدورها، أنّ الحكومة نفسها (وإن كانت الحكومة القيصرية) سترى نفسها ملزمة بان ترقص على مزمار هؤلاء الملاكين الكبار. ومفهوم أنّ الفلاحين الفقراء لن يأملوا بأن تمتد إليهم يد المساعدة من أيّ مكان ومن أيّ أحد، طالما لم يجمعوا صفوفهم بأنفسهم لكي يؤلفوا طبقة واحدة بغية خوض نضال عنيد ضارٍ ضد طبقة الملاكين العقاريين هذه"(14).

وفي موقع آخر، يقول لينين في دحضه لأوهام ضيّقي الأفق حول هذه المسألة في روسيا: "فهل ينجم من هنا أنّه يتعيّن على الماركسيّـــــين أن يتخلّـــــــــوا كليّـــــــا عن فكـــــرة الثّـــــورة الزراعية الفلاحيّة ؟ كلاّ. فإنّ مثل هذا الاستنتاج لن يكون جديرا إلاّ بمـــــن تشكّل عقيــــــدتهم محاكــــاة ســــــاخرة ليبرالية للماركسيّــــــة. وممّــــا قيــــل ينجُــــمُ فقــــط، أوّلا، أنّـــــــه لا يُــــــــــــــمكن للماركسية أن تربط مصائر الاشتراكية في روسيا بمآل الانقلاب البرجوازي-الديمقراطي، ثانيا، انه يجب على الماركسية أن تأخذ بالحسبان إمكانيّتيْ التطور الرأسمالي للزراعة في روسيا وأن تبيّن بوضوح للشعب شروط وأهمية كل من الإمكانيتين، ثالثا، انه يجب على الماركسية أن تناضل بحزم ضد النظرة الزّاعمة أنّه يمكن قيام انقلاب زراعي جذري في روسيا بدون انقلاب سياسي جذري".(15). إنّ الشرط الأوّل، حسب لينين، هو الانقلاب السياسي الجذري حتى يتحقق الشرط الثاني وهو الانقلاب الزراعي الجذري.

إنّ دولة الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة، التي تكون قد حقّقت تحرّرها الوطني الفعلي بحلّ التناقض بين الاستعمار الجديد (الإمبريالية) وأعوانها ومختلف طبقات الشعب الثورية وأنجزت في نفس الوقت مطلب "الأرض لمن يفلحها" بحلّ التناقض بين كبار الملاكين العقاريين وجماهير الكادحين في الرّيف، هي التي يمكنها، في تونس والوطن العربي وعالم المستعمرات وأشباه المستعمرات أن تقوم بهذه المهمّة. وقد أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ الثورة الاشتراكية وثورة الديمقراطية الجديدة هما الكفيلتان بتحقيق الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية وحلّ التناقض السائد في الرّيف، ويمكن هنا العودة إلى ما تحقّق في الاتّحاد السّوفياتي زمن لينين وستالين وفي جمهورية الصين الشعبية زمن ماوتسي تونغ.

وبعبارة أخرى، لا يمكن للأحزاب الممثلة للبرجوازية الكمبرادورية ولكبار الملاكين العقاريين أن تحقّق هذا المطلب لأنّه مطلب أعدائها الطبقيين، وهذا يعني أنّ هذه المهمّة موكولة إلى الماركسيين اللينينيين الماويين، ويجب أن تكون لا فقط في برنامج حزبهم وإنّما على جدول أعمالهم اليومي تكتيكا واستراتيجيا ونظرا وممارسة. إنّ طبيعة علاقات الإنتاج السّائدة التي أفرزت جمهورا واسعا من المضطهَدين في الريف يمثلون أغلبيّة المجتمع تجعل من هذه الجماهير المضطهَدة جيش الثّورة الأوّل في حزب الطبقة العاملة الذي تقوده البروليتاريا، وتجعل من الرّيف والحواضر الصّغرى الميدان الأوّل للثورة حيث تكون منطلقا لمحاصرة المدن الكبرى.

في تونس، وفي الوطن العربي بشكل عامّ، بقيت جماهير الفلاحين الكادحة خارج دائرة الفعل السياسي وخاصّة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ تحقيق الاستقـلالات الشّكليّة، فغابت جماهير الفلاحين عن حركة الاحتجاجات الكبرى وعن الانتفاضات التي شهدتها بعض الأقطار العربيّة، ومنها انتفاضات "الربيع العربي". لكن هذا الغياب لا ينفي قيام الفلاحين ببعض الاحتجاجات المحدودة في الزمان وفي المكان أو مشاركتها فيها، مثل المشاركة في انتفاضة الإتاوة في تونس والاحتجاج على ترفيع أسعار الأعلاف...الخ. ويعود السبب الرّئيسي في هذا الغياب إلى عدم تنظّم هذه الجماهير في أحزاب ثوريّة، ولا يعود عدم تنظّمها لرفض هذه الجماهير التنظّم وإنّما لعدم انغراس الأحزاب الثورية في أوساط الفلاّحين. فجماهير الفلاحين تفتقد لمرشد يوجّهها إلى طريق الثّورة لذلك بقيت خارج حقل الفعل السياسي رغم جوهريّة قضيّتها ورغم وزنها الاجتماعي.

