08/18/2026
كلمة السفير/ طاهر محمد السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، التي ألقاها يوم الثلاثاء الموافق 18 أغسطس 2026، أمام مجلس الأمن، خلال جلسته المخصصة للنظر في البند المعنون "الحالة في ليبيا".
السيدة الرئيسة
في البداية، وقبل تقديم كلمتنا، علينا أن نؤكد مجدداً أن انعقاد هذه الجلسات يجب أن يقترن بإرادة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة للجمود السياسي، وتجاوز المقاربات النمطية، والمضي نحو إجراءات ملموسة تحقق تطلعات الشعب الليبي نحو الاستقرار، وترفع ليبيا من تحت براثن الفصل السابع، وتُنهي جميع فصول الأزمة في بلادي؛ فالمسؤولية مشتركة.
السيدات والسادة
نُثمن التقدم الملموس الذي أعلنته المبعوثة الأممية في إحاطتها اليوم، وما تم التوصل إليه من توافقات بين الطرفين الرئيسيين في لجنة (4+4)، والتي أُنجزت سريعاً خلال المشاورات التي جرت في الشهرين الماضيين، والخاصة بالتوافق حول مشاريع القوانين الانتخابية الرئاسية والبرلمانية، وآلية اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ونؤكد أن هذه القوانين ليست غاية بحد ذاتها، بل هي الأداة الوحيدة لتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في اختيار قياداته وتحديد شكل مؤسساته؛ فلا يمكن لأي مسار سياسي أن يكتسب شرعيته ما لم ينبع مباشرة من صوت المواطن.
ونعيد التأكيد على أهمية احترام كل المبادرات والحوارات الوطنية التي تستجيب لتطلعات الليبيين، وأن تُفضي بشكل صريح وغير قابل للمواربة إلى إنهاء فوري ومستدام لكافة المراحل الانتقالية، عبر انتخابات حرة ونزيهة، بقوانين عادلة غير إقصائية وقابلة للتطبيق.
كما نرحب بأي جهد دولي بنّاء يدعم الحوار الوطني ويسعى لإنهاء الانقسام، شريطة أن يكون خاضعاً للملكية والقيادة الليبية، ومكملاً للإطار الأممي ومخرجات الاتفاقات السياسية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ونؤكد أن الملكية الليبية للعملية السياسية لا ينبغي أن تبقى شعاراً يتكرر دون أن ينعكس في واقع الممارسة؛ ورغم تمسك الليبيين بحقهم السيادي في امتلاك قرارهم الوطني وعدم التفريط فيه، فإن حجم الانخراط الدولي في الشأن الليبي أصبح واسعاً ومؤثراً في مختلف المسارات. ومن ثم، فإن المطلوب أن يكون الدور الدولي داعماً للإرادة الوطنية لا بديلاً عنها، ومسانداً للمؤسسات الليبية لا متجاوزاً لها، وأن تتحول الملكية الليبية من مبدأ معلن إلى ممارسة فعلية تحترم حق الليبيين في تقرير مستقبل دولتهم.
السيدات والسادة
وفي هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها ليبيا، نقدر كل الجهود الدولية المبذولة لدعم المسار الاقتصادي واتفاق توحيد الميزانية والإنفاق التنموي، ولكن حان الوقت لمعرفة سبب عدم تطبيقها حتى الآن! فبعد مرور تسعة أشهر على توقيع الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ومرور أربعة أشهر على إقرار جداول الإنفاق في أبريل الماضي، نجدد دق ناقوس الخطر من استمرار تحديات عدم التنفيذ.
إن ضبط وتوحيد الإنفاق العام لم يعد ملفاً قابلاً للتأجيل، بل هو أولوية وطنية قصوى لحماية الدينار الليبي، وصون الاستقرار النقدي، وحفظ مقدرات الشعب من الاستنزاف العبثي.
وفي هذا الإطار، ولضمان نجاح هذه الاتفاقيات، فإننا ندعو الجميع أيضاً إلى دعم استقلالية مصرف ليبيا المركزي في ممارسة اختصاصاته القانونية والمهنية، بعيداً عن الضغوط والتجاذبات السياسية.
لذا، حان الوقت لدخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ، ونشره للرأي العام ولمؤسسات الدولة للاطلاع عليه، وبالأخص الأجهزة الرقابية منها؛ لضمان الشفافية والمساءلة والتزام الجميع بأحكامه.
إن تدهور الخدمات الأساسية للمواطن اليوم واستمرار الأزمات المعيشية، وعلى رأسها أزمة الطاقة والكهرباء، لم يعد يرتبط فقط بأمور فنية وغياب الموارد، وإنما هو مرتبط أيضاً بشبكات الفساد وجرائم تهريب الوقود والنفط الخام، وهي جرائم اقتصادية منظمة لا تقل في خطورتها وآثارها التدميرية عن الجرائم المسلحة.
وفي هذا السياق، ورغم ترحيبنا بإدراج لجنة الجزاءات في 22 يوليو الماضي لإحدى الناقلات لتورطها في تهريب النفط، فإننا نتساءل: كيف يكتفي المجتمع الدولي بإدراج ناقلة واحدة فقط، في حين تتحرك أساطيل كاملة لنهب ثروات الليبيين على مرأى ومسمع من العالم؟ إننا نطالب هذا المجلس ولجنة العقوبات بالتحرك الحازم وملاحقة كافة الأفراد والشبكات والكيانات المتورطة، ومن يقف وراءها محلياً ودولياً دون انتقائية، وهم بلا شك معروفون جيداً لديكم.
إن هذه الخطوات وغيرها ستعمل على تعزيز الشفافية والمساءلة بشأن تحصيل الإيرادات النفطية وعقود التسويق من قبل الجهات المختصة، كما جاء في تقارير فريق الخبراء وغيرها.
وفي السياق نفسه، نرحب باعتماد لجنة الجزاءات للمذكرة التوجيهية في 6 يوليو الماضي، والتي تتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إعادة استثمار الأرصدة النقدية المجمدة، مع بقائها وأرباحها تحت التجميد، وهو ما طالبنا به مراراً وتكراراً لحماية أموال الشعب الليبي وثروات أجياله القادمة من الاستنزاف؛ فليس من المقبول أن تظل أموال الليبيين حبيسة مصارف أجنبية تستفيد منها وتقتطع رسوماً باهظة، بينما تتآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم وأسعار الفائدة السلبية، فهذا اسمه نهب ممنهج، ولن نسمح به.
وبالحديث عن العقوبات، نذكّر المجلس بطلبنا المتكرر لرفع أسماء بعض المواطنين ممن انتفت أسباب وجودهم على قائمة العقوبات بعد مرور قرابة 15 عاماً، سواء كانوا من ممثلي النظام السابق أو غيرهم.
السيدات والسادة
نطالب المجتمع الدولي بدعم كافة مسارات الحوار العسكري واللقاءات الأمنية المشتركة التي تجمع القيادات العسكرية من مختلف أنحاء البلاد، ونرى في استمرار هذا التواصل صمام أمان حقيقياً لمنع الانزلاق مجدداً نحو مربع المواجهات المسلحة التي دفع الشعب الليبي ثمناً باهظاً لها.
إن حكومة الوحدة الوطنية مستمرة في تنفيذ استراتيجية متدرجة لضبط المشهد الأمني والعسكري، وهي استراتيجية بدأت منذ عام 2021، وتقوم على التعامل الواقعي مع التشكيلات العسكرية والأمنية القائمة؛ من خلال تنظيمها وتوجيه سلوكها، وإخضاع أدائها لمتطلبات الدولة ومؤسساتها، والاستفادة من العناصر والتشكيلات التي يمكن إعادة تنظيمها وتأهيلها للقيام بمهام التأمين وحماية المواطنين والمنشآت.
وقد تحركت الحكومة وفق تقديرات ومسارات متعددة؛ بين إجراءات تستهدف إنهاء وإلغاء بعض التشكيلات أو المهام التي لم تعد تتوافق مع متطلبات الدولة، ومسارات أخرى تقوم على احتواء التشكيلات القابلة للانضباط وإعادة توجيهها ودمج قدراتها في إطار مؤسسات الدولة.
ومن هنا، ندين ونرفض بصورة قاطعة منطق الاغتيال السياسي واللجوء إلى العنف أينما كان، وكذلك الاستهداف المتعمد للمنشآت المدنية الحيوية والنفطية وغيرهما؛ وهي ممارسات خطيرة تثير تساؤلات مشروعة حول الأجندات الساعية لتقويض التهدئة وجر البلاد إلى دوامة تصعيد جديدة.
إن الشارع الليبي، الذي عانى لسنوات من ويلات الصراع والاقتتال، يتطلع إلى رؤية خطوات عملية شجاعة تُفضي إلى توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية، وحصر حمل السلاح وقرار استخدامه في يد الدولة، وإنهاء كافة أنواع التواجد الأجنبي؛ فالأمن المستدام لن يتحقق إلا بإنهاء كافة المظاهر المسلحة الخارجة عن القانون، لأن المسارين الأمني والعسكري يمثلان حجر الزاوية في صناعة التسوية السياسية وحمايتها.
في الختام،
نؤكد أن الأهمية الاستراتيجية لليبيا يجب ألا تُختزل فيما تمتلكه من موارد واحتياطيات للطاقة، وإنما تمتد إلى موقعها ودورها في معادلة أمن البحر المتوسط وأمن الطاقة والتجارة الدولية؛ فاستقرار ليبيا وتأمين سواحلها ومؤسساتها يمثل عنصراً مهماً في استقرار وأمن المتوسط والمنطقة، وفي حماية أحد أهم فضاءات وممرات الطاقة والتجارة بين إفريقيا وأوروبا.
وكما ذكرنا في عدة مناسبات، إن كل ما يتم ذكره من انقسام وتحديات في كافة الملفات، بالأخص التي تمس المواطن الليبي سواء الاقتصادية أو الأمنية أو الإنسانية وغيرها، ما هي إلا أعراض لعدم الوصول بعد إلى حل سياسي جذري وشامل؛ حل سياسي مبني على التعددية والديمقراطية الفعلية، وقائم على دستور ودولة مدنية، دولة المؤسسات والقانون، دولة تحتكر السلاح ولها جيش موحد عقيدته حماية البلاد والدفاع عن الوطن.
إن الصراع الدائر لسنوات كان ولا يزال نتيجة تدخلات خارجية عدة، وقد استُغلت الأزمة لتمرير أجندات ونقل الصراعات بالوكالة، والشواهد كثيرة في دول الجوار والمنطقة؛ لذا ندعوكم اليوم مجدداً لشراكة دولية إيجابية، شراكة ندية تحترم إرادة الشعب الليبي وسيادته. ونشكر الدول التي انتهجت هذا النهج، وننتظر من البقية اللحاق به وتعديل سياساتها لتعم الفائدة على الجميع؛ فالتاريخ يسجل… والتاريخ لن يرحم، والليبيون سيتذكرون.