طرح ماوتسي تونغ، في مارس 1927، أي قبل 99 سنة، مجموعة من التساؤلات حول كيفيّة تعامل الحزب مع مسألة الفلاحين، قائلا: "أمّا الأحزاب الثورية والرفاق الثوريون فإنّهم سيجدون أنفسهم جميعا أمام اختبار الفلاحين الذين سيقرّرون قبولهم أو رفضهم. أ تسير على رأس الفلاحين وتقودهم ؟ أم تقف وراء ظهورهم معيبـــــا لـــــهم ؟ أم تقف في وجوههم تناهضهم ؟"(16)

وبعد هذه التساؤلات، قدّم ماو شرحا لتقريره الشهير حول التحقيق الذي أجراه في خونان حول أوضاع الفلاحين وطبقاتهم وفئات كلّ طبقة وقضايا كلّ طبقة منهم وقدّم إجابات حول طرق تنظيم صفوف الفلاحين المتوسطين والفقراء في اتّحادات مستقلّة عن كبار ملاّك الأراضي، وكيفيّة السير معهم في طريق الثورة. فحرّض رفاقه على ضرورة التوجّه إلى الرّيف ورفد قوّة العمّال بقوّة الفلاحين وتحويلها إلى طاقة ثوريّة للإطاحة بكبار الملاّكين: "إنّ الثّورة ليست مأدبة ولا كتابة مقال ولا رسم صورة ولا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللّباقة والوداعة والرقّة، أو ذلك الهدوء واللّطف والأدب والتّسامح وضبط النّفس. إنّ الثّورة انتفاضة وعمل عنف تلجأ إليه إحدى الطّبقات للإطاحة بطبقة أخرى. وثورة الريف هي ثورة تطيح بها طبقة الفلاّحين بسلطة طبقة الملاّكين الإقطاعيين. فغذا لم يستخدم الفلاّحون قوّة هائلة لا يمكنهم أبدا أن يطيحوا بسلطة ملاّك الأراضي التي تعمّقت جذورها مدى آلاف السّنين. ولا بدّ من مدّ ثوريّ عاتٍ في المناطق الرّيفيّة لانّ هذا هو الشّيء الوحيد الذي يقدر على استنهاض ملايين النّاس ليصبحوا قوّة هائلة"(17).

ولم يكتف ماوتسي تونغ بتقديم هذا التقرير، بل جعل منه برنامج عمل انطلق منه ليحقّق التحالف بين جماهير العمّال والفلاّحين ويشرع في إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة بعد المذابح التي تلقّاها الحزب الشيوعي الصيني من قبل شيانغ كاي شاك. لقد درس ماو الواقع الملموس في الصين دراسة ملموسة ودقيقة وتمكّن من اكتشاف الطّاقة الثورية الكامنة في الريف وفي صفوف الفلاّحين وهو ما مكّنه من قلب موازين القوى في صراع الشعب ضدّ الإمبريالية وضدّ الإقطاعيين.

لقد استجاب ماوتسي تونغ لدعوة فريدريك انجلز التي صاغها عام 1894: "إنّ الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الحزب الاشتراكي سيتمّ في مستقبل قريب. بيد أنّه ينبغي على هذا الحزب، كي يستولي على السلطة السياسية، أن ينتقل من المدينة إلى الريف، أن يتحوّل إلى قوّة في الأرياف". وقد سار ماو أيضا على خطى لينين الذي يعتبر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي "حزب العمّال والفلاّحين" وفي ذلك تأكيد لضرورة تحالف العمّال مع الجماهير الكادحة في الرّيف، والذي درس المسألة الزراعية في روسيا دراسة دقيقة مكنته من تجسيد هذا التحالف الطبقي المتين وإنجاح الثورة الاشتراكية. واليوم، قد تبدو الظروف مختلفة من بلد إلى آخر ومن عصر إلى آخـــر، وهــذا ليـــــس بالخـــطــــأ، فلكــــلّ بــــلد خصــــائصه ولذلك وجب التعامل مع هذه الخصائص وفق ما تتطلبّه الثورة المنشودة، مع أنّ ذلك لا يعني التخلّي عن الخطوط العامّة للماركسية اللينينية الماوية التي تظلّ مرشدنا في النظرية وفي الممارسة.

إنّ حلّ التناقض القائم في الرّيف لفائدة الجماهير الفلاحية الكادحة، هو الكفيل بالقضاء على بقيّة العراقيل التي تعاني منها الفلاحة في تونس، فحلّ هذا التناقض المرتبط بملكيّة الأرض هو الحلّ الجذري للمسالة الفلاحية، وإذا تحقّق ذلك تصبح معالجة بقيّة العوامل والعوائق والقضاء عليها أمرا يسيرا.

وإذا كان الحلّ الجذري للمسألة الزراعيّة يتطلّب إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة التي ستقضي على اضطهاد جماهير الكادحين في الريف وتوفّر لهم الأرض بعد مصادرتها من كبار الملاّكين، فإنّ الماركسيين اللينينيين الماويين يناضلون من أجل تحسين أوضاع الفلاحين الفقراء والمتوسّطين وبمشاركتهم من خلال العمل على إلغاء أعمال السخرة وكل أشكال الاستغلال الإقطاعية، وفسخ ديون الفلاحين الفقراء وتحريضهم على رفض تسديدها وإلغاء الضرائب والمكوس المرهقة لهم ومنع انتزاع أراضي الفلاحين الصغار ومصادرة المحاصيل أو رهن قوت الفلاحين لدى البنوك والاحتكارات الاستعمارية وتمكينهم من الحصول على القروض المُيسّرة والأسمدة اللازمة والآلات الفلاحية بأسعار منخفضة، والعمل على تمكين العاطلين والمعطّلين عن العمل من ضيعات من الأراضي الدّولية والأراضي غير المستغلَّة وتقديم الدّعم المادي لهم لتيسير استغلالها، والنضال من أجل تعميم شبكات الريّ وتعديل المقابل النقدي حسب الأوضاع المادية وتسهيل تسويق المنتوجات دون وسطاء وطفيليين وضمان أسعار بيع مناسبة لمنتوجاتهم داخل البلاد وخارجها تضمن استقرارهم واستمرارهم في القيام بنشاطهم الفلاحي، وتوفير الخدمات الضروريّة في المناطق الريفية بتعبيد الطرقات والاعتناء بالمسالك الفلاحية وتعميم التمتّع بالماء الصالح للشراب والنور الكهربائي، ومقاومة أسباب النّزوح الرّيفي والعزوف عن النشاط الزراعي، وضمان الحقوق السياسية والنقابية من ذلك حق التجمع في اتحادات فلاحية ممثلة ومستقلة عن اتحادات كبار الفلاحين والملاكين العقاريين وحق التعبير والتنظّم. كما ينبغي على الشيوعيين الماويين أن يولوا اهتماما خاصّا بما تعانيه المرأة الرّيفيّة من نظرة دونيّة لموقعها في المجتمع ومن استغلال واضطهاد.

--------------------------------------------------------------
(1)- التقرير السنوي لأداء مهمة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لسنة 2020، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، أكتوبر 2021، ص.4.
(2)- فلنزي (لوسات)، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر (1790-1830)، سراس للنشر، 1994، ص.54.
(3)- Kassab (ahmed), L’évolution de la vie rurale dans les régions de la Moyenne Medjerda et de Béja-Mateur, publications de l’Université de Tunis, 1979, p.71.
(4)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال الأرض في الزراعة"، في العجز الغذائي في تونس الخضراء، سراس للنشر، 1990، ص. 74.
(5)-Ajeri (M. Saleh), Evolution du Mouvement National Tunisien, m.t.d., 1974, p. 69.
(6)- هذا الهنشير كان على ملك عرش أولاد سعيد وقد صادره منهم احمد باي سنة 1850 عقابا لهم وسنة 1873 منحه محمد الصادق باي لوزيره خير الدين الذي قام بعد مغادرته الوزارة ببيعه لشركة استعمارية فرنسية.
(7)- رفيق (حاتم رفيق)، مشروع برنامج سياسي للماركسيين اللينينيين الماويين في الوطن العربي، منشور في موقع الحوار المتمدّن، 18 فيفري 2010. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=204225))
(8)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال..."، ن. م.، ص.79.
(9)- الشريف (عبد الله)، "الملكية..."، ن. م.، ص. ص. 102-103.
(10)-عايب (حبيب)، في بناء التبعيّة الغذائية في تونس، ديسمبر 2019، ص. 10. (دراسة منشورة على الانترنات).
(11)- Elloumi (Med), «L’agriculture tunisienne dans un contexte de libéralisation», in Région et Développement n° 23-2006, p.133.
(12)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 142.
(13)- اُنظر التيمومي (هادي)، انتفاضة القصرين، تالة 1906، دار محمد علي للنشر، 1993.
(14)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلّد الثاني، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1979، ص. 289. (إلى الفلاّحين الفقراء)
(15)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 297.
(16)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي تونغ المختارة، المجلّد الأوّل، دار النشر باللغات الأجنبية، بيكين، 1968، ص. 30. (تقرير عن تحقيقات في حركة الفلاحين في خونان).
(17)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي..، ن.م.، ص. 37.
===========================================
مجلّة سلاح النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت 2026

Address

Tunis

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when قنـــــــــــــاة الكـــادحيــن posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